Top
Image Alt

توجيهات ما قبل مرحلة الكتابة

  /  توجيهات ما قبل مرحلة الكتابة

توجيهات ما قبل مرحلة الكتابة

نحن الآن في مَرحلة وسطَى ما بَين الاستعداد، وما بَين الكتابة التي ستأتي بعد ذلك، ويُمْكِن أن نُسمي هذه المَرحَلة مَرحَلة ما قَبل الكتابة. ومَرحَلة ما قَبل الكتابة، أي: مَرحَلة قِراءة، يكون فيها استعداد للكتابة من بَعد.

النَّصائِح والتَّوصيات التي يَنْبَغي للباحِث مُراعاتها قبل البَدء في الكتابة:

هنا في هذه المَرحَلة الدقيقة الفاصلة التي هي برزخ بين القراءة والكتابة، يُنْصَح البَاحِثون بعَددٍ من النَّصائِح التي يَلزَم تَحقِيقها قَبل الدخول إلى مَرحَلة الكتابة ومنها:

(1) عَدم التَّعجُّل في الانتهاء من جَمْع مادة البَحْث، واقتباس النُّصوص المُتعلّقة بهذا البَحْث؛ لأن المادة العِلمِية هي المُكوّن الأساسي للبَحْث. فإذا كانت قَليلة، أو هَزيلة، أو غير مُستَوفاة، فإن ذلك سَيؤدِّي إلى بَحْث هَزيل ليس له قِيمة بين البُحُوث العِلمِية. وبعض البَاحِثين قد يعْتَذرون لهذا التَّعجُّل والإسراع في الانتهاء من مَرحَلة القِراءة، قد يعْتذرون بمرور الوقت وضِيقه، وانتهاء المِنْحة على سبيل المثال، أو ضَرورة السفر، أو ارتباط هذا الأمر بأمور سيُكَلَّف بها البَاحِث فيما بَعْد، وهذا أمر يدعو فِعلًا إلى القَلق من جِهة البَاحِث، وهو أمر طبيعي ومَشروع؛ ولكن ذلك يَنْبَغي أن لا يكون دافعًا إلى التَّسَرع الضار بالبَحْث، بل يَنْبَغي أن يكون دافعًا إلى حُسْن استغلال الوَقت واستثماره، وعدم تَضييع شيء منه فيما لا يُفيد. ومن هنا، فعليه بالتَّأني والصَّبر، مع بَذل كل جُهد مُستطاع في هذه المَرحَلة من مراحل البَحْث. يتأنّى في القراءة، لا يَنْبَغي أن يتسرع في الانتهاء منها، لينتقل منها إلى مَرحَلة الكتابة. في مَرحَلة القراءة، يقرأ بتأنٍّ، ويقرأ بصَبر، ويبذل الجُهْد، ويستعين الله على أن يبارك له في وقته حتى يصل إلى كل ما يزوّده بحصيلة مثمرة ترتقي ببَحْثه وتؤدِّي إلى ارتفاع قيمته العِلمِية.

ربما يقال: إن هذا كلام يقوله الأساتذة بعد أن انتهوا من بحوثهم، ولكنهم وهم في مَرحَلة البَحْث كانوا مُتعجّلين، وهذا أمر طبيعي ومشروع تمامًا، ولا حرج في الإحساس به، لكن توجيه هذا القَلق العِلمِي يَنْبَغي أن يكون نحو الوِجْهَة الصحيحة في مَزيد من القراءة، للارتفاع بدرجة البَحْث واستكمال عنَاصره الجَوهرية.

(2) أن يُطيل البَاحِث النظر فيما يَنْقُله ويَقْتَبسه؛ حتى يُحْسِن الفَهم له، ويُتَقِن العَرْض له، ويُمْكِن له بعد ذلك الاستنباط منه عند الكتابة. ثم عليه أن يُحَدّد المَعالِم الرئيسة والتوجهات التي أمكن له أن يَتَوصّل إليها من هذه القراءات الكثيرة المتعدِّدة، فيُحَدِّد التيارات والآراء، ليمكنه أن يُقارِن بينها، ويُوازِن مواطن الصواب والخطأ، والقوة والضعف فيها، وسيكون هذا كله مُعينًا له على أنْ تتولّد في ذِهنه أفكار، ومقترحات، وتعليقات، وانتقادات، وترجيحات، وأدلة، وستكون هذه كلها مما يُضيفه إلى البَحْث وإلى العِلْم؛ وهذا من الأمور الجيدة جدًّا في البَحْث العِلمِي.

ومن الخطأ الشديد أن يظن البَاحِث أنّ دوره مُقتصر على قراءة النُّصوص واقتباسها، ثم عَرْضها؛ لأن هذا ليس دور البَاحِث الحَقيقي الذي يَعْتَز ببَحْثه وجُهْده، ويُقَدِّمه للناس مُعْتَزًّا بعَمَله، وفَخورًا بما أنجَزه. لو كانت المسألة مُجَرّد تَجْميع كان من الممكن للكمبيوتر أن يقوم بذلك الآن: أُعَلِّمُ له على بعض النُّصوص يَنْقُلها، ثم أشير عليه بتَرتيبها؛ فيَخْرُج لنا بَحْثًا علميًّا. ليس البَحْث كذلك، لكن لا بُدَّ من الإضافات التي تَدُل على شخصية البَاحِث ونَزعَته في إبراز الآراء والأفكار، وبيان الأفهام التي جاءت في ذِهنه وهو يَقرؤها، والقُدرة على المُوازنة، والقُدرة على المُقارنة، والقُدرة على التَّرجيح، والقُدرة على تَقديم الأدلة، وعلى نُصرة أفكار بعَيْنها، أو بيان أخطاء أفكار بعَيْنها، لا بُدَّ أن يكون البَاحِث موجودًا في كل مَوقع من مَواقع البَحْث، ليس مُجرد ناقِل، ولكنه باحِث عَالِم. ومنذ أن قُلنا في أوّل البَحْث أن معناه: الفَحْص، والسُّؤال، والتَّفتيش، والتَّنقيب؛ حتى نُخْرِج بَاحِثًا جَديرًا بهذا اللقب الكَريم الذي يَدل على أهمية صاحبه، وجَدارته بأن يكون ضِمن البَاحِثين. ولن يَتَسنَّى له أن يَصل إلى هذه المَرتبة إلَّا بطول الفِكر، والمُعايَشة، والتَّأمل لمَوضُوعه، وللاقتباسات، والنُّقُول العِلمِية التي يتوصّل إليها، ويقوم بنَقْلها.

وهذا على كل حال أحد شُروط إنجاز البُحُوث ذات القيمة العِلمِية. التأمل الشديد والطَّويل للنصوص يؤدِّي إلى بروز هيكل البَحْث العام في ذِهن هذا البَاحِث، ويستطيع أن يتصوّر أجزاءَه وعنَصره ومواضِعه، وأن يتخيّل الانتقال الطَّبيعي التَّدريجي بين تلك العنَاصر عندما يَبدأ في مَرحلة الكِتابة؛ وهذا كلّه ثَمرة للمُعايَشة التي تحدّثنا عنها.

(3) يُساعده على القيام بهذا الأمر، ما يَنْبَغي أن يقوم به من تَصنيف وتَوزِيع للبِطاقات التي قام بجَمعها من قَبل، لِيُمكن له أن يُجِيب على سُؤال مُهمّ كَبير، هل يَستَمِر في القِراءة وأنه لا بُدَّ من أن يَستَكمِل بعْض المَوضوعات، أو أنَّ ما كَتبه كافٍ لكي يَبْدأ الكتابة؟ هذا سُؤال مُهمّ جدًّا، وسؤال حَيوي وجَوهري ومِفْصلي؛ لأنه سيترتّب عليه، إمّا أن يَستَمر في القِراءة، وإمّا أن ينْتَقِل إلى مَرحَلة الكِتابة، وهي المَرحَلة التي سيأتي الحَديث عَنها فيما بعد.

السؤال الكبير الذي نتحدّث عنه الآن، له شُعَب: هل يَستَمر في القراءة، أو ما كتبه كافٍ؟ هل ينطبق ذلك على البَحْث في مَجْموعه، أي: في أبوابِه وفصولِه وعناصِره كُلها، أو أن ذلك يَنْطبق على بعض الأبواب دون بعض، وعلى بعض الفصول دون بعض، وعلى بعض الأفكار دون بعض؛ فقد يكون ما جَمعه صالحًا للبَدء بكِتابة فِكرة، أو لكتابة فَصل، أو لكتابة باب، ولكنه لا يكون كافيًا للبَدء في كتابة البَحْث كُله. وعلى كل حال، إذا كان ما جَمعه صالحًا لينتَقِل إلى مَرحَلة الكتابة، فإن عليه أن يتهيأ لذلك بوسائل التَّهيؤ التي سنتحدث عنها، وإذا كان ما جَمَعه غير كافٍ، فَعليه أن يُحدِّد المَواضع التي ما تزال بحاجة إلى القراءة حتى يَستَوفيها. مثال: جُزء من الفصل الثاني في الباب الأول، أو جُزء من الفصل الثالث في الباب الثاني، أو نحو ذلك. يُحدد المناطِق التي ما تزال بحاجة إلى تَزويد، وإلى إمداد، وإلى زِيادة؛ حتى يذهب إلى الكُتب والمَصادِر والمَراجِع التي تملأ هذه الثَّغَرات وهذه الفَجَوات؛ لكي يكون على طُمأنينة بأن ما جَمَعه كافٍ لكي ينتقل إلى مَرحَلة الكِتابة.

(4) إذا تَبيَّن للباحِث أنّ ما جَمعه صالح للبَدء في الكتابة، فليَعْلم أنه فَرغ من مَرحلة مُهمّة من مَراحِل البَحْث، لكنه ينْتَقل إلى مَرحَلة أكثر أهمية منها، وهي مَرحَلة الكتابة التي عليه أن يَحْتَشِد لها بكلّ إمكاناته العِلمِية والذِّهنية؛ لأنها هي المَرحَلة التي ستبدو فيها خَصائصه ومَلكاته، ومُقوماته الشخصية والعِلمِية، في التَّفكير والتَّعبير وحُسْنِ التَّصنيف وجَودة التَّقسيم والتَّرتيب.

وهذه مَرحَلة يتفاوت فيها البَاحِثون تفاوتًا كبيرًا، وتفاوتهم فيها أكبر من تفاوتهم في مَرحَلة جَمْع المادة واقتِباسها؛ ففي مَرحَلة جَمْع المادة يقْتَبسون أيضًا، فبعضهم نَشيط، وبعضهم كَسول، وبعضهم يَقْتَصر على أقل القَليل، وبعضهم يَستَزيد فيَكْتُب كَثيرًا. صحيح، هناك اختلاف بين البَاحِثين في مَرحَلة القراءة والجَمع، جَمْع المادة العِلمِية، ولكن التفاوت فيها أقل من التفاوت في مَرحَلة الكتابة: مَرحَلة الكتابة أكثر دَلالة على الشخصية، وأكثر دَلالة على ما يَتَمتّع به البَاحِث من مَلكات تَرفع دَرجته أو تُقَلِّل من هذه الدَّرجة التي هو عليها.

وقد يَتسنَّى لباحِثَيْن أنْ يَجْمعا مادة مُتقارِبة من حيث الكَمّ، ولكنهما يتفاوتان مِن حَيث الكَيف تفاوتًا بَيِّنًا … من حَيث جَودة التَّعبير، ودِقة التَّرتيب، والمَقدرة على الاستنباط، والاستدلال، والبَرهَنة، والدِّفاع عن الآراء، وانتقاد الآراء المُخَالِفة، وهكذا. ومن المَعروف أنّ المَواد الأوّلية التي يتكوّن منها صِنف ما من أصناف الطعام تكاد تكون واحدة بين يدي كل طبَّاخ، ولكن الطعام بعد طَهيه يَخْتلف باختلاف طَهْيه.

الصَّنعة والذَّوق والفّن، والجَمال في التَّنفيذ والتَّصميم، هذا يختلف من إنسان إلى آخر. ومن مادتَي القطن والصوف مثلًا، يُمْكِن إنتاج المَلابِس بجَميع أنواعِها: رَقيقة أو خَشنة، غَالية أو رَخيصة، مُختلفة الألوان؛ ولكن هذا الأمر يَخْتَلف بحَسب مَهارة الصنّاع، ودِقة تَصميماتِهم، وذَوقِهم في اختيار الألوان، ونماذج التَّصنيع، وإتقان الصَّنعة، واستيفاء مُتطلبات السِّلَع في كلّ مَرحَلة من مَراحِله. والمهندسون يَختلفون كذلك في تَصمِيمهم للمباني، كما يَخْتلفون في طُرق التَّنفيذ، ومستوى الجَودة التي تتحقّق فيها، وهكذا. والبَاحِثون بنفس الطَّريقة قد يجْمعون مادة مُتقارِبة في بُحُوثِهم، ولكنهم يَخْتلفون فيما بَعْد ذلك. فالمادة العِلمِية التي جَمَعوها أشبه بمواد البناء، وسيكون على البَاحِث أن يُخْرجها إخراجًا علميًّا، يكون له بعد ذلك أن يُحْكَم عليه أو يُحْكَم له، على حَسَب تَوفر عنَصر البَحْث العِلمِي فيما يَكْتُبه. هذه هي الملاحظة الرابعة.

(5) لِيعْلم البَاحِث: أنّ عليه عند تَصنيف اقتِباسَاتِه وتأمّلِها أن يقوم بمسألة مُهمّة جدًّا أيضًا. هذه المسألة، أو هذا التَّصرف، هو: أن يَتَخلَّى طَواعِية عن النُّصوص والاقتِباسات التي لا تَدخُل في صَميم البَحْث، أو تُؤدِّي به إلى الاستِطْراد وعَدم التَّركِيز. وهي مَسألة مُهمة، لماذا؟ لأنَّ البَاحِث في مَرحَلة القراءة قد يَكْتُب ما هو ضَروري، ولكنه في بعْض الأحيان يَكْتُب ما ليس بضَروري أيضًا؛ لأن المَعالِم الدَّقيقة للبَحْث ربما لا تَكون واضِحة في ذِهنه تمامًا.

فهو يَكْتُب أحيانًا على سَبيل الاحتياط، يقول: ربما أحتاج إلى هذا النَّص فيما بعد، فبَدلًا من أنْ أرجِع إلى الكُتب مَرة ثانية وأبحث عنها، وأذهب إلى المكتبات، أو أفتح “الإنترنت”، أو أراسِل، أو أستشير، ونحو ذلك، فهو يَكْتب على سبيل الاحتياط، لعله يحْتاج إليه، وربما التقى بمَصْدر نَادر فنَقَل منه شَيئًا لعلّه يَستَفِيد منه في المُستقبل، وهكذا. ولكن عند مَرحَلة الانتقال من الكتابة والقيام بمَرحَلة التَّصنيف للبِطاقات -التي كنا نتحدث عنها منذ قَليل- هو مُكَلَّف بأن يقوم بعَمَلِية اختيار دَقِيقة وحَاسِمة، أو ما يُمْكِن أن نُسميه بعَملية تَصفِية.

لا بُدَّ أن يَقوم بعَمَلِية تَصفِية يَستَبْقي فيها ما هو مُهم للبَحْث، ويَسْتَبعِد فيها ما ليس مُهمًّا للبَحْث، أيًّا كان حَجم هذا الذي سيَستَغْنِي عنه؛ فلو احتاج الأمر إلى التَّنازُل عن نِصف ما كَتب؛ لأنه خَارج المَوضوع، فلا بُدَّ أن يَتنَازل عَنه؛ لأنه لنْ يَكْتُب في البَحْث إلَّا ما هو مُتَّصِل بصَميم المَوضوع، أما الزَّوائِد والحَواشي والإضافات الخارجية فليست مَطلوبة في البَحْث، وتُؤدي إلى انخِفاض مُستواه وعَدم تماسُكه وتَرابُطه.

وهذه العَملية تتوقف قَبل كل شَيء على مَقدرة الطالب وعلى تَقْويم بضاعَته ومادته، ليأخذ بعضها، ويَدع البَعْض الآخر. وعَليه أنْ يَحْتَكِم في الاختيار والاستِبْقاء، والاستِبْعاد، عليه أن يَحْتَكِم إلى مَسائل مُهمّة: طَرافَة المادة العِلمِية وعَدم ذُيوعها؛ لأن هناك نُصوصًا نَادرة -كما قلنا- فهذه تَرْفَع من قِيمة البَحْث، دِقّة المَرجِع الذي وُجِدت فيه وأهمّيّته، ويأتي قبل كل شيء أهمية ما يَستَبقيه للبَحْث، وأن يكون ذا فائدة مُؤكَّدة فِيه. هذه المسألة: عَمَلية استبْعاد شيء كَتَبه البَاحِث، وعَنَّى نَفْسَه في كِتابَته، وسَهِر الليل في تَحْصيله، هذه مَسألة لَيسَت مَسألة سَهْلة على البَاحِثين؛ لأن البَاحِث يَعِزُ عليه كثيرًا -وهذا مَلحوظ في الرسائل العِلمِية- يَعِزُ عليه أن يَتخلَّى عن هذه النُّصوص التي جَمَعها، لِما بَذَله فيها من جُهْد، وما قَضَى في نَقْلِها واقتِباسها من وَقْت، وما دَفَع فيها مِن مَال، اشترى كُتُبًا، راسل، صوَّر، فعل كذا … كل هذا يَعِزُّ عليه جدًّا، أن يَتنازَل عن هذا الذي كَتبه وجَمَعه، ولذلك يَضِنُّ بها ويَحْرِص عليها، ولا يَقْبَل التَّخلِّي عَنها إلَّا في أحوال خَاصة. ولكن عليه على الرَّغْم من ذلك، وعلى الرَّغْم من اعتِزازِه بهذا الذي كَتَب، وعلى الرَّغْم ممّا أنفَقه فيه، وما قَضاه فيه من وَقت، لا بُدَّ أن يَحْسِم المَوقِف حِرصًا على البَحْث نَفْسه؛ لأن إضافة مَواد أو نُصوص غير ضَرورية للبَحْث، سيُؤثِّر في دِقة البَحْث وانضباطِه، واكتمالِه، وجَمالِه، كما أنه سيُؤدي إلى تَرهُّل البَحْث وعَدم تماسُكِه، وافتقاده للتَّسلسل الطبيعي المَنطقي دون أية فائِدة تُذْكَر. فعلى الرَّغْم من صُعوبة المَوقف -كما قُلنا- لا بُدَّ من الحَذْف، وعلى البَاحِث أن يُعَوِّد نَفسه على ذلك.

هنا نحن كمِثل الطبيب الذي يُجري عَملِية جِراحِية لاستِئصال أو بَتْر جُزء مِن الأجزاء؛ لأنه سيُؤدي إلى إضرار بالجِسم، إبقاء الزوائد هذه سيُؤدي إلى إضرار بالبَحْث. وهكذا فعلى البَاحِث نفسُه أن يقوم بهذه المَسألة نَتيجَة للفَهم الصَّحيح للمَوضوع، والتَّصوُّر الجَيد للبَحْث بصِفة عامة، فعليه أن يقوم هو بنَفسِه بالاستبعاد، بَدل أن يَجْري قَلم المُشرف بالقلم الأحمر، أو باللون الأخضر، أو بأي لون على هذه الزَّوائِد لحَذْفِها بعْد أن يَكون قد أضاف إليها جُهْدًا جديدًا في الكِتابة، وفي التَّوثِيق، وفي التَّرتيب، وفي التَّصنيف، وفي الطِّباعة ونحو ذلك. فمن الأول يأخذ الأمر بجِدٍّ ويَحْذِف من البَحْث ما ليس فيه.

(6) أن البَاحِث ليس مُطَالبًا بأن يَتