Top
Image Alt

تلقين المحتضر، تجهيزه، وغسله

  /  تلقين المحتضر، تجهيزه، وغسله

تلقين المحتضر، تجهيزه، وغسله

. باب: “من كان آخر قوله: لا إله إلا الله”

أ. حديث معاذ بن جبل:

عن معاذ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من كان آخر قوله “لا إله إلا الله” دخل الجنة)) رواه أحمد وأبو داود.

ب. معنى كلمة “جنائز” وكلمة “موت”:

وقبل الكلام عن هذا الحديث نُعرِّف معنى الجنازة، الجِنازة والجَنازة -بكسر الجيم، وفتحها- لغتان مشهورتان، وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش وعليه الميت، يعني: إذا قلت: جِنازة إنما تقصد النعش والميت عليه، وإذا قلت: جَنازة -بفتح الجيم- إنما تقصد الميت. وقيل العكس. والجمع: جنائز -بفتح الجيم لا غير- وهو مشتق من “جَنَز” بفتح الجيم “يجنِز” بكسر النون: إذا سُتر. قاله ابن فارس.

والموت: مفارقة الروح للجسد، وقد مات الإنسان يموت ويَمات -بفتح الياء وتخفيف الميم- فهو ميت، وهو ميّت بتشديد الياء وتخفيفها. وقوم موتى وأموات وميِّتون وميْتون بتشديد الياء وتخفيفها أيضًا. قال الجوهري: ويستوي في ميِّت وميْت المذكر والمؤنث؛ قال الله تعالى: {لّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مّيْتاً} [الفرقان: 49] ولم يقل: ميتة. ويقال أيضًا: مَيتةً كما قال الله تعالى: {الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} [يس: 33] ويقال: أماته الله وموته.  هذا فيما يتعلق بمعنى كلمة “جنائز” ومعنى كلمة “موت”.

ج. المعنى العام للحديث:

عن معاذ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من كان آخر قوله: “لا إله إلا الله” دخل الجنة)).

المؤمن الكيس من جمع بين الخوف والرجاء، يخاف الخاتمة والمصير، ويخاف عدل ربه وحسابه على ما قدمت يداه، وكل ابن آدم خطّاء وخير الخاطئين التوابون، قال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8] {يَوْمَ تَجِدُ كُلّ نَفْسٍ مّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدّ لَوْ أَنّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 30] والمؤمن الكيِّس هو من يرجو رحمة ربه الذي وسعت كل شيء، ويطمع في فضله وإحسانه وجوده الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج: 14، 15].

وقد جاءت الشريعة الإسلامية بطرف من النصوص التي تبعث الخوف في نفوس المؤمنين؛ فتدفع إلى العمل وإلى الجد والاجتهاد، وإلى أن تقوى العزائم يقول -جل شأنه-: {فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ(4) الّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ (5) الّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 4 – 7].

ويقول سبحانه: {وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ (1) الّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}  [المطفِّفين: 1 – 3]  ويقول: {وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لّمَزَةٍ (1) الّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلاّ لَيُنبَذَنّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الّتِي تَطّلِعُ عَلَى الأفْئِدَةِ (7) إِنّهَا عَلَيْهِم مّؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مّمَدّدَةِ} [الهُمَزة: 1 – 9].

فيقول سبحانه: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصّلاَةَ وَاتّبَعُواْ الشّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} [مريم: 59] ويقول جل جلاله: {وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنّمَ فَتُكْوَىَ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـَذَا مَا كَنَزْتُمْ} [التوبة: 34-35].

ويقول صلى الله عليه وسلم: ((ويل للأعقاب من النار)) ومر صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: ((إنهما يُعذّبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس)).

كما جاءت الشريعة الإسلامية بطرف من النصوص التي تنشر الطمع والرجاء في عفو الله تعالى، وتجعل أبواب الجنة مفتوحة أمام عامة المؤمنين، وأبواب النار محجوبة عمن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، يقول -جل شأنه-: {قُلْ يَعِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رّحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ} [الزُّمَر: 53]

ويقول سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: ((عبدي، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة)) ويقول صلى الله عليه وسلم: ((يا معاذ، بشر الناس أنه من قال: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة)) وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاني آتٍ من ربي؛ فأخبرني -أو قال بشرني- أن من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق رغم أنف أبي ذر)).

كما جاءت الشريعة الإسلامية بطرف من النصوص التي تجمع بين الخوف والرجاء، يقول سبحانه وتعالى في صفة المؤمن الحق: {يَحْذَرُ الاَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ}  [الزُّمَر: 9] ويقول سبحانه: {غَافِرِ الذّنبِ وَقَابِلِ التّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطّوْلِ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر: 3]. ويقول جل جلاله: {نَبّىءْ عِبَادِي أَنّي أَنَا الْغَفُورُ الرّحِيمُ (49) وَأَنّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ} [الحِجر: 49، 50].

وبهذا يرسم الإسلام الطريق الصحيح خوف يجعل السابقين لا يأمنون العاقبة، ويدفع هذا الخوف عمر بن الخطاب، وهو المبشر بالجنة، وبقصورها إلى أن يقول: “لئن نادى منادٍ أن كل الناس يدخلون الجنة إلا واحدًا لخشيت أن أكون ذلك الواحد”.

ويدفع ذلك أبو بكر حبيب حبيب الله إلى أن يقول: “لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدمي في الجنة” ورجاء يجعل العاصي الذي لم يعمل خيرًا قط من أهل الجنة بمجرد أنه خرج من بلد معصية قاصدًا بلد الطاعة، فمات في وسط الطريق، فكان أقرب إلى بلد الطاعة منه إلى بلد المعصية بشبر واحد، فأخذته ملائكة الرحمة والحديث مشهور.

فالطريق الصحيح خوف ورجاء، وعمل وأمل، فمن اقتصر على الخوف وأنكر الرجاء كان قانطًا من رحمة الله يائسًا من روح الله {إِنّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رّوْحِ اللّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] ومن اقتصر على الرجاء وطرح الخوف من الله كان جاهلًا مغترًّا مستهترًا بوعيد الله، وما أحسن جواب وهب بن منبه حين قيل له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا فلم يفتح لك. وما أسنان المفتاح إلا العمل مع الإيمان. جعلنا الله من المؤمنين العاملين الراجين الخائفين إنه سميع قريب مجيب الدعاء.

هـ. من فقه الحديث:

معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان آخر قوله: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة)) أي: من كان آخر كلامه من الدنيا: “لا إله إلا الله” ثم مات بعد هذه الكلمة؛ دخل الجنة.

