Top
Image Alt

تمييز صفات الأضحية، سنها، عددها، أحكام الذبح، أحكام لحوم الضحايا

  /  تمييز صفات الأضحية، سنها، عددها، أحكام الذبح، أحكام لحوم الضحايا

تمييز صفات الأضحية، سنها، عددها، أحكام الذبح، أحكام لحوم الضحايا

الباب الثاني من أبواب كتاب الضحايا: أنواع الضحايا وصفاتها وأسنانها وعددها:

وقد قسم ابن رشد -رحمه الله- هذا الباب أربع مسائل، تناولنا في المسألة الأولى: أقوال الفقهاء في الأفضل منها، هل هو الإبل أو الكباش أو البقر؟ كما بينا سبب اختلاف الفقهاء في هذا التفضيل.

المسألة الثانية: تمييز الصفات:

والمقصود بتمييز الصفات: بيان ما يشترط في الأضحية من توافر صفات معينة واجتناب صفات أخرى معينة، وقد بيَّن ابن رشد -رحمه الله- تحت هذا العنوان تمييز الصفات ما أجمع العلماء على اجتنابه في الأضحية، كما بيَّن أيضًا اختلافهم في الصفات الأخرى، أو في مقدار وجود هذا العيب، فقال -رحمه الله-: أجمع العلماء على اجتناب العرجاء البين عرجها في الضحايا، وعلى اجتناب المريضة البيِّن مرضها، وعلى اجتناب العجفاء -أي: الهزيلة- التي لا تنقي أي التي لا مخ في عظامها من شدة الهزال، وذلك مصيرًا لحديث البراء بن عازب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: ((ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده، وقال: أربع، وكان البراء يشير بيده، ويقول: يدي أقصر من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عدد هذه الأربع، فقال: العرجاء البيِّن عرجها، والعوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعجفاء التي لا تنقي)).  و ((يتقى)) أي: يجتنب.

تلك هي الصفات الأربع التي يجب اجتنابها في الأضحية، ثم قال: وكذلك أجمعوا  على أن ما كان من هذه الأربع -أي: الصفات الأربع- خفيفًا فلا تأثير له في منع الإجزاء، أي: الهزال الخفيف، المرض الخفيف، العرج القليل، النظر الضعيف، كل ذلك ما دام خفيفًا فلا تأثير له في منع الإجزاء في الأضحية.

ثم حكى اختلاف العلماء فيما عدا ما أجمعوا عليه من هذه الصفات فقال: إن الفقهاء اختلفوا من ذلك في موضعين:

أحدهما: فيما كان من العيوب أشد من هذه المنصوصة عليها، مثل: العمى، فالعمى أشد من العور، فإذا كانت العوراء البين عورها لا تجزئ فمن باب أولى العمياء الكاملة العمى، وكذلك كسر الساق، إذا كانت العرجاء لا تجزئ فيكون كسر الساق من باب أولى.

الثاني: فيما كان مساويًا لهذه العيوب في إفادة النقص وشينها، أي: ليست هذه العيوب بذواتها، ولكن يساويها في إفادة النقص وإظهار العيب. أي: ما كان من العيوب في الأذن، والعين، والذنب، والضرس، إذا كان النص قد ذكر الهزال بصفة عامة، وذكر العور، وكذلك العرج، فما حكم العيوب الأخرى في الأذن والذنب والضرس وغير ذلك من الأعضاء ولم يكن عيبًا يسيرًا؟.

وبعد أن ذكر الموضعين بين أقوال الفقهاء فيهما على النحو التالي:

فأما الموضع الأول: حين تكون العيوب الموجودة في الأضحية من غير المنصوص عليها -يعني: من غير الأربع عيوب المنصوص عليها، ولكنها أشد ضررًا ونقصًا- جمهور العلماء: على أن ما كان أشد من هذه العيوب المنصوص عليها فهو أحرى أن تمنع هذه العيوب الإجزاء، فإذا كان العور يمنع الإجزاء فالعمى من باب أولى، وإذا كان العرج يمنع الإجزاء فالكسر من باب أولى، هذا رأي جمهور العلماء وهو الصحيح.

وذهب أهل الظاهر إلى: أنه هذه العيوب الشديدة لا تمنع الإجزاء، ولا يتجنب بالجملة أكثر من هذه العيوب التي وقع النص عليها فقط، وهي العيوب الأربعة التي ذكرناها.

وأما الموضع الثاني: الذي اختلف فيه الفقهاء -أعني: ما كان من العيوب في سائر الأعضاء يساوي هذه العيوب المنصوص عليها؛ فقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:

أحدها: أن هذه العيوب غير المنصوص عليها تمنع الإجزاء كمنع المنصوص عليها، وهو المعروف من مذهب مالك وبقية الأئمة في الكتب المشهور.

الثاني: أنها لا تمنع الإجزاء، وإن كان يستحب اجتنابها، وبه قال ابن القصار وابن الجلاب وجماعة من البغداديين من أصحاب مالك.

الثالث: أنها لا تمنع الإجزاء ولا يستحب تجنبها، وهو قول أهل الظاهر كما سبق في الموضع الأول.

يعزو ابن رشد سبب اختلاف الفقهاء على هذا النحو إلى أمرين:

الأمر الأول: اختلافهم في مفهوم الحديث المتقدم -أي: حديث البراء. فأما الحديث المتقدم حديث البراء بن عازب فمن رآه من باب الخاص أريد به الخاص -وهم أهل الظاهر- قال: لا يمنع الإجزاء ما سوى الأربع مما هو مساوٍ لها في النقص أو أكثر من هذا، وأما من رآه من باب الخاص أريد به العام -وهم الفقهاء جمهور الأئمة- فمن كان عنده أنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فقط -لا من باب التنبيه بالمساوي على المساوي- قال: يلحق بهذه الأربع ما كان أشد منها، ولا يلحق بها ما كان مساويًا لها في منع الإجزاء إلا على وجه الاستحباب، أي: أن الأكثر عيبًا يكون أولى بالمنع، أما المساوي فيكون المنع مستحبًا وليس واجبًا؛ ومن كان عنده أنه من باب التنبيه على الأمرين جميعًا على ما هو أشد من المنطوق به، وما هو مساوٍ له قال: تمنع العيوب الشبيهة بالمنصوص عليها الإجزاء كما يمنعه العيوب التي هي أكبر منها.

الأمر الثاني: تعارض الآثار في هذا الباب؛ فإنه ورد في هذا الباب من الأحاديث الحسان حديثان متعارضان، فذكر النسائي عن أبي بردة أنه: قال: يا رسول الله، أكره النقص يكون في القرن والأذن، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما كرهته فدعه، ولا تحرمه على غيرك)) فهذا حديث يبين كراهية النقص في القرن والأذن بناءً على كراهية الصحابي له، فحثه النبي صلى الله عليه وسلم على ترك ما كرهه، ولكن ((لا تحرمه على غيرك)) فبقي الباب مفتوحًا، وذكر علي بن أبي طالب قال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن -أي: نتأمل سلامتها- ولا يُضحَّى بشرقاء ولا خرقاء ولا مدابرة ولا بتراء)) والحديث رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي وأعله الدارقطني، و((الشرقاء)): المشقوقة الأذن، و((الخرقاء)): المثقوبة الأذن، و((المدابرة)): التي قطع من جنبتي أذنها من خلف، أما ((البتراء)): فهي مقطوعة الذيل، فمن رجح حديث أبي بردة الأول قال: لا يتقى إلا العيوب الأربع، وأما ما هو أشد منها أو ما هو أشد منها، وهم جمهور العلماء، ومن جمع بين الحديثين بأن حمل حديث أبي بردة على اليسير الذي هو غير بين، وحديث علي على الكثير الذي هو بيِّن ألحق بحكم المنصوص عليها من العيوب عليها ما هو مساوٍ لها، وهذا أيضًا ما فعله جمهور الأئمة الفقهاء؛ ولذلك جرى أصحاب هذا المذهب إلى التحديد في ما يمنع الإجزاء مما يذهب من هذه الأعضاء، فاعتبر بعضهم ذهاب الثلث من الأذن والذنَب، وبعضهم اعتبر الأكثر، وكذلك الأمر في ذهاب الأسنان وأطباء الثدي، -أي: حلماته وما يخرج الحليب منه- وأما القرن فإن مالكًا قال: ليس ذهاب جزء منه عيبًا إلا أن يكون يدمي، أي: يسيل الدم منه، فإنه عنده من باب المرض، ولا خلاف في أن المرض البين يمنع الإجزاء؛ لأنه أحد العيوب الأربعة المنصوص عليها.

وخرج أبو داود والنسائي والترمذي وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أعضب الأذن والقرن، والأعضب أي: المقطوع مقطوع الأذن والقرن، هذا من جهة.

ثم من جهة ثانية، قال ابن رشد: اختلفوا في: الصكاء أو السكاء، وهي التي خلقت بلا أذنين، فذهب مالك والشافعي إلى: أنها لا تجوز ولا تجزئ في الأضحية، وذهب أبو حنيفة إلى: أنه إذا كان ذلك خلقة جاز كالأجم، أي: الكبش الذي لا قرن له، ولم يختلف الجمهور أن قطع الأذن كله أو أكثره عيب، وكل هذا الاختلاف راجع إلى ما قدمناه من أقوال العلماء.

ثم أضاف واختلفوا في الأبتر -مقطوع الذنب- فقوم أجازوه، كالإمام أحمد لحديث جابر الجعفي عن محمد بن قرظة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ((اشتريت كبشًا لأضحي به، فأكل الذئب ذنَبه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ضح به)) رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي وقال: خرجه أيضًا حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن عطية عن أبي سعيد الخدري وسنده حسن، وجابر عند أكثر المحدثين لا يحتج به، وقوم أيضًا منعوه، كأبي حنيفة ومالك والشافعي. وجمهور الأئمة لا يجيزونه؛ لحديث علي بن أبي طالب المتقدم، وفيه: ((ولا بتراء)) أي: مقطوعة الذنب أو الذيل.

وعلى كل حال: فالأولى من ذلك كله رأي جمهور العلماء الذين أخذوا بقياس الأولى أو بالتنبيه على الأدنى على الأعلى.

المسألة الثالثة: معرفة السن:

أي: سن الأضحية التي تجزئ إذا بلغته، وتحت هذا العنوان يقول ابن رشد -رحمه الله-: وأما المسألة الثالثة: وهي معرفة السن المشترطة في الضحايا، فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز الجذع من المعز، بل الثني فما فوقه لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة لما أمره بالإعادة: ((يجزيك ولا يجزي جذع عن أحد غيرك)) الجذع: ما له سنة، أما الثني: فما له سنتان، واختلفوا في الجذع من الضأن، فالجمهور على جوازه، وقال قوم: بل الثني من الضأن.

وسبب اختلاف الفقهاء في هذه القضية: معارضة العموم للخصوص -كما يقول ابن رشد- أما الخصوص فهو حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن)) والعموم هو ما جاء في حديث أبي بردة خرجه من قوله صلى الله عليه وسلم ((ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك)) فمن رجح هذا لعموم على الخصوص، وهو مذهب أبي محمد بن حزم إمام الظاهرية؛ لأنه زعم أن أبا الزبير مدلس عن المحدثين، والمدلس عندهم من ليس يجري العنعنة من قوله مجرى المسند لتسامحه في ذلك، وحديث أبي بردة لا مطعن فيه.

وأما من ذهب إلى بناء الخاص على العام -على ما هو المشهور عند الجمهور الفقهاء والأصوليين- فإنه استثنى من ذلك العموم جذع الضأن المنصوص عليها، وهو الأولى، وقد صحح هذا الحديث أبو بكر، وخطّأ أبو محمد ابن حزم فيما نسب إلى أبي الزبير في غالب ظن في قول له رد فيه على ابن حزم.

المسألة الرابعة: عدد الضحايا:

عنون ابن رشد -رحمه الله- للمسألة الرابعة من مسائل الباب الثاني من كتاب الضحايا: بالعدد، أي: عدد ما يجزئ من الضحايا، فقال: وأما المسألة الرابعة وهي عدد ما يجزئ من الضحايا عن المضحين، بمعنى: كم نذبح من الأنعام عن أنفسنا؟ أو كم تجزئ البهيمة من الأنعام الواحدة عن عددٍ من المسلمين؟ أو بعبارة أخرى: كم عدد المسلمين الذين تجزئ عنهم بهيمة الأنعام في الأضحية؟ إن كانت كبشًا تجزئ عن كم؟ وإن كانت بقرة تجزئ عن كم؟ وإن كانت بدنه -أي إبلًا- تجزئ عن كم من الأشخاص المطالبون بالأضحية؟

يحكي ابن رشد أن الفقهاء اختلفوا في ذلك: أما مالك فقال: لا تجزئ الأضحية إلا عن الرجل وأهل بيته فقط، سواء أكانت من الإبل أو من البقر أو من الغنم، قال مالك: يجوز أن يذبح الرجل الكبش أو البقرة أو البدنة، -أي: الناقة- مضحيًا عن نفسه وعن أهل بيته الذين تلزمه نفقتهم بالشرع، وكذلك في هدي الحج، وكذلك عنده الهدايا.

إذن: الإمام مالك لا يجيز الاشتراك في الأضحية، ولا يقول بأن: الأضحية وإن كانت كبيرة كالناقة أو البقرة تجزئ عن سبعة -كما سنعلم فيما بعد- ولكن الأضحية سواء كانت كبشًا أو بقرة أو بدنة لا تجزئ إلا عن الرجل وأهل بيته الذين تلزمه نفقتهم.

أما الشافعي وأبو حنيفة فقد أجازوا التشريك والاشتراك، أجاز الشافعية وأبو حنيفة أن ينحر الرجل البدنة -الناقة- عن سبع، وكذلك البقرة مضحيًا أو مهديًا، يعني: أجاز أبو حنيفة والشافعي وجماعة، فنستطيع أن نقول: جمهور الفقهاء أن البدنة تجزئ عن سبع أسر: الرجل وأهل بيته واحد، وكل رجلٍ وأهل بيته واحد آخر، فتجزئ البدنة عن سبع أسر أو عن سبعة رجالٍ ومن تلزمهم نفقتهم، وكذلك البقرة إن استوفت الشرط في السن كما سبق أن أشرنا.

الناقة التي تجزئ عن السبعة هي الثني من الإبل، وهو ما استكمل خمس سنين ودخل في السادسة، وكذلك الثني من البقر، وهو ما استكمل سنتين ودخل في الثالثة، هذا هو الذي يجزئ عن سبعة.

