Top
Image Alt

تمام النعمة بكمال الرسالة الإسلامية، وأنه لا يبلغ أحد من الناس مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم

  /  تمام النعمة بكمال الرسالة الإسلامية، وأنه لا يبلغ أحد من الناس مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم

تمام النعمة بكمال الرسالة الإسلامية، وأنه لا يبلغ أحد من الناس مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم

أولًا: تمام النعمة بكمال الرسالة الإسلامية:

الرسالة السماوية نعمة من نعم الله إلى خلقه يبين لهم فيها أوامره ونواهيه، ومصالح الخلق في معاشهم ومعادهم، يقول الإمام الماوردي –رحمه الله-: “لا منزلة في العالم أعلى من النبوة التي هي سفارة بين الله تعالى وعباده، تبعث على مصالح الخلق، وطاعة الخالق، فكان أفضل الخلق بها أخصهم وأكملهم بشروطها أحق بها وأمسّ”. انتهى كلامه.

فالرسالة ضرورية للعالم فهي نوره وروحه وحياته، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: “الرسالة ضرورية للعباد، ولا بد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كلِّ شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته؛ فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟! والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات، قال الله تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأنعام:122].

فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشي في الناس، وأما الكافر فميت القلب في ظلمات الكفر”. انتهى كلامه. هذا عن الرسالة السماوية عمومًا.

أما رسالة الإسلام فقد تميّزت عن الرسالات السماوية السابقة بشمولها بكل ما ينطوي تحت هذه الكلمة من أبعاد ودلالات زمانية ومكانية، ونظرة مستوعبة للإنسان ولهذا الكون الذي يعيش فيه، وللدار الآخرة التي هو صائر إليها، فالرسالة الإسلامية هي الرسالة السماوية الوحيدة التي امتدَّت طولًا حتى شملت آباد الزمن، وامتدّت عرضًا حتى انتظرت آفاق الأمم، وامتدت عمقًا حتى استوعبت شئون الدنيا والآخرة، وقد أشار القرآن إلى معنى الشمول في رسالة الإسلام في غير موضع، قال تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام:38]، وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3].

قال الإمام ابن كثير –رحمه الله- في تفسير هذه الآية: “أي فارضوه أنتم لأنفسكم؛ فإنه الدين الذي أحبه الله ورضيه وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه… وهو الإسلام، أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدًا”. انتهى كلامه.

وقال الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين} [النحل:89]. نقل الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء”، وقال مجاهد: “كل حلال وكل حرام”، ثم قال ابن كثير -معلقًا على هذين القولين-: وقول ابن مسعود أعمّ وأشمل؛ فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم”. انتهى كلامه.

ومن كلام ابن كثير –رحمه الله- في تفسير هذه الآية وبيان نعمة الله بتمام هذا الدين قوله: “هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل الله تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن؛ فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه، ولا خُلف كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً} [الأنعام:115] أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة؛ ولهذا قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3] أي: فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي أحبه الله ورضيه، وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه”. انتهى كلامه.

ثم نقل ابن كثير –رحمه الله- ضمن كلامه حول سبب نزول هذه الآية: أن رجلًا من اليهود جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين. إنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا -معشر اليهود- نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا قال: وأي آية؟ قال: قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة وكلاهما بحمد الله لنا عيد”. انتهى كلامه.

لقد جمعت رسالة الإسلام الخاتمة محاسن جميع الرسالات السابقة وزادت عليها، وفاقتها كمالًا، وجمالًا، وجلالًا، يقول الحسن البصري –رحمه الله-: “أنزل الله مائة وأربعة كتب وأودع علومها أربعة: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان (القرآن)، ثم أودع علم الثلاثة الفرقان” أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)، والسيوطي في (الإكليل في استنباط التنزيل).

ولله درُّ العلامة ابن القيم –رحمه الله- فقد بين معنى الشمول في رسالة الإسلام بيانًا شافيًا، فقال: “وعموم رسالته صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم، وعلومهم، وأعمالهم، وأنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده، وإنما حاجتهم إلى من يبلغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرّق إليهما تخصيص عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه؛ فرسالته كافية شافية عامة لا تحوج إلى سواها، ولا يتمّ الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا، وهذا… وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علمًا، وعلّمهم كل شيء حتى آداب التخلي، وآداب الجماع، والنوم، والقيام والقعود، والأكل والشرب… وبالجملة فجاءهم بخيري الدنيا والآخرة برمّته، ولم يحوجهم الله إلى سواه”. انتهى كلامه.

وتتضح خصيصة الكمال والشمول في رسالة الإسلام ببيان أن الأنبياء أعلنوا من خلال دعواتهم أنهم مسلمون، ودعوا إلى الإسلام، فلقد قال نوح عليه السلام: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين} [يونس:72]، وإبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- قالا: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [البقرة:128]. ووصى إبراهيم بنيه ويعقوب -عليهما السلام- فقالا: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون}، ويوسف عليه السلام دعا ربه فقال: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين} [يوسف:101].

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: “لقد تركنا صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علمًا” أخرجه الإمام أحمد في (المسند)؛ فلهذا شملت رسالة الإسلام بأنظمتها نواحي الحياة المختلفة، ومتطلبات المجتمع الإنساني، فكمال رسالة الإسلام وشمولها يستوعب آباد الزمن، كما يحنو بجناحيه على جميع أمم الأرض، وينتظم جميع شئون الحياة في الدنيا والآخرة.

وقد تأتى هذا لرسالة الإسلام بحكم كونها رسالة الخلود التي قدَّر الله بقاءها إلى أن تقوم الساعة، فليس بعد الإسلام رسالة، ولا بعد القرآن كتاب، ولا بعد النبي صلى الله عليه وسلم رسول، فلا غَرْوَ أن تأتي خاتمة الرسالات بكل معاني الشمول، وأبعاد الكمالات.

ثانيًا: هل يبلغ أحد من الناس مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم؟ 

إن الله تعالى يصطفي رسله من البشر كما يصطفي من الملائكة رسلًا، قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير} [الحج:75].  فالنبوة: خبر خاص يكرم الله به من يصطفيه من عباده ليطلعه على شريعته بما فيها من الأوامر والنواهي، والوعظ والإرشاد، والوعد والوعيد.

وهذه الرسالة: سفارة العبد بين الله تعالى وبين ذوي الألباب من خلقه؛ ليصلح بها مناحي حياتهم ومصالحهم الدنيوية والأخروية.

أما الولاية فهي: مرتبة في الدين عظيمة لا يبلغها إلا من قام بالدين ظاهرًا أو باطنًا، أو نقول:

الولاية في الشرع: الإيمان والتقوى:

وللولاية الصحيحة جانبان:

  • جانب يتعلَّق بالعبد: وهو قيامه بأوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه، ثم التدرج في العبودية بالنوافل، وشتّى صور العبادات.
  • وجانب يتعلّق بالله سبحانه وتعالى، وهو: محبة هذا العبد، ونصرته، وهدايته، وتثبيته على الهداية.

قال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} [يونس:62] هذه من جانب الرب سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُون} وهذه من جانب العبد.

وذكر الإمام ابن كثير –رحمه الله-: أن الأولياء هم الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى كما فسرهم ربهم، فكل من كان تقيًّا كان لله وليًّا؛ ولهذا قال الإمام الشافعي –رحمه الله-: “إذا لم يكن العلماء أولياء فليس لله تعالى ولي”. انتهى كلامه.

وقد نظم هذا المعنى المختار بن بونة الجكي –رحمه الله-، فقال:

والأولياء المؤمنون الأتقياء

*فالعلماء العاملون أولياء

ومهما بلغ الولي -الولاية الشرعية- من الصلاح والفلاح، ومهما ترقى في منازل الولاية حتى يبلغ ذروتها فإنه لا يبلغ منزلة النبوة، ولا يقاربها، ولا يزاحمها.

وإذا كان الصوفية يؤمنون بالنبوة حسب تعريفنا السابق في الجملة؛ فإنهم نظروا إلى الولاية نظرة مخالفة للشرع، ومصادمة للنص، فجعلوها دائرة يدخل فيها التقي وغير التقي، فكل من ظهر على يديه أمر خارق للعادة أو زعموا أن فيه سرًّا إليها، أو انتسب إلى سلسلة المشايخ أو أرباب الطرق، ولهذا لما سُئل شيخ الطريقة التيجانية عن الولي فقال: “الولي من تولى الله أمره بالخصوصية، مع مشاهدة الأفعال والصفات”. انتهى كلامه.

وقال المرسي -من أئمة الصوفية-: “إن الولي لو كشف للناس لعبدوه؛ لأن حقيقة الولي أنه يسلب من جميع البشرية ويتخلى بالأخلاق الإلهية ظاهرًا وباطنًا، ولذا لو كشف الولي للعبد لعبده، وقالوا: إن دائرة الولي أوسع من دائرة النبي، وهذا تفضيل منهم للولي على النبي بأسلوب خفي”. انتهى كلامه.

ويقول السرهندي -مبينًا مقام النبوة والولاية عند الصوفية: “وأنه يصح أن يشارك الولي النبي فيصبح لابسًا للوشاحين ومتربعًا فوق المقامين، فيقول: ينبغي أن يعلم أنه يصح أن يصل شخص من طريق قرب الولاية إلى قرب النبوة، ويكون شريكًا في كلتا المعاملتين، ويعطى محلا هناك -أيضًا- بتطفل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويجعل معاملة كلا الطرفين مربوطة به ليس على الله به:

ليس على الله بمستنكر

*أن يجمع العالم في واحد

{ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم} [المائدة:54]”. انتهى كلامه.

إذن لم يقف غلاة الصوفية عند تعظيم الأولياء وادعاء الحفظ لهم، والعصمة، بل زادوا في الخرافة وتنقيص الأنبياء فادّعوا أن مرتبة الولاية أعلى من مرتبة النبوة، وفي ذلك يقول ابن عربي الصوفي:

مقام النبوة في برزخ

*فويق الرسول ودون الولي

وقال أيضًا:

بين الولاية والرسالة برزخ

*فيه النبوة حكمها لا يجهل

وهذا كله من الغلوّ الفاحش في الأولياء؛ حيث إنهم بالغلو المرفوض شرعًا إذا أرادوا أن يتكلموا عن هؤلاء الأولياء وخوارقهم، وما أعطوا من القدرة والأحوال؛ فإنهم ينسون مقام النبوة، ومنزلة الرسالة، وحقوق النبي صلى الله عليه وسلم فيقعون في تنقيصه صلى الله عليه وسلم كما حصل ذلك عند ثلاث طوائف: هي الفلاسفة، والرافضة، والصوفية.

فإذا خيم هذا الاعتقاد في ذهن المريد سمح له ذلك بأن يعتقد أن هذا الولي يحق له أن يشرع للمريدين شرائع، ويحل لهم أمورًا، ويحرم عليهم أشياء لم تردِ في سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيكون بذلك مسوغين للخروج عن شريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وهذا أمر في واقع الأمر يؤدي إلى ردِّ السنة ومعارضة الشريعة الإسلامية التي أكملها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ فيكون معتقد قد وقع في ناقض من نواقض التوحيد، وخرج من دائرة الإسلام ودخل في دوامة الرّدّة، وغسل يده من الشريعة.

error: النص محمي !!