وهذا الحديث يدل على أن من قال: “لا إله إلا الله” خاتمًا بها حياته؛ فقد حسُنت خاتمتُه ودخل الجنة.

ولعل البعض يتساءل: إن فرعون كان آخر كلامه لا إله إلا الله كما قال الله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيَ إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتّىَ إِذَآ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنّهُ لآ إِلِـَهَ إِلاّ الّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوَاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] فكان آخر كلامه لا إله إلا الله الذي آمنت به بنو إسرائيل؟!!!.

والجواب عن ذلك: إن العلماء اشترطوا في قبول التوبة من الكافر أو من العاصي أن يتوب قبل الغرغرة، أي: قبل أن تصل الروح إلى الغرغرة، ويدرك أنه لا محال ميت، فعند ذلك نطق بكلمة التوحيد؛ ولذلك ردَّ الله عليه: {آلاَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 91] نعم، لو أسلمت ونطقت بالتوحيد قبل ذلك لتقبل الله منك؛ لأن رحمة الله سبحانه واسعة، وأنه يقبل توبة التائبين، وأنه يعفو عن المذنبين مهما بلغت الذنوب.

قال تعالى: {قُلْ يَعِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رّحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ} [الزُّمَر: 53]. يقول الإمام ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هذه الآية تخاطب الذين قالوا: {إِنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} [المائدة: 73] والنصارى الذين قالوا: {الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ} [التوبة: 30].

والذين قالوا: إن عزيرًا ابن الله، والذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة تقول لهم: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىَ اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [المائدة: 74].

فتوبة الله عز وجل لا يمنعها أحد عن أحد، فإن أراد أي إنسان أن يتوب ويعود إلى الله عز وجل تقبّل الله توبته ولكن عليه أن يتوب قبل أن تصل الروح إلى الحلقوم قبل الغرغرة، وأن يندم على الذنب، وأن يعزم على أن لا يعود إليه مرة أخرى، كما يُتشرط أيضًا أن يتوب الإنسان قبل أن يغلق باب التوبة في آخر الدنيا.

مذهب أهل السنة في معنى الحديث:

إن العاصي الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله مستيقنًا بها قلبه هو مؤمن، وإن ارتكب الكبائر. ومصيره الجنة، وإن لم يغفر له، وأنه وإن عذب بالنار بمعاصيه؛ فلا بد من إخراجه منها، وإدخالها الجنة بإيمانه.

وقد أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي البواب الجنة الثمانية شاء)).

قال النووي: هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه ما يخرج عن جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدها، ففيه تعريض بالنصارى فيما ادعت من بنوة عيسى لله، ومن التثليث.

وقد حكى الأبي أن بعض عظماء النصارى سمع قارئًا يقرأ: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىَ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ} [النساء: 171] فقال: هذا دين النصارى. يعني: أن هذا يدل على أن عيسى بعض من الله، فأجابه الحسن بن علي صاحب كتاب (النظائر) بأن الله تعالى يقول: {وَسَخّرَ لَكُمْ مّا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ} [الجاثية: 13]  فلو أريد بـ”روح منه” أنه بعضه، كان ما في السموات وما في الأرض بعضًا منه، وإنما يريد بـ”روح منه” أنه من إيجاده وخلقه فأسلم النصراني، وفيه تعريض باليهود فيما قذفت به مريم -عليها السلام- وفيه التخلص من عقائد الدهرية، ومن يقول بنفي المعاد البدني، وذلك بذكر الجنة والنار.

وظاهر هذا الحديث يدل على ضرورة التلفظ بالشهادتين، لكن قال الأبي في (شرح مسلم): لا يشترط في داخل الإسلام النطق بلفظه “أشهد” ولا التعبير بالنفي والإثبات، فلو قال: “الله واحد، ومحمد رسول الله” كفى.

2. باب: المبادرة إلى تجهيز الميت، وقضاء دينه:

الحديث الأول:

عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا، فإنه يؤمّن على ما قال أهل الميت)) رواه أحمد وابن ماجه.

أ. المعنى العام للحديث:

لقد خلق الله الإنسان وكرمه وفضله على سائر مخلوقاته: {وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَىَ كَثِيرٍ مّمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70]  

وشاءت إرادة الله تعالى أن يكرَّم الإنسان حيًّا وميتًا، ففي حالة الموت لا تهمل جثته، ولا يترك جسده في العراء، ولا يترك كالحيوانات أو سائر المخلوقات، بل إنه بعد أن تفارق الروح الجسد لا بد من تغميض العين حتى لا يُستقبح منظر الميت، ولا بد من إطباق الشفتين، ولا بد من التكفين، ولا بد من الدفن ومن الدعاء للميت، ومن تلقينه لا إله إلا الله؛ لأن الملائكة يؤمّنون على الدعاء ساعة الاحتضار.

وكان أول قتيل يقتل على ظهر الأرض احتار أخوه ماذا يفعل به؟ وماذا يتصرف؟ {فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} [المائدة: 31]

فكان من تكريم الإنسان للإنسان أن يقوم بدفنه، وبالصلاة عليه إلى غير ذلك من واجبات الجنازة.

ب. شرح مفردات الحديث:

قوله: ((فإن البصر يتبع الروح)) قال النووي: معناه: إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظرًا إلى أين يذهب، يعني: البصر ينظر إلى الروح أين يذهب، قال: وفي الروح لغتان: التذكير، والتأنيث.

قوله: ((وقولوا خيرًا…)) إلى آخره، هذا في (صحيح مسلم) من حديث أم سلمة بلفظ: ((لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون)).

د. ما يستفاد من الحديث:

الحديث فيه الندب إلى قول الخير حينئذ من الدعاء والاستغفار له وطلب اللطف به، والتخفيف عنه ونحوه، وحضور الملائكة حينئذ وتأمينهم، وفيه أن تغميض الميت عند موته مشروع.

قال النووي: وأجمع المسلمون على ذلك، قالوا: والحكمة فيه حتى لا يقبح منظره لو ترك إغماضه. وقال الشيرازي: إذا مات الميت تولى أرفقهم به إغماض عينه، لما روت أم سلمة رضي الله عنها قالت: ((دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة فأغمض بصره، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر)) ولأنها إذا لم تغمض بقيت مفتوحة فيقبح منظره، ثم بعد ذلك يشد لحييه بعصابة عريضة تجمع جميع لحييه، ثم يشد العصابة على رأسه؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك استرخى لحياه وانفتح فمه فقبح، أو قبح منظره، وربما دخل إلى فيه شيء من الهواء.

ويستحب للناس أن يقولوا عند الميت خيرًا، وأن يدعو له بخير كما يقول ذلك النووي، قال بحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: ((دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة، وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قُبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونوِّر له فيه)) وهذا الحديث رواه الإمام مسلم.

وعنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإن إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها إلا أجاره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها)) قالت: فلما تُوفي أبو سلمة، قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله تعالى لي خيرًا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن أبي موسي الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع -يعني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون- فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد)) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن. وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) رواه البخاري.

الحديث الثاني:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نفس المؤمن معلَّقة بدينه حتى يقضى عنه)) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن.

أ. المعنى العام للحديث:

معلوم من الشريعة الغراء أن المسلم إذا اجتنب الكبائر؛ فإن الله عز وجل يعفو عن الصغائر، قال تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مّدْخَلاً كَرِيماً} [النساء: 31]

وقال صلى الله عليه وسلم: ((كتب على ابن آدم حظه من الزنا لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، ثم يأتي الفرج فيصدق ذلك أو يكذبه)).

إذن: الإنسان إذا اجتنب الكبائر؛ فإن الله عز وجل من رحمته بعباده وهو الغفور الرحيم يعفو عن هذه الصغائر التي ارتكبها الإنسان في حياته، فإذا ما أذنب العبد ذنبًا صغيرًا واستغفر الله؛ فإن الله عز وجل يغفر له وباب التوبة واسع، والله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.

وفي الحديث: ((إذا أذنب العبد ذنبًا ثم قال: يا رب، قال الله عز وجل: لبيك عبدي، علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنوب، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت له، وإذا أذنب ذنبًا آخر ثم قال: يا رب، قال الله عز وجل: لبيك عبدي، علم عليه السلام عبدي أن له ربًّا يغفر الذنوب، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت له، وفي المرة الثالثة يقول: غفرت لعبدي فليفعل ما يشاء)).

لكن يجب ألا ننسى قول الله تعالى: {نَبّىءْ عِبَادِي أَنّي أَنَا الْغَفُورُ الرّحِيمُ (49) وَأَنّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ} [الحِجر: 49، 50] .

فالتوبة بابها مفتوح لكل من أراد أن يقلع عن الذنب، وأن يعود إلى الله، لا يحول أحد بين الله، وبين قبول توبة العبد، فيا أيها المذنب، ويا من غرقت نفسه في الذنوب والمعاصي تب إلى الله، فإن الله عز وجل يغفر الذنوب جميعًا.

وإذا تأملنا القرآن الكريم نجد أن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: إذا سأله المسلمون أو غيره عن شيء يقول له قل لهم كذا: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217]

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىَ قُلْ إِصْلاَحٌ لّهُمْ} [البقرة: 220]

{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219]

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلّ لَهُمْ} [المائدة: 4]

إلى غير ذلك من الآيات التي فيها سؤال في القرآن الكريم، نجد أن الله -تعالى- يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم كذا قل لهم كذا، إلا في مسألة واحدة لم يقل ربنا -تبارك وتعالى- “قل” وهو: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186].

أي: إن الله سبحانه وتعالى لا يريد أن يكون بين العبد وبين ربه واسطة، حتى لو كانت هذه الواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومجال التوبة واسع يكفينا أن نقرأ فيها قول الله تعالى: {قُلْ يَعِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رّحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ} [الزُّمَر: 53] هذا فيما يتعلق بذنوب العبد إذا كانت في غير مظلمة للعبيد أو للناس.

أما إذا ارتكب المسلم ذنبًا في حق أخيه المسلم، كأن يكون هتك عرضه أو سرق ماله أو ظلمه، أو غير ذلك، فإنه لا بد عند التوبة أن يرجع الحقوق إلى أصحابها، وأن يستبرئ من له عنده مظلمة، كأن يذهب إلى أخيه المسلم ويقول له: أبرئني من كذا وكذا من هذه الأمور التي يكون الإنسان مذنبًا، إذا لم يوف به الدين، فإذا استدان الإنسان دينًا وكانت عنده المقدرة أن يسدد هذا الدين، ولم يفعل فإن الله عز وجل يقتص منه يوم القيامة.

ونعلم جميعًا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتدرون من المفلس؟ قالوا: ما لا دينار له، ولا درهم، قال صلى الله عليه وسلم: ليس كذلك. المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، وقد شتم هذا، وسب هذا، وسفك دم هذا، وهتك عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت -أو انتهت- حسناته قبل أن يأخذ ما عليه، أخذ من سيئاتهم -أو أخذ من خطاياهم- ثم طرح في النار)).

لذلك كان ولا بد على ورثة الميت أن يفعلوا -أول ما يفعلوا- بسداد دين الميت؛ فها هو الحديث الذي معنا: ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)) فيجب بعد تجهيز الميت أن يقوم الورثة بسداد دينه.

3. باب: تسجية الميت والرخصة في تقبيله.

عن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي سُجِّي بِبُرد حِبَرة)) متفق عليه.

قوله: ((سُجّي)) بضم السين وبعدها جيم مشددة مكسورة، أي: غطي.

قوله: ((حبرة)) بكسرة الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها راء مهملة، وهي ثوب فيه أعلام، وهي ضرب من برود اليمن، وفيه استحباب تسجية الميت، قال النووي: وهو مجمع عليه.

وحكمته: صيانته من الانكشاف، وستر عورته حتى لا تراها الأعين، قال أصحاب الشافعي: ويلف طرف الثوب المسجى به تحت رأسه، وطرفه الآخر تحت رجليه؛ لئلا ينكشف منه، قال: وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التي توفي فيها؛ لئلا يتغير بدنه بسببها.

وكل هذا من تكريم المولى عز وجل لبني آدم، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَىَ كَثِيرٍ مّمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70].

4. باب: ما جاء في غسيل أحد الزوجين للآخر:              

الحديث الأول:              

عن عائشة قالت: ((رجع إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعًا في رأسي، أقول: وا رأساه. فقال صلى الله عليه وسلم: بل أنا وا رأساه، ما ضركِ لو متِ قبلي فغسلتكِ وكفنتكِ ثم صليت عليكِ ودفنتكِ)) هذا الحديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه.

الحديث الثاني:

عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: “لو استقبلت من الأمر ما استدبرت، ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه” رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وقد ذكرنا أن الصديق أوصى أسماء زوجته أن تغسله فغسلته.

حديث عائشة الأول أخرجه أيضًا الدارمي، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي. وفي إسناده محمد بن إسحاق، وبه أعله البيهقي.

قال الحافظ ابن حجر: ولم ينفرد به بل تابعه عليه صالح بن كيسان، عند أحمد، والنسائي، وأما ابن الجوزي فقال: لم سيقل: “غسلتكِ” إلا ابن إسحاق. وأصل الحديث عند البخاري بلفظ: ((ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لكِ وأدعو لكِ)).

وأثرها الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري، ورجاله ثقات إلا ابن إسحاق وقد عنعن، وهو مدلس وغسل أسماء لأبي بكر الذي أشار إليه المصنف قد تقدم في باب الغسل من غسل الميت من أبواب الغسل، وليس فيه أن ذلك كان بوصية من أبي بكر.

قوله: ((فغسلتكِ)) فيه دليل على أن المرأة يغسلها زوجها إذا ماتت وهي تغسله قياسًا، وبغسل أسماء لأبي بكر -كما تقدم- وعلي لفاطمة كما أخرجه الشافعي والدارقطني، وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن، ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على علي وأسماء فكان إجماعًا، وقد ذهب إلى ذلك الشافعية والأوزاعي وإسحاق والجمهور.

قوله: “لو استقبلت من الأمر” قيل فيه أيضًا: متمسك لمذهب الجمهور، ولكنه لا يدل على عدم جواز غسل الجنس لجنسه مع وجود الزوجة، ولا على أنها أولى من الرجال؛ لأنه قول صحابية ولا حجة فيه، وقد تولى غسله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد، يناوله الماء والعباس واقف. ولم يختلف في أن الذين غسلوه صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والفضل، واختلف في العباس وأسامة، وقثم وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استوفى صاحب (التلخيص) الطرق في ذلك. ولم ينقل إلينا أن أحد من الصحابة أنكر ذلك فكان إجماعًا منهم.

5. باب: ترك غسل الشهيد، وما جاء فيه، إذا كان جنبًا:      

الحديث الأول:              

عن جابر بن عبد الله، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذًا للقرآن، فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم)) رواه البخاري والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه. ولأحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قتلى أحد: ((لا تغسلوهم؛ فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكًا يوم القيامة، ولم يصلّ عليهم)).

أحكام الغسل والتكفين بالنسبة للشهيد:

يقول الإمام الشوكاني: قوله ((يجمع بين الرجلين)) فيه جواز جمع الرجلين في كفن واحد عند الحاجة إلى ذلك، والظاهر أنه كان يجمعهما في ثوب واحد، وقيل: كان يقطع الثوب بينهما نصفين، وقيل: المراد بالثوب القبر مجازًا.

ويرده ما وقع في رواية عن جابر، فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة، وقد ترجم البخاري على هذا الحديث باب دفن الرجلين، والثلاثة في قبر واحد وأورده مختصرًا بلفظ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، وليس فيه تصريح بالدفن، وقد قيل: إنه جرى على عادته من الإشارة إلى ما ليس على شرطه أو اكتفى بالقياس يعني: على جمعهم في ثوب واحد انتهى.

وقد ذكر ابن إسحاق ممن دفن جميعًا عبد الله بن جحش، وخاله حمزة بن عبد المطلب، ومن وجه آخر أنه أمر بدفن عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو والد جابر، ولا يخفى أن قوله في هذا الحديث قدمه في اللحد يدل على الجمع بين الرجلين فصاعدًا في الدفن.

وقد أورد البخاري الحديث باللفظ الذي ذكره المصنف في باب الصلاة على الشهيد؛ فلعل البخاري أشار بما أورده مختصرًا إلى هذا، لا إلى ما ليس على شرطه، ولا سيما مع اتصال باب دفن الرجلين والثلاثة بباب الصلاة على الشهيد بلا فاصل.

وقد ثبت عند عبد الرزاق بلفظ: ((وكان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد)) وورد ذكر الثلاثة أيضًا في هذه القصة عند الترمذي وغيره.

وروى أصحاب السنن من حديث هشام بن عامر الأنصاري: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأنصار أن يجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر)) وصححه الترمذي قال في (الفتح): ويؤخذ من هذا جواز دفن المرأتين في قبر واحد.

وأما دفن الرجل مع المرأة، فروى عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع “أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه، وكأنه كان يجعل بينهما حاجزًا لا سيما إذا كانا أجنبيين.

قوله: ((أيهما أكثر أخذًا للقرآن)) فيه استحباب تقديم من كان أكثر قرآنًا، ومنه سائر أنواع الفضائل قياسًا، كأن يكون أكثر حفظًا للسنة، وأكثر فقهًا أو ورعًا أو دينًا إلى غير ذلك.

قوله: ((ولم يغسلوا)) فيه دليل على أن الشهيد لا يُغسل، وبه قال الأكثر، وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري حكاه عنهما ابن المنذر، وابن أبي شيبة، أنه يغسل، وبه قال ابن سريج من الشافعية.

والحق ما قاله الأولون، والاعتذار عن حديث الباب بأن الترك إنما كان لكثرة القتلى، وضيق الحال مردود بعلة الترك المنصوصة، كما في رواية أحمد المتقدمة، وهي رواية لا مطعن فيها.

وفي الباب أحاديث منها عن أنس، عند أحمد والحاكم، وأبي داود، والترمذي، وقال: غريب، وغلط بعض المتأخرين؛ فقال: وحسنه الترمذي “أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد، ولم يغسلهم”.

وعن جابر حديث آخر غير حديث الباب عند أبي داود، وقد رمي رجل بسهم في صدره، أو في حلقه فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده على شرط مسلم.

وعن ابن عباس، عند أبي داود، وابن ماجه، قال: “أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم” وفي إسناده علي بن عاصم الواسطي، وقد تكلم فيه جماعة، وعطاء بن السائب وفيه مقال.

وفي الباب أيضًا عن رجل من الصحابة، وقد اختلف في الشهيد إذا كان جنبًا أو حائضًا، وأما سائر من يطلق عليه اسم الشهيد كالطعين والمبطون، والنفساء ونحوهم، فيغسلون إجماعًا.

قوله: ((ولم يصل عليهم)) قال ابن حجر في (التلخيص): هو بفتح اللام، وعليه المعنى، قال النووي: ويجوز أن يكون بكسرها، ولا يفسد المعنى -يعني: ولم يصلِّ- لكنه لا يبقى فيه دليل على ترك الصلاة عليهم مطلقًا؛ لأنه لا يلزم من قوله: ((لم يصل عليهم)) ألا يأمر غيره بالصلاة عليهم.

يقول الشيرازي: ومن مات من المسلمين في جهاد الكفار بسبب من أسباب قتالهم، قبل انقضاء الحرب فهو شهيد لا يغسل، ولا يصلى عليه، ثم استدل الشيرازي بحديث جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا، وإن جرح في الحرب ومات بعد انقضاء الحرب غسل، وصلي عليه؛ لأنه مات بعد انقضاء الحرب.

ومن قتل في الحرب، وهو جنب ففيه وجهان:

قال أبو العباس، وأبو علي ابن أبي هريرة: “يُغسل” لما روي أن حنظلة بن الراهب، قتل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما شأن حنظلة فإني رأيت الملائكة تغسله، فقالوا: جَامَعَ فسمع الهَيْعَة فخرج إلى القتال)) فلو لم يجب غسله لما غسلته الملائكة.

وقال أكثر أصحابنا: لا يغسل؛ لأنه طهارة، عن حدث، فسقط حكمها بالشهادة كغسل الميت، ومن قتل من أهل البغي في قتال أهل العدل غسل، وصلوا عليه؛ لأنه مسلم قتل بحق فلم يسقط غسله، والصلاة عليه كمن قتل في الزنا والقصاص.

ومن قتل من أهل العدل في حرب أهل البغي ففيه قولان:

أحدهما: يغسل ويصلى عليه؛ لأنه مسلم قتل في غير حرب الكفار، فهو كمن قتله اللصوص.

والثاني: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه؛ لأنه قتل في حرب هو فيه على الحق، وقاتله على الباطل فأشبه المقتول في معركة الكفار.

ومن قتله قطاع الطريق من أهل القافلة ففيه وجهان:

أحدهما: أنه يُغسل ويصلى عليه.

والثاني: لا يُغسل ولا يصلى عليه لما ذكرناه في أهل العدل.

قال النووي: حديث جابر رواه البخاري -رحمه الله- وأما حديث حنظلة بن الراهب، وأن الملائكة غسلته لما كان جنبًا واستشهد فرواه البيهقي بإسناد جيد من رواية عبد الله بن الزبير متصلًا، ورواه مرسلًا من رواية عباد بن عبد الله بن الزبير، ورواية عبد الله بن الزبير لهذا يكون مرسل صحابي رضي الله عنه فإنه ولد قبل سنتين فقط، وهذه القصة كانت بأُحُد ومرسل الصحابي حجة على الصحيح.

وقوله في حديث جابر رضي الله عنه: ((ولم يصل عليهم)) هو بفتح اللام، قوله: “سمع هيعة” بفتح الهاء وإسكان الياء، وهي الصوت الذي يفزع منه، قوله: “طهارة عن حدث” فسقط حكمها بالشهادة احتراز من طهارة النجس، فإنه يجب إزالتها على المذهب، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى.

قوله: “لأنه مسلم قتل بحق فلم يسقط غسله” فيه احتراز ممن قتله الكفار فهو شهيد، قوله: “قتله اللصوص” هو بضم اللام جمع لص بكسرها.

المسائل المستفادة من الباب:

قال النووي: أما حكم الفصل ففيه مسائل:

أحداها: الشهيد لا يجوز غسله، ولا الصلاة عليه، وقال المزني -رحمه الله-: يُصلى عليه، وحكى إمام الحرمين والبغوي وغيرهما وجهًا أنه تجوز الصلاة عليه، ولا تجب ولا يغسل.

وقال الرافعي -رحمه الله-: الغسل إن أدى إلى إزالة الدم حرام بلا خلاف، وإلا فحرام على المذهب، وقيل في تحريمه: الخلاف الذي في الصلاة عليه، والمذهب ما سبق من الجزم بتحريم الصلاة والغسل جميعًا، ودليله حديث جابر رضي الله عنه.

المسألة الثانية: يثبت حكم الشهادة في ما ذكرناه للرجل والمرأة والعبد والصبي، والصالح والفاسق.

المسألة الثالثة: الشهيد الذي لا يُغسل ولا يُصلى عليه هو من مات بسبب قتال الكفار، حال قيام القتال، سواء قتله كافر أو أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد إليه سلاح نفسه أو سقط عن فرسه أو رفسته دابة فمات، أو وطئته دواب المسلمين أو غيرهم، أو أصابه سهم لا يعرف هل رمى به مسلم أم كافر، أو وجد قتيلًا عند انكشاف الحرب، ولم يعلم سبب موته سواء كان عليه أثر دم أم لا وسواء مات في الحال أم بقي زمنًا ثم مات بذلك السبب قبل انقضاء الحرب، وسواء أكل وشرب ووصى أم لم يفعل شيئًا من ذلك.

قال النووي: وهذا كله متفق عليه عندنا نص عليه الشافعي والأصحاب، ولا خلاف فيه إلا وجهًا شاذًّا مردودًا حكاه الشيخ أبو محمد الجويني في الفروق: أن من رجع إليه سلاحه أو وطئته دابة مسلم أو مشرك، أو تردى في بئر حال القتال ونحوه، ليس بشهيد لا يغسل، ويُصلى عليه، والصواب الأول.

أما إذا مات في معترك الكفار لا بسبب قتالهم بل فجأة أو بمرض؛ فطريقان المذهب أنه ليس بشهيد، وبه قطع الماوردي والقاضي حسين والبغوي وآخرون.

والثاني فيه وجهان:

أحدهما: شهيد، وأصحهما ليس بشهيد حكاه إمام الحرمين وآخرون.

المسألة الرابعة: إذا قتل أهل العدل إنسانًا من أهل البغي في حال القتال غسل، وصلي عليه بلا خلاف، وإن قتل أهل البغي عادلًا؛ فقولان مشهوران أصحهما يُغسل ويُصلى عليه كعكسه. قال الشيخ أبو حامد في كتابيه، وابن الصباغ هذا هو المنصوص عن الشافعي في القديم والجديد.

والثاني: نص عليه في قتال أهل البغي لا يُغسل، ولا يُصلى عليه؛ لأنه مقتول في حرب مبطلين فأشبه الكفار.

المسألة الخامسة: من قتله قطاع الطريق، فيه طريقان حكاهما إمام الحرمين، وآخرون:

أحدهما: ليس بشهيد قطعًا، وبه قطع جماعة، وأصحهما وبه قطع الشيرازي والأكثرون فيه وجهان أصحهما باتفاقهم: ليس بشهيد، والثاني: شهيد.

أما من قتله اللصوص؛ ففيه طريقان أصحهما، وبه قطع الشيرازي والماوردي وآخرون: ليس بشهيد قطعًا، والثاني: أنه كمن قتله قطاع الطريق، فيكون فيه الطريقان.

ولو دخل حربي دار الإسلام؛ فقتل مسلمًا اغتيالًا فوجهان: حكاهما إمام الحرمين وغيره، الصحيح باتفاقهم: ليس بشهيد، ولو أسر الكفار مسلمًا ثم قتلوه صبرًا؛ ففي كونه شهيدًا في ترك الغسل والصلاة عليه وجهان حكاهما صاحب الحاوي وغيره أصحهما ليس بشهيد.

المسألة السادسة: المرجوم في الزنا، والمقتول قصاصًا، والصائل، وولد الزنا، والغال من الغنيمة، إذا لم يحضر القتال ونحوه يغسلون، ويصلى عليهم، بلا خلاف عندنا.

وفي بعضهم خلاف للسلف سنذكره إن شاء الله قريبًا.

المسألة السابعة: لو استشهد جنب فوجهان؛ أصحهما باتفاق المصنفين يحرم غسله، وبه قال جمهور أصحابنا المتقدمين؛ لأنها طهارة حدث فلم يجز كغسل الموت.

والثاني: وبه قال ابن سريج، وابن أبي هريرة يجب غسله بسبب شهادة الجنابة، والخلاف إنما هو في غسله عن الجنابة، ولا خلاف أنه لا يغسل بنية غسل الموت.

المسألة الثامنة: قال الشافعي والأصحاب -رحمهم الله-: ينزع عن الشهيد ما ليس من غالب لباس الناس كالجلود والفراء والدروع، وغير ذلك، وأما باقي الثياب المعتاد لبسها التي قتل فيها، فوليه بالخيار إن شاء نزعها وكفنه بغيرها، وإن شاء تركها عليه ودفنه فيها، ولا كراهة في واحد من هذين الأمرين.

قالوا: والدفن فيها أفضل، والثياب الملطخة بدم الشهادة أفضل، فإن لم يكن ما عليه كافيًا للكفن الواجب وجب إتمامه، هكذا قال النووي قال: ودليل هذه المسألة حديث جابر السابق، وهو في (صحيح البخاري).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم)).

وعن جابر رضي الله عنه قال: ((رمي رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)) رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم.

وفي (صحيح البخاري) -رحمه الله- أن مصعب بن عمير رضي الله عنه قتل يوم أحد فلم يوجد ما يكفن فيه إلا بردة، وقتل حمزة رضي الله عنه فلم يوجد ما يكفن فيه إلا بردة.

المسألة التاسعة: الشهداء الذين لم يموتوا بسبب حرب الكفار كالمبطون والمطعون، والغريق، وصاحب الهدم، والغريب، والميتة في الطلق، ومن قتله مسلم أو ذمي أو ما تم في غير حال القتال، فهؤلاء يُغسلون، ويُصلى عليهم بلا خلاف.

قال النووي: قال أصحابنا -رحمهم الله- ولفظ الشهادة الواردة فيه المراد به أنهم شهداء في ثواب الآخرة، لا في ترك الغسل والصلاة.

قال: واعلم أن الشهداء ثلاثة أقسام:

أحدها: شهيد في حكم الدنيا، وهو ترك الغسل والصلاة، وفي حكم الآخرة بمعنى أن له ثوابًا خاصًّا، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهذا هو الذي مات بسبب من أسباب قتال الكافر قبل انقضاء الحرب.

والثاني: شهيد في الآخرة دون الدنيا، وهو المبطون والمطعون والغريق وأشباههم.

والثالث: شهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو المقتول في حرب الكفار، وقد غل من الغنيمة أو قتل مدبرًا أو قاتل رياء، ونحوه فله حكم الشهداء في الدنيا دون الآخرة.

والدليل للقسم الثاني أن عمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم غُسِّلوا وصُلّي عليهم بالاتفاق، واتفقوا على أنهم شهداء.

المسألة العاشرة: في حكمة ترك غسل الشهيد والصلاة عليه.

قال الشافعي في (الأم): لعل ترك الغسل، والصلاة لأن يلقوا الله بكلومهم -يعني: بجروحهم- لما جاء أن الشهيد يأتي يوم القيامة لونه لون دم، وريحه ريح مسك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فوالذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم -يعني: جَرْحٌ يُجْرَح في سبيل الله- إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كُلِم لونه لون دم، وريحه ريح مسك)).

قلنا: إن الشافعية يحرمون الصلاة على الشهيد وكذلك يحرمون غسله.

قال النووي: وبه قال جمهور العلماء، وهو قول عطاء، والنخعي، وسليمان بن موسى، ويحيى الأنصاري، والحاكم، وحماد، والليث، ومالك، وتابعوه من أهل المدينة، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر.

وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري: يُغسل ويصلى عليه.

وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: يُصلى عليه ولا يُغسل، واحتج لأبي حنيفة بأحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد، وصلى على حمزة صلوات، ومنها رواية أبي مالك الغفاري رضي الله عنه: “أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد عشرة عشرة، في كل عشرة حمزة، حتى، صلى عليه سبعين صلاة” رواه أبو داود في المراسيل.

وعن شداد بن الهادي: “أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، وذكر الحديث بطوله, وفيه أنه استشهد فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم” رواه النسائي.

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت)) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية للبخاري: ((صلى عليهم بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات)) قال النووي: واحتج أصحابنا -يعني الشافعية- بحديث جابر: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا)) رواه البخاري.

وعن جابر أيضًا: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قتلى أحد: لا تغسلوهم, فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكًا يوم القيامة, ولم يصل عليهم)) رواه الإمام أحمد. وعن أنس: ((أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم)) رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح.

وأما الأحاديث التي احتج بها القائلون في الصلاة, فاتفق أهل الحديث على ضعفها كلها إلا حديث عقبة بن عامر, والضعف فيها بيّن. قال البيهقي وغيره: وأقرب ما روي حديث أبي مالك وهو مرسل, وكذا حديث شداد مرسل أيضًا, فإنهما تابعان.

وأما حديث عقبة قال النووي: أجاب أصحابنا وغيرهم, بأن المراد من الصلاة هنا الدعاء.         

6. باب: صفة الغسل:

الحديث الأول:

عن أم عطية، قالت: ((دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته؛ فقال: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن, بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور, فإذا فرغتن فآذنني, فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوة, فقال: أشعرنها إياه)) يعني: إزاره. رواه الجماعة.

وفي رواية لهم: ((ابدأن بميامينها, ومواضع الوضوء منها)) وفي لفظ: ((اغسلنها وترًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، أو كثر من ذلك إن رأيتن)) وفيه قالت: ((فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها)) متفق عليهما, لكن ليس لمسلم فيه: ((فألقيناها خلفها)).

أ. مفردات الحديث:

قوله: ((حين توفيت ابنته)) في رواية متفق عليه: ((ونحن نغسل ابنته)) قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): ويجمع بينهما بأن المراد أنه دخل حين شرع النسوة في الغسل؟ وابنته المذكورة هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع، كما في مسلم, وقال الداودي: إنها أم كلثوم زوج عثمان, ويدل عليه ما أخرجه ابن ماجه بإسناد على شرط الشيخين كما قال الحافظ ابن حجر, ولفظه: ((دخل علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم)) وكذا وقع في (المبهمات) عن أم عطية والدولابي في (الذرية الطاهرة) قال ابن حجر في (الفتح): فيمكن ترجيح أنها أم كلثوم بمجيئه من طرق متعددة, ويمكن الجمع بأن تكون أم عطية حضرتهما جميعًا؛ فقد جزم ابن عبد البر في ترجمتها بأنها كانت غاسلة الميتات.

قوله: ((اغسلنها)) استدل به على وجوب غسل الميت. قال ابن دقيق العيد: لكن قوله: ((ثلاثًا…)) إلى آخره، ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء, فيتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد؛ لأن قوله: ((ثلاثًا)) غير مستقل بنفسه, فلا بد أن يكون داخلًا تحت صيغة الأمر؛ فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى الغسل، والندب بالنسبة إلى الإيتار, فمن جوز ذلك جوز الاستدلال بهذا الأمر على الوجوب, ومن لم يجوزه حمل الأمر على الندب لهذه القرينة.

قوله: ((من ذلكِ)) بكسر الكاف؛ لأنه خطاب للمؤنث فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب أم عطية.

قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): ولم أر في شيء من الروايات بعد قوله: ((سبعًا)) التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داود: وأما سواه فإما أو سبعًا وإما أو أكثر من ذلك, انتهى. وهو ذهول عما أخرجه البخاري في باب: يجعل الكافور, فإنه روى حديث أم عطية هنالك بلفظ: ((اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك)) و”أو” هنا؛ للتنويع.

قال الشوكاني: وقد صرّح المصنف -رحمه الله- بأن الجمع بين التعبير بسبع وأكثر, متفق عليه, كما وقع في حديث الباب, ولكن قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة الستر, وصرح بأنها مكروهة أحمد والماوردي وابن المنذر.

قوله: ((إن رأيتن)) فيه دليل على التفويض إلى اجتهاد الغاسل, ويكون ذلك بحسب الحاجة لا التشهي كما قال في (الفتح). قال ابن المنذر: إنما فوض الرأي إليهن بالشرط المذكور, وهو الإيتار.

قوله: ((بماء وسدر)) قال الزين بن المنير: ظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل؛ لأن قوله: ((بماء وسدر)) يتعلق بقوله: ((اغسلنها)) قال: وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير؛ لأن الماء المضاف لا يُتطهر به. وتعقبه الحافظ بمنع لزوم مصير الماء مضافًا بذلك؛ لاحتمال ألا يغير السدر وصف الماء, بأن يمعك بالسدر ثم يغسل بالماء في كل مرة فإن لفظ الخبر لا يأبى ذلك.

قوله: ((واجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور)) هو شك من الراوي. قال في (الفتح): محمول على الثاني؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات فيصدق بكل شيء منه. وقد جزم البخاري في رواية باللفظ الأول، وظاهره أنه يجعل الكافور في الماء، وبه قال الجمهور.

وقال النخعي، والكوفيون: إنما يجعل الكافور في الحانوط, والحكمة في الكافور كونه طيب الرائحة, وذلك وقتٌ تحضر فيه الملائكة, وفيه أيضًا تبريد وقوةُ نفوذ, وخاصة في تصلب بدن الميت وطرد الهوام عنه, وردع ما يتحلل من الفضلات, ومنع إسراع الفساد إليه, وإذا عُدِم قام غيره مقامه مما فيه هذه الخواص أو بعضها.

قوله: ((فآذنني)) أي: أعلمنني. قوله: ((فأعطانا حَقْوة)) قال في (الفتح): بفتح المهملة ويجوز كسرها, وهي لغة هذيل بعدها قاف ساكنة, والمراد هنا الإزار كما وقع مفسرًا في آخر هذه الرواية, والحقو في الأصل: معقد الإزار, وأطلق على الإزار مجازًا.

قوله: ((فقال: أشعرنها إياه)) أي: ألففنها فيه؛ لأن الشِّعار ما يلي الجسد من الثياب. والمراد اجعلنه شعارًا لها. قال في (الفتح): قيل: الحكمة في تأخير الإزار معه صلى الله عليه وسلم إلى أن يفرغن من الغسل, ولم يناولهن إياه, أولًا: ليكون العهد من جسده صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل, وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين, وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل, وقد نقل ابن بطال الاتفاق على ذلك.

قوله: ((ابدأن بميامينها ومواضع الوضوء منها)) ليس بين الأمرين تناف لإمكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معًا. قال الزين بن المنير: قوله: ((ابدأن بميامينها)) أي: في الغسلات التي لا وضوء فيها، ومواضع الوضوء منها. أي: في الغسل المتصل بالوضوء, وفي هذا رد على من لم يقل باستحباب البداءة بالميامن وهم الحنفية. واستدل به على استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت خلافًا للحنفية.

قوله: ((اغسلنها وترًا ثلاثًا)) استدل به على أن أقلّ الوتر ثلاث. قال الحافظ: ولا دلالة فيه؛ لأنه سيق مساق البيان للمراد, إذ لو أطلق لتناول الواحدة فما فوقها.

قوله: ((فضفَرن شعرها ثلاثة قرون)) هو بضاد وفاء خفيفة,

وفيه استحباب ضفر شعر المرأة, وجعله ثلاثة قرون, وهي ناصيتها وقرناها، أي: جانب رأسها كما وقع في رواية وكيع عن سفيان عند البخاري تعليقًا, ووصل ذلك الإسماعيلي, وتسمية الناصية قرنًا تغليب, وقال الأوزاعي والحنفية: إنه يرسل شعر المرأة خلفها, وعلى وجهها مفرقًا.

قال القرطبي: وكأن سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية, هل استندت فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعًا أو هو شيء رأته ففعلته استحبابًا؟!

كلا الأمرين محتمل, لكن الأصل ألا يُفعل في الميت شيء من جنس القرب إلا بإذن الشرع, ولم يرد ذلك مرفوعًا. كذا قال.

وقال النووي: الظاهر عدم اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره له, وتعقب ذلك الحافظ بأن سعيد بن منصور، روى عن أم عطية، أنها قالت: ((قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغسلنها وترًا, واجعلن شعرها ضفائر)) وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أم عطية مرفوعًا بلفظ: ((واجعلن لها ثلاثة قرون)).

قوله: ((فألقيناها خلفها)) فيه استحباب جعل ضفائر المرأة خلفها, وقد زعم ابن دقيق العيد أن الوارد في ذلك حديث غريب,

 قال في (الفتح): وهو مما يتشعب منه مع كون الزيادة في (صحيح البخاري) وقد توبع رواتها عليها.

ب. كيفية الغسل:

وأما في كيفية الغسل: واجباته ومستحباته وآدابه فقال العلماء: يستحب المبادرة إلى الغُسل والتجهيز له عند تحقق الموت, ويستحب أن يحمل الميت إلى موضع خال مستور لا يدخله أحد إلا الغاسل ومن لا بد له من معونته. وقال بعضهم: إن للولي أن يدخل ذلك الموضع إن شاء, وإن لم يغسِّل ولا أعان اعتمادًا على ما جاء في بعض الروايات في أن العباس حضر غسل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشترك, ولم يعن؛ لأن الذين تولوا الغسل علي والفضل بن العباس وأسامة بن زيد يناول الماء.

ويجهز الماء في إناء كبير ليغرف منه, ويكون قريبًا من المغتسل, والشافعية على أن الماء البارد أولى؛ لأنه يشد البدن والساخن يرخيه إلا أن يُحتاج إلى المسخن؛ لشدة البرد أو لوسخ وغيره, وعند أبي حنيفة المسخن أولى بكل حال.

ويستحب أن يوضع بالمكان طيب فائح؛ لئلا تظهر رائحة ما يخرج, ويستحب وضع السدر في الماء ففي رواية: ((بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورًا)) وفي رواية: ((واجعلن في الخامسة كافورًا)) قال ابن المنير: قوله في الحديث: ((بالماء والسدر)) جعلهما معًا آلة لغسل الميت وظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل, وعليه فيعد الماء كله في إناء واحد يخلط بالسدر ويغسل به جميع المرات, وبه قال أحمد, وقال القرطبي: يجعل السدر في ماء قليل ويخضخض إلى أن تخرج رغوته, ويدلك به جسده, ثم يصب عليه الماء القراح أي: الخالي من أية مخلوطات.

فهذه غسلته, وعليه فينبغي إعداد إناء به ماء قليل ويوضع فيه السدر, وآخر به ماء كثير يضاف. وعن ابن سيرين: يغسل بالماء والسدر مرتين, والثالثة بالماء والكافور, فيعد على هذا إناءان أحدهما ماء بالسدر, والثاني ماء بالكافور, وهذا أقرب الأوضاع لحديث أم عطية.

وقيل: يغسّل الأولى بالماء القراح, والثانية بالماء والسدر أو العكس, والثالثة بالماء والكافور, فيعد على هذا ثلاثة مياه, وهذا أقرب إلى الطهارة والنظافة, ولا يأباه حديث أم عطية.

ومن المعلوم أن السدر للتنظيف؛ فيحل محله المنظفات الحديثة كالصابون, وأن الكافور للرائحة فيحل محله كل طيب, وقيل: في الكافور خاصية تجعله أولى فلا يستبدل به غيره إذا تيسر.

ويستحب أن يوضع الميت على لوح أو سرير يهيأ لذلك, وأن يكون رأسه أعلى لينحدر الماء, وأن يلبس قميصًا واسعًا يغسل فيه من تحته, فإن لم يجد قميصًا أو تعذر غسله تحت قميص ستر منه ما بين السرة والركبة. قال أبو حنيفة: الأولى أن يجرد ويروى مثله عن مالك, وحينئذ يلقى خلقة على فرجه, وفخذه مكشوفة, ولا يجوز للغاسل أو معاونيه النظر إلى عورته, ويستحب عدم النظر إلى سائر بدنه إلا فيما لا بد له منه, ولا يجوز أن يمس عورته؛ لأنه إذا لم يجز النظر فالمس أولى. والمستحب ألا يمس سائر بدنه. ولهذا يستحب أن يعد الغاسل قبل الغسل خرقًا نظيفة يلف بها يديه كلما احتاج.

وأول ما يبدأ به الغاسل بعد وضع الميت على المغسلة أن يجلسه إجلاسًا رفيقًا بحيث لا يعتدل, ويكون مائلًا إلى ورائه, ويمرر يده اليسرى على بطنه تمريرًا بليغًا؛ ليخرج ما فيه من الفضلات, والمعين يصب عليه الماء؛ لئلا تظهر رائحة ما يخرج.

ثم يرده بعد ذلك إلى هيئة الاستلقاء, ويغسل بيساره, وهي ملفوفة, دبرَه ومذاكيرَه كما يستنجي الحي, ثم يلقي تلك الخرقة ويغسل يديه بماء وصابون, وبعضهم يرى أن يُغسِّل كل سوءة بخرقة, وهو أبلغ في التنظيف, وإذا فرغ من غسل سوءتيه أدخل إصبعه في فمه وأمرها على أسنانه بشيء من الماء, وهذا بمنزلة السواك, وكذا يدخل إصبعه في منخريه بشيء من الماء ليزيل ما فيها من الأذى, ثم يوضئه كما يتوضأ الحي ثلاثًا ثلاثًا ويراعي المضمضة والاستنشاق مع إمالة رأسه لئلا يصل الماء إلى بطنه خلافًا للحنفية, حيث قال: لا يستحب وضوؤه أصلًا.

وقيل: إن مذهب أبي حنيفة أن الميت يوضأ لكن لا يمضمض ولا يستنشق؛ لتعذر إخراج الماء من الأنف والفم. ومن قال: لا يستحب الوضوء يوجه ما جاء في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم: ((ابدأن بميامينها ومواضع الوضوء منها)) فيقول: إن الوضوء لم يرد الأمر به مجردًا, وإنما البداءة بأعضاء الوضوء كما يشرع في غسل الجنابة.

وإذا فرغ من توضيئه, غسل رأسه ثم لحيته بالماء والصابون, وسرحهما بمشط واسع الأسنان, ويرفق حتى لا يُنتف شيء, وإن نتف رده إليه,

ويستحب ضفر شعر المرأة ثلاث ضفائر كما هو صريح في حديث أم عطية. ثم يضجعه على جنبه الأيسر, ويصب الماء على شقه الأيمن. ثم يضجعه على شقه الأيمن فيصب الماء على شقه الأيسر. فهذه غسلة واحدة, وهي الواجبة,

والمستحب أن يغسله ثلاثًا فإن لم يتم النقاء بها زاد حتى صار سبعًا كما جاء في هذه الروايات.

وروي عن مالك أنه لا اعتبار بالعدد, وإنما المعتبر النظافة والنقاء. ويتعهد الغاسل بمسح بطن الميت في كل مرة بأرفق مما قبلها, ولو خرجت نجاسة بعد الغسل أزيلت, ولم يعد الغسل على الصحيح.

error: النص محمي !!