وأجمع العلماء على أن الكبش -الخروف الكبير- لا يجزئ إلا عن واحد، أي: واحد وأهل بيته، إلا ما رواه مالك من أنه يجزئ أن يذبحه الرجل عن نفسه وعن أهل بيته لا على جهة الشركة، بل إذا اشتراه مفردًا فإنه يجزئ عن الجميع، وذلك لما روي عن عائشة أنها قالت: ((كنا بمنى؛ فدخل علينا بلحم بقر فقلنا: ما هو؟ فقالوا: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه)) متفق عليه، وخالفه في ذلك أبو حنيفة والثوري على وجه الكراهة، لا على وجه عدم الإجزاء، وسبب اختلافهم -أي: على هذا النحو الذي ذكرناه من حيث المشاركة في جوازها أو عدم جوازها-: معارضة الأصل في ذلك للقياس المبني على الأثر الوارد في الهدايا.

والأصل: أنه لا يجزئ إلا واحد عن واحد -أي: ما دام الشخص بالغًا عاقلًا مسلمًا؛كما سبق أن أشرنا المخاطب بالأضحية- فلا يجزئ عن الشخص الواحد إلا أضحية واحدة-؛ ولذلك اتفقوا على منع الاشتراك في الضأن، وإنما قلنا: إن الأصل هو أن لا يجزي إلا واحد عن واحد؛ لأن الأمر بالتضحية لا يتبعض أي: هي خطاب لكل مكلف قادر؛ إذ كان من كان له شرك في ضحية ليس ينطلق عليه اسم مضحٍّ، إلا إن قام الدليل الشرعي على ذلك.

وأما الأثر الذي انبنى عليه القياس المعارض لهذا الأصل، فما روي عن جابر أنه قال: ((نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، البدنة عن سبع)) رواه مسلم، وأبو داود والترمذي، والحديبية في السنة السادسة من الهجرة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قدم إلى مكة؛ ليعتمر، ساق الهدي معه، فمنعه المشركون من ذلك، فرابط عند الحديبية، وانتهى الأمر بعد البيعة على القتال، كما جاء في سورة الفتح: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}  [الفتح: 18]، انتهى الأمر بالصلح -صلح الحديبية المعروف- فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتحلل من إحرام العمرة، بنحر الهدي -الذي ساقه- والحلق، وهذا معنى قول جابر: ((نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبع)) وفي بعض روايات الحديث: ((سن رسول الله صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة)) هذا هو الحديث، قاس الشافعي وأبو حنيفة الضحايا في ذلك على الهدايا، فما دامت البدنة تجزئ في الهدي عن سبعة، فكذلك في الأضحية تجزئ البدنة عن سبعة.

وأما مالك فرجع إلى الأصل، ورجحه على القياس المبني على هذا الأثر؛ لأنه اعتل لحديث جابر أن ذلك كان حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت، بمعنى أنه كان لضرورة، وهي الإحصار، وهدي المحصر ليس هو عنده واجبًا، وإنما هو تطوع، وهدي التطوع يجوز عنه فيه الاشتراك، هذا كله عند الإمام مالك؛ لأنه يفرق بين هدي المحصر وهدي الحاج بلا إحصار، فالمحصر الهدي عنده تطوع، لذلك يجوز فيه الاشتراك، أما هدي التمتع أو القران فهو هدي واجب لا يجوز الاشتراك فيه، لكن على القول بأن الضحايا غير واجبة فقد يمكن قياسها على هذا الوجه؛ لأن فعلًا مالك من القائلين بأن: الأضحية سنة، وليست واجبة، وما دامت سنة فيمكن قياسها على ما يقوله عن هدي المحصر بأنه تطوع بذلك.

قال ابن رشد: لكن على القول بأن الضحايا غير واجبة فقد يمكن قياسها على هذا الهدي، وروى عنه ابن القاسم: أنه لا يجوز الاشتراك لا في هدي التطوع ولا في هدي وجوب، وهذا كأنه رد للحديث لمكان مخالفته للأصل في ذلك.

وأجمعوا على: أنه لا يجوز أن يشترط في النسك أكثر من سبعة، وإن كان قد روي من حديث رافع بن خديج المتفق عليه، ومن طريق ابن عباس وغيره “البدنة عن عشرة” إلا أن الطحاوي قال: إجماعهم على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من سبعة دليل على أن هذا الأثر وغيره من الآثار غير صحيح، وإنما صار مالك لجواز تشريك الرجل أهل بيته في أضحيته أو هديه لما رواه عن ابن شهاب أنه قال: ((ما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل بيته إلا بدنة واحدة أو بقرة واحدة)) رواه مالك.

وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: ((نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرة)) وإنما خولف مالك في الضحايا في هذا المعنى، يعني: التشريك؛ لأن الإجماع انعقد على منع التشريك فيه في الأجانب؛ فوجب أن يكون الأقارب في ذلك في قياس الأجانب، وإنما فرق مالك في ذلك بين الأجانب والأقارب لقياسه الضحايا على الهدايا في الحديث الذي احتج به، وهو حديث ابن شهاب؛ فاختلافهم في هذه المسألة إذن راجع إلى: تعارض الأقيسة في هذا الباب، وهي إما إلحاق الأقارب بالأجانب، أو قياس الضحايا على الهدايا.

الباب الثالث من أبواب كتاب الضحايا: وهو عن أحكام الذبح:

يقول ابن رشد: ويتعلق بالذبح المختص بالضحايا النظر في الوقت والذبح، أو الوقت والذابح، أما الوقت؛ فإنه مختلف فيه في ثلاثة مواضع: في ابتدائه، وفي انتهائه، وفي الليالي المتخللة له.

ثلاث مسائل لبيان هذه المواضع الثلاثة التي هي محل اختلافٍ بين العلماء: متى يبتدئ وقت الأضحية؟ هذه مسألة، ومتى ينتهي وقت الأضحية؟ وتلك هي المسألة الثانية، وما حكم الليالي المتخللة بين هذه الأيام من الابتداء إلى الانتهاء؟ هل الذبح في ليالي التشريق كالذبح في أيام أو نهار أيام التشريق؟:

المسألة الأولى: ابتداء وقت الذبح:

اتفق العلماء على أن الذبح قبل صلاة عيد الأضحى لا يجوز، إذن: ابتداء الوقت بعد صلاة العيد؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((من ذبح قبل الصلاة؛ فإنما هي شاة لحمٍ)) لما ثبت أيضًا من أمره صلى الله عليه وسلم بالإعادة لمن ذبح قبل الصلاة، لما روى الشيخان: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بردة بإعادة أضحيته إذ ذبح قبل الصلاة)) كما مر من قبل، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((أول ما نبدأ به في يومنا هذا -أي يوم العيد- هو أن نصلي ثم ننحر)) وهذا يتفق مع الآية الكريمة: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر} [الكوثر: 1- 2] حيث بدأ بالصلاة، وإن كانت الواو لمطلق الجمع إلا أنها هنا تفيد الترتيب.

ومن هذا نعلم: أن ابتداء وقت ذبح الأضحية هو بعد صلاة عيد الأضحى، ولا تجوز قبل ذلك، وهذا باتفاق الفقهاء.

هذا؛ وقد اختلف العلماء فيمن ذبح قبل ذبح الإمام وبعد الصلاة، أي: بعد أن اتفقوا على أنه: لا يجوز ذبح الأضحية قبل صلاة العيد؛ فإنهم اختلفوا فيمن ذبح بعد الصلاة وقبل أن يذبح الإمام، فذهب مالك إلى أنه لا يجوز لأحدٍ ذبح أضحيته قبل ذبح الإمام، وقال أبو حنيفة والثوري وبقية الأئمة: يجوز الذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام.

إذن: في المسألة قولان: قول بجواز الذبح قبل ذبح الإمام ما دام ذلك قد وقع بعد الصلاة، وقول بعدم جواز ذلك. وسبب اختلافهم: اختلاف الآثار في هذا الباب، وذلك أنه جاء في بعضها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر لمن ذبح قبل الصلاة أن يعيد الذبح)) وفي بعضها: ((أنه أمر لمن ذبح قبل ذبحه أن يعيد)) خرّج هذا الحديث الذي به هذا المعنى مسلم.

فمن جعل ذلك موطنين اشترط ذبح الإمام في جواز الذبح، ومن جعل ذلك موطنًا واحدًا قال: إنما يعتبر في إجزاء الذبح الصلاة فقط، أي: أن من أخذ بالحديثين معًا قال: العبرة بأداء الصلاة، فما دام الذبح جاء بعد انتهاء صلاة العيد فهو ذبح صحيح، أما من جعل الحديثين في موضعين مختلفين، فتكون الصلاة شرطًا ويكون ذبح الإمام -أيضًا- شرطًا؛ فلا تجزئ الأضحية إلى إذا كان بعد صلاة العيد وبعد ذبح الإمام.

وقد اختلفت الرواية في حديث أبي بردة، وذلك في بعض رواياته: أنه ذبح قبل الصلاة، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد الذبح، وفي بعضها: أنه ذبح قبل ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالإعادة، وإذا كان ذلك كذلك، فحمل قول الراوي أنه ذبح قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الآخر ذبح قبل الصلاة على موطنٍ واحدٍ أو لا، وذلك أن من ذبح قبل الصلاة فقد ذبح قبل ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب أن يكون المؤثر في عدم الإجزاء إنما هو الذبح قبل الصلاة، كما جاء في الآثار الثابتة في ذلك من حديث أنسٍ وغيره: ((أن من ذبح قبل الصلاة فليعد)) متفق عليه، وذلك أن تأصيل هذا الحكم منه صلى الله عليه وسلم يدل بمفهوم الخطاب دلالة قوية أن الذبح بعد الصلاة يجزئ؛ لأنه لو كان هنالك شرط آخر مما يتعلق به إجزاء الذبح لم يسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن فرضه صلى الله عليه وسلم التبيين، ونص حديث أنس هذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر: ((من كان ذبح قبل الصلاة؛ فليُعِد)) فالعبرة إذن: بالصلاة وليس بذبح الإمام، وهذا هو الراجح من القولين.

المسألة الثانية: انتهاء وقت الذبح:

أما عن انتهاء وقت الذبح للأضحية؛ فكما يقول ابن رشد -رحمه الله-: آخر زمان الذبح: مالك قال: آخره هو اليوم الثالث من أيام النحر، وذلك مغيب الشمس.

فالذبح عند الإمام مالك هو في الأيام المعلومات، التي أشار الله -تبارك وتعالى- إليها في قوله: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} [الحج: 28]: يوم النحر -يوم العيد، وهو يوم العاشر من ذي الحجة-  ويومان بعده -يعني يوم الحادي عشر ويوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة إلى مغيب الشمس أو غروبها –  فيكون المجموع ثلاثة أيام.

وبهذا القول الذي قال به مالك قال أيضًا أبو حنيفة، وأحمد، وجماعة من الفقهاء؛ إذن هو رأي جمهور الفقهاء، أن انتهاء وقت الذبح هو اليوم الثالث من أيام النحر، فيكون يوم النحر أول أوقات الذبح، ويكون اليوم الثاني، ثم ينتهي الأمر بمغيب الشمس في اليوم الثالث.

أما الشافعي والأوزاعي فلهما رأي آخر؛ حيث يقولان:

الأضحى أربعة أيام: يوم النحر -وهو يوم العاشر من ذي الحجة- وثلاثة أيام بعده: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، من شهر ذي الحجة وهذان هما القولان المشهوران.

وهناك أقوال أخرى في المسألة:

روي عن جماعة أنهم قالوا: الأضحى يوم واحد، وهو يوم النحر خاصة، تكون بدايته هي بداية الوقت، ونهايته غروب الشمس هو آخر الوقت.

وقد قيل -وهذا قول رابع في المسألة-: إن الذبح يمتد إلى آخر يوم من ذي الحجة. وهو قول النخعي. قال ابن رشد: وهو شاذٌّ لا دليل عليه.

ثم قال: وكل هذه الأقاويل مروية عن السلف.

وسبب اختلاف الفقهاء على هذه الأقوال الأربعة في تحديد وقت الأضحية، يقول فيه ابن رشد -رحمه الله-: إن سبب اختلافهم شيئان:

أحدهما: اختلافهم في الأيام المعلومات، ما هي؟ -أي:  الأيام المعلومات في قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ}.

فقيل: إن هذه الأيام المعلومات هي يوم النحر ويومان بعده -كما قال مالك والجمهور، وهو المشهور.

وقيل: الأيام المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة.

الثاني: معارضة دليل الخطاب في هذه الآية لحديث جبير بن مطعم؛ وذلك أنه ورد فيه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح)) ومعلوم أن أيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم النحر.

فمن قال في الأيام المعلومات: إنها يوم النحر ويومان بعده في هذه الآية، ورجح دليل الخطاب فيها على الحديث المذكور عن جبير بن مطعم، قال: لا نحر إلا في هذه الأيام الثلاثة.

أما من رأى الجمع بين هذا الحديث عن جبير بن مطعم والآية الكريمة، وقال: لا معارضة بينهما؛ إذ الحديث اقتضى حكمًا زائدًَا على ما في الآية، مع أن الآية ليس المقصود منها تحديد أيام الذبح؛ لأن الآية تتحدث عن ذكر الله تعالى، والحديث المقصود منه ذلك، أي: الذبح ((كل أيام التشريق ذبح)) فمن قال ذلك قال: يجوز الذبح في اليوم الرابع؛ إذ كان باتفاق من أيام التشريق.

يعني أن العلماء متفقون على أن أيام التشريق ثلاثة بعد يوم العيد، والحديث يقول: ((كل أيام التشريق ذبح)) إذن هي ثلاثة أيام بعد يوم العيد، ويوم العيد هو ابتداء الذبح؛ لقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر} [الكوثر: 2]؛ فيكون مجموع وقت الذبح للأضاحي أربعة أيام.

ثم قال: ولا خلاف بينهم أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق، والتي جاءت في قوله تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203].

حيث اتفق العلماء على أنها أيام التشريق، وهي ثلاثة؛ من تعجل في يومين بعد يوم العيد فلا إثم عليه، ومن تأخر إلى اليوم الثالث بعد يوم العيد فلا إثم عليه، وأنها –أي: باتفاق العلماء- ثلاثة أيام بعد يوم النحر، إلا ما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: يوم النحر من أيام التشريق، وإنما اختلفوا في الأيام المعلومات على القولين المتقدمين: قول الجمهور: وهو يوم العيد، ويومان بعده. أو العشر الأول من ذي الحجة على قول آخر.

وأما من قال: يوم النحر فقط هو يوم الذبح؛ فبناء على أن الأيام المعلومات هي العشر الأول، فيكون يوم الذبح آخرها، يوم العيد.

قال: وإذا كان الإجماع قد انعقد أنه لا يجوز الذبح منها إلا في اليوم العاشر، وهي محل الذبح المنصوص عليها؛ فواجب أن يكون الذبح إنما هو يوم النحر فقط.

المسألة الثالثة: حكم الذبح في الليالي التي تتخل أيام النحر:

فالنهار من طول الفجر إلى غروب الشمس، هذا متفق على جواز الذبح فيه، فهل يجوز الذبح في الليالي: ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر، وليلة الثالث عشر من شهر ذي الحجة أو لا يجوز؟.

يقول ابن رشد في المسالة الثالثة: ذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا يجوز الذبح في ليالي أيام التشريق، ولا النحر.

وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجماعة إلى جواز ذلك. وذلك أولى وأيسر على الناس.

وفي سبب اختلاف العلماء على هذا النحو يقول ابن رشد -رحمه الله-:

سبب اختلافهم: الاشتراك الذي في اسم اليوم، أي: المشترك اللفظي، كلمة “يوم” هل تشمل النهار فقط -وهو وقت الشمس من شروقها إلى غروبها، أو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس- أو تشمل الليل أيضًا -الأربع والعشرين ساعة ليلًا ونهارًا- فكلمة اليوم مشترك يمكن أن يدل على المعنيين: النهار فقط، أو النهار والليل معًا.

وفي الاشتراك في لفظ اليوم يقول ابن رشد: مرة يطلقه العرب على النهار والليلة، مثل قوله تعالى في قصة صالح مع قومه: {تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب} [هود: 65] وكان ذلك يشمل اليوم والليلة.

ومرة يطلقه على الأيام دون الليالي، مثل قوله تعالى في قصة قوم هود -قصة عاد: {الْحَاقَّة * مَا الْحَاقَّة * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّة * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَة * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَة * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَة * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَة} [الحاقة: 1- 7].

إذن الاشتراك واقع في اسم اليوم: فمن جعل اسم اليوم يتناول الليل مع النهار، في قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} قال: يجوز الذبح بالليل والنهار في هذه الأيام، وهو قول الشافعي والجمهور.

ومن قال: ليس يتناول اسم اليوم الليلة في هذه الآية قال: لا يجوز الذبح ولا النحر بالليل، وهو قول الإمام مالك في المشهور عنه.

في تعليق لابن رشد -رحمه الله- على هذا الكلام يقول:

النظر: هل اسم اليوم أظهر في أحدهما من الثاني؟ يعني: هل دلالة كلمة “اليوم” على الليل والنهار أظهر من دلالية اليوم على النهار فقط، أو ليس الأمر كذلك؟ أو دلالة اليوم على النهار فقط أظهر من الدلالة على اليوم والليلة؟:

يقول: يشبه أن يقال: إنه أظهر في النهار منه في الليل –أي: الدلالة على أن اليوم للنهار أظهر من الدلالة على النهار والليل- لكن إن سلمنا أن دلالته في الآية هي على النهار فقط، لم يُمنع الذبح بالليل إلا بنحو ضعيف من إيجاب دليل الخطاب، وهو تعليق ضد الحكم بضد مفهوم الاسم، أي: مفهوم الخطاب، إذا كان الخطاب يعني النهار فقط؛ فيكون المفهوم أنه لا يعني الليل، هذا ضد أو دليل الخطاب، وهو ضد الحكم، يعلق بضد مفهوم الاسم، وهذا النوع من أنوع الخطاب من أضعفها، يعني ليس محل رضًا من العلماء، حتى إنهم قالوا: ما قال به أحد من المتكلمين إلا الدقاق فقط، إلا أن يقول قائل: إن الأصل هو الحذر في الذبح، وقد ثبت جوازه بالنهار فعلى من جوّزه بالليل الدليل.

وجزئية أخرى في هذه المسالة: هل للذابح صاحب الأضحية من شروط؟:

أما الذابح؛ فإن العلماء استحبوا أن يكون المضحِّي هو الذي يلي –أي: يتولى ويقوم بالفعل- بذبح أضحيته بيده، واتفقوا على أنه يجوز أن يوكِّل غيره على الذبح.

إذن الذبح بنفسه جائز، وتوكيل غيره جائز، ولكن المستحب أن يتولى ذلك بنفسه إن كانت له قدرة على إجادة الذكاة الشرعية.

واختلفوا: هل تجوز الضحية إن ذبحها غيره بغير إذنه؟ فقيل: لا تجوز. وهذا عن الشافعي وأبي حنيفة. وقيل بالفرق بين أن يكون صديقًا أو ولدًا؛ لأن هؤلاء يُفهم من صداقتهم أو من علاقتهم الاجتماعية أن أحدًا منهم لا يمنع الآخر مما يفعل، أو أنه لا يحتاج إلى إذن في ذلك.

إذن هناك فرق بين أن يكون الذابح بغير إذن صديقًا أو ولدًا، وبين أن يكون أجنبيًّا؛ فيجوز الذبح من الصديق بغير إذن صديقه، أو من الابن بغير إذن أبيه؛ أما إن كان أجنبيًّا فلا يجوز له ذلك.

ولم يختلف المذهب المالكي -كما يقول ابن رشد فيما أحسب-: أنه إن كان أجنبيًّا أنها -أي الأضحية- لا تجزئ، وأن الذبح لا يجوز. وهو مذهب مالك.

يقول ابن قدامة -رحمه الله- في هذا المقام –أي: مسالة الذبح ليلًا-: الثالث في زمن الذبح، وهو النهار دون الليل، نص عليه أحمد في رواية الأثرم، وهو قول مالك، وروى عن عطار ما يدل عليه.

وحكي عن أحمد روايةٌ أخرى: أن الذبح يجوز ليلًا، وهو اختيار أصحابنا المتأخرين، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وأبي حنيفة وأصحابه؛ لأن الليل زمن يصح فيه الرمي -أي رمي الجمرات- فأشبه النهار.  وكم نادينا بالتوسع في وقت رمي الجمرات بدلًا من حصره من الزوال إلى الغروب، نادينا كثيرًا بجعله في الأربع والعشرين ساعة؛ حتى يخف زحام الناس، ولا يتعرضوا للموت، أو حتى إلى الإرهاق، وهنا يقول ابن قدامة -رحمه الله- ما نادينا به، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وأبي حنيفة وأصحابه: “لأن الليل زمن يصح فيه الرمي فأشبه النهار -أي يصحّ الذبح فيه”.

ووجه قول الخرقي:قول الله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج: 28].

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الذبح بالليل؛ ولأنه ليل يوم يجوز الذبح فيه؛ فأشبه ليلة يوم النحر؛ ولأن الليل تتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب، فلا يفرق طريًّا، فيفوت بعض المقصود؛ ولهذا قالوا: يُكره الذبح فيه، فعلى هذا إن ذبح ليلًا لم يجزئه على الواجب وإن كان تطوعًا فذبحها كانت شاه لحم ولم تكن أضحية؛ فإن فرّقها حصلت القربة بتفرقها دون ذبحها.

والصحيح الذي رجّحناه، وهو عند الحنابلة أيضًا: أنه يجوز الذبح ليلًا؛ للتوسعة على أصحاب الأضاحي، والفقراء، والمساكين.

الباب الرابع من أبواب كتاب الضحايا: أحكام لحوم الضحايا:

يقول ابن رشد عن لحوم الضحايا: اتفقوا -أي الفقهاء- على أن المضحي مأمور أن يأكل من لحم أضحيته، ويتصدق، والأمر للوجوب في التصدق، وللندب في الأكل بالاتفاق.

فالمضحِّي مأمور أن يأكل ومأمور أن يتصدق، أما الأكل فللاستحباب، وأما العطاء أو التصدق فعلى سبيل الوجوب؛ لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير} [الحج: 28] وقوله تعالى: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36] القانع: المتعفف، والمعتر السائل. ولقوله صلى الله عليه وسلم في الضحايا: ((كلوا، وتصدقوا، وادخروا)).

من هنا اختلف مذهب مالك: هل يؤمر المضحي بالأكل والصدقة معًا أم هو مخير بين أن يفعل أحد الأمرين -يعني أن يأكل الكل أو يتصدق بالكل؟

والذي في (الشرح الصغير) للدردير، أن الأفضل الجمع بين الأكل والإهداء والصدقة، دون تحديد بالثلث.

قال: ابن الموّاز: له أن يفعل أحد الأمرين: أي يأكل، أو يتصدق بجميعها.

واستحب كثير من العلماء أن يقسمها أثلاثًا: ثلثًا للادخار –أي: لأهل البيت- وثلثًا للصدقة –أي: للفقراء والمساكين- وثلثًا للأكل –أي: للأصدقاء والأرحام في يوم العيد.

وهذا هو الذي نميل إليه ونرجحه، وهو المشهور؛ وذلك لتحقيق قوله صلى الله عليه وسلم: ((كلوا، وتصدقوا، وادخروا)).

وقال عبد الوهاب في الأكل -وهو من تلاميذ الإمام مالك-: إنه ليس بواجب في المذهب، خلافًا لقومٍ أوجبوا ذلك.

قال ابن رشد: وأظن أهل الظاهر يوجبون تجزئة لحوم الضحايا إلى الأقسام الثلاثة التي يتضمنها الحديث.

ثم أضاف معلومةً أخرى: وهي أن العلماء متفقون على أنه لا يجوز بيع لحم الأضحية، واختلفوا في جلدها وشعرها، وما عدا ذلك مما ينتفع به منها:

فقال الجمهور: لا يجوز بيع شيء منها، لا لحمًا ولا غيرها.

وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه بغير الدراهم والدنانير –يعني: بالعروض.

وقال عطاء: يجوز بكلّ شيءٍ، دراهم، ودنانير… وغير ذلك.

ثم قال: وإنما فرّق أبو حنيفةَ بين الدراهم وغيرها؛ حيث قال: “يجوز بيعه بغير الدراهم ولا يجوز بالدراهم” لأنه رأى أن المعاوضة بالعُروض هي من باب الانتفاع؛ لإجماعهم على أنه يجوز أن يُنتفع بجلود الأضحية وشعرها؛ فتكون المعاوضة من باب الانتفاع، وذلك غير الدراهم والدنانير.

يقول ابن قدامة -رحمه الله- في شرح كلام الخرقي: والاستحباب أن يأكل ثلث أضحيته، ويهدي ثلثَها، ويتصدق بثلثها، ولو أكل أكثر جاز، وقد بيّن كلّ من الخرقي، وابن قدامة، والخطيب الشربيني -رحمهم الله تعالى- أن تقسيمها إلى أثلاثٍ أولى وأفضل.

error: النص محمي !!