Top
Image Alt

تنوّع الدلائل على صدق الرسل في دعواهم

  /  تنوّع الدلائل على صدق الرسل في دعواهم

تنوّع الدلائل على صدق الرسل في دعواهم

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

فإن من أركان الإيمان: الإيمان بالرسل جميعًا كما نص عليهم الله -تعالى- في كتابه، ونصَّ عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في سنَّتِهِ، وأفضل الرسل، وأشرفهم عند الله على الإطلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم اختصه الله بفضائل ومزايا لم يُعْطَهَا نبيٌّ قبله.

فهو أفْضَل المرسلين وأكرمُ العباد، أرْسَلَه الله بالهُدَى ودِين الحقِّ؛ لُيظْهِرَه على الدِّين كُلِّه ولو كَرِه أهل الشِّرْكِ والعِنَاد، ورَفَع له ذِكْرَه فلَا يُذْكَرُ إلا ذُكِر معه كما في الأذَانِ والتشهدِ والخطبِ.

وكَبَت مُحادّه وأهْلَكَ مُشاقَّه، وكَفَاه المستَهْزِئِيْنَ، وبَتَرَ شَانِئَهُ، ولَعَنَ مُؤْذِيَه في الدنيا والآخرَةِ، وجَعَل هَوانه وذله دائمًا عليه، واخْتَصَّه على إخوانِه المرسلين بِخَصائِصَ لا تُعد ولا تحصى، فَلَهُ الوسِيلةُ والفَضِيلةُ والمقَامُ المحمودُ، وَجُعِلَ لَهُ لِواءُ الحمْدِ -صلى الله عليه وعلى آله أفضَل الصَّلَواتِ وأعلاها، وأكملها وأنمْاهَا.

اعلم: أن الله -تعالى- هدَانَا بنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأخْرَجَنا به من الظلماتِ إلى النور، وآتانا ببركةِ رسالتِهِ، ويُمنِ سفَارته خيرَ الدنيا والآخرة، وكان من ربّه بالمنزلةِ العُليا التي تقاصَرتِ العقولُ والألسِنَةُ عن معرفتِها ونَعْتِها، وصارت غايتُها من ذلك -بعد التناهي في العلم والبيان- الرجوعَ إليها وعدم مخالفتها، فله من الحق علينا، بَلْهَ ما أوجب اللهُ من تعزيرِه، ونصرِه بكل طريق، وإيثارِهِ بالنفسِ والمالِ في كلِّ موطنٍ، وحفظِهِ وحمايتهِ من كل مُؤذٍ، وإن كان اللهُ قد أغَنَى رسولَه عن نصرِ الخَلْق، ولكن ليَبْلُوَ بعْضَكُم بِبِعض، ولِيَعْلَم اللهُ مَنْ يَنْصُرهُ ورسلَه بالغيب؛ ليُحِقَّ الجزاءَ على الأعمالِ، كما سبقَ في أُمِّ الكتاب أن نبين ما جاء من أدلة تترى في الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتَوابعَ ذلك ذِكرًا يتضمَّنُ الحكمَ والدليلَ، ونقل ما أمكَنَ من النصوص والآثار، مع ذكر وجه الاستدلال والتعليل، وبيان ما يجبُ أن يكونَ عليه التعويل.

لقد بعث الله أنبياءه ورسله رحمة للناس مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق؛ ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه، فعرضوا دعوتهم على الناس، وأخبروهم أنهم مرسلون من عند الله، وعليهم أن يصدقوهم فيما أخبروا به، كما يجب عليهم أن يُطيعوهم فيما يأمرونُهم به، وترك ما ينهونهم عنه، وقد أخبر الله أن نوحًا خاطب قومه قائلًا: {أَلاَ تَتّقُونَ (106) إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 106 – 108]. وبهذا القول نفسه خاطب رسل الله: هود، وصالح، ولوط، وشعيب، أقوامهم، بل هي مقالة ودعوة كل رسول لقومه.

فإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ أن يقيم الله الدلائلَ والحجج والبراهين المبينة صدقَ الرسل في دعواهم أنهم رسل الله؛ كي تقوم الحجة على الناس، ولا يبقى لأحد عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ} [الحديد: 25] أي: بالدلائل والآيات البينات التي تدلُّ على صدقهم.

تنوّع الدلائل:

إفراد الأدلة الدالة على صدق كل رسول كثيرة متنوعة، وقد عدّ الذين ألّفوا في دلائل نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أدلة صدقه، فنافت على الألف عند بعضهم، ومجملها يرجع إلى خمسة أمور:

الأول: الآيات والمعجزات التي يجريها الله تصديقًا لرسوله صلى الله عليه وسلم:

ما يجريه الله على أيدي رسله وأنبيائه من أمور خارقة للسنن الكونية المعتادة التي لا قدرةَ للبشر على الإتيان بمثلها، كتحويل العصا إلى أفعى تتحرك وتسعى، فتكون هذه الآية الخارقة للسنة الكونية المعتادة دليلًا غير قابلٍ للنقض والإبطال، يدلُّ على صدقهم فيما جاءوا به. وقد يُطلق عليها اسم “الآية” كما جاء بذلك القرآن الكريم، وهو اسم شامل لكل ما أعطاه الله لأنبيائه للدلالة على صدقهم سواءً أقصد به التحدي أم لم يقصد.

وهي في الجملة تندرج تحت ثلاثة أمور: العلم والقدرة والملك، وهي لا ينبغي أن تكون على وجه الكمال إلا لله تعالى؛ ولذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالبراءة من دعوى هذه الأمور: {قُل لاّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلآ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلآ أَقُولُ لَكُمْ إِنّي مَلَكٌ إِنْ أَتّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَىَ إِلَيّ} [الأنعام: 50].

أجرى الله على يد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم معجزاتٍ باهرات، وآيات مبصرات، إذا نظر فيها مريدُ الحقّ، دلّته على أنها شهادة صادقة من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.

وأعظم الآيات التي أعطيها رسولنا صلى الله عليه وسلم الكتاب المبين، وهو آيةٌ باقيةٌ دائمة إلى يوم الدين، لا يطرأ عليها التغيير ولا التبديل: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بِالذّكْرِ لَمّا جَآءَهُمْ وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41، 42].

ومن الآيات البينات والمعجزات الخارقات إسراء الله بنبيه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ حيث جمع الله له الأنبياء فصلّى بهم إمامًا {سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} [الإسراء: 1].

ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر، فقد سأل أهلُ مكة الرسولَ صلى الله عليه وسلم آية، فانشقّ القمر شقين؛ حتى رأوا حراء بينهما، وقد كان القمر عند انشقاقه بدرًا، وقد سجّل الله ذكر هذه الآية في كتابه، قال: {اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانشَقّ الْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مّسْتَمِرّ} [القمر: 1، 2].

وكذلك تكثيره الطعام صلى الله عليه وسلم وتكثيره الماء ونبعه من بين أصابعه الشريفة، وكفّ الأعداء عنه، وإجابة دعوته، وإبراء المرضى، وإخباره بالأمور الغيبية، كما تواترت بذلك النصوص، وغير ذلك مما لا يكاد يحصره العد.

الثاني: النظر في أحوال الأنبياء:

إذا شئت أن تسبر غور إنسان، وتتعرف على صدقِهِ وأمانته، فإنّك تنظر في قسمات وجهِهِ، وتحصي عليه أفعاله وأقواله، وتراقب حركاته وسكناته، والذين يستغلق عليك أن تصل في شأنهم إلى اليقين هم أولئك الذين لا تقابلهم إلا مقابلة سريعة، أو أولئك الذين يخفون أنفسهم، ويتكلفون في أقوالهم وأفعالهم؛ فلا يظهرون على طبيعتهم.

والأنبياء والرسل كانوا يخالطون أقوامهم، ويجالسونهم ويعاشرونهم، ويعاملونهم في أمورٍ شتى، وبذلك يتسنى للناس أن يدرسوهم عن كثب، ويتعرفوا إليهم عن قرب، ولقد كانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعثته بالأمين، وذلك لصدقه وأمانته، وعندما قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم في مطلع الدعوة: ((لو أخبرتكم أنّ وراء هذا الوادي خيلًا تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا)).

بعض الناس لم يحتج إلى برهانٍ ودليل؛ ليستدل بذلك على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأنّ شخصه وحياته وسيرته هي أعظم دليل، ومن هؤلاء أبو بكر الصديق، فإنّ الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دَعَاه لم يتردد.

ونظر عبد الله بن سلام في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم نظرة واحدةً، ولكنَّها كانت كافية لتدلّه على أنّ هذا وجه صادق ليس بكاذب؛ قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينةَ، وخرج عبد الله بن سلام عِالَم اليهود مع الخارجين ينظر في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “فلما رأيت وجهه؛ علمت أن وجهه ليس بوجه كذّاب”.

وخديجة التي عرفت الرسول صلى الله عليه وسلم زوجًا وخالطته عن قرب قبل أن تعرفه نبيًّا رسولًا، لم تتردد في أنّ الله لن يخزيه أبدًا، ولن يصيبه ضير، ذلك أنّ سنة الله في أمثال الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكرّموا ويشرفوا، ولذلك قالت له عندما جاءها قائلًا: ((لقد خشيت على نفسي)) وذلك بعد أن فاجأه الوحي في غار حراء؛ قالت: ((كلا؛ واللهِ لا يخزيك الله أبدًا؛ إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)).

الثالث: النظر في دعوة الرسل:

النظر في دعوة الرسل مجال خصب يدلنا على مدى صدقهم، فقد جاءت الرسل بمنهجٍ متكامل لإصلاح الإنسان، ولإصلاح المجتمع الإنساني، ودين كهذا يقول الذين جاءوا به: إنّه منزل من عند الله، لا بدّ أن يكون في غاية الكمال، خاليًا من النقائص والعيوب، لا يتعارض مع فطرة الإنسان، وسُنَنِ الكون، وقد وجَّهنا القرآن إلى هذا النوع من الاستدلال، فقال: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء: 82]. فكونه وحدة متكاملة يصدق بعضه بعضًا، لا تناقض فيه ولا اختلاف دليل واضح على صدق الذي جاء به.

والنظر في المقاصد التي تدعو إليها الرسل، والفضائل والقيم التي يُنادون بها؛ كلُّ ذلك من أعظم الأدلة على صدقهم، وقد قال الله تعالى: {إِنّ هَـَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].

الرابع: نصر الله وتأييده لهم:

ومما يدلنا على صدق الأنبياء والمرسلين نصرة الله لهم وحفظه إيَّاهم، فإنّه يستحيل على الله -تعالى- أن يتقول عليه متقول، فيدعي أنّه مرسل من عند الله وهو كاذب في دعواه، ثمّ بعد ذلك يؤيده الله وينصره، ويرسل الملائكة لتثبيته وحمايته، لو فعل هذا ملك من ملوك الأرض، فادَّعى مدّع أنّه مرسل من قبله كذبًا وزورًا، وعلم بذلك الملكُ المفترى عليه، فإنّه سيلاحقه، وإذا ظفر به فسيوقع به أشدَّ العذاب، فكيف يليق بخالق الكون العليم الحكيم أن يرى ويسمع رجلًا يكذب عليه، ويزعم أنّه رسوله، ويحلل باسمه ويحرم، ويشرع الشرائع، ويضرب الرقاب، ويزعم أنه يفعل ذلك بأمر الله وبرضاه ومشيئته، ثم يؤيده الله وينصره، ولا يوقِعُ به عقابه وعذابه؟! هذا لا يكون أبدًا، وإن وقع مثل هذا من كاذبٍ مارقٍ وظهر أمره، وقويت شوكته يومًا، فلن يطول ذلك، ولا بدَّ أن يكشف الله أمرَه، ويهتك ستره، ويسلط عليه من يقهره، ويجعله عبرة لغيره، كما فعل الله بمسيلمة وسجاح، والأسود العنسي من قبل.

وقد أشار الله -تعالى- لهذا النوع من الاستدلال فقال: {إِنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] فحكم عليهم بعدم الفلاح، وقال: {وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ (44) لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44 – 46] والمعنى: أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لو تقوَّل على الله ما لم يقُلْه الله لأهلكه الله.

وهذا الدليل ذو تأثيرٍ كبير على نفوسِ الناس، فإن العرب لمّا رأت انتصار الإسلام صدقت وآمنت، ودخلت في دين الله أفواجًا: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجاً} [النصر: 1، 2].

error: النص محمي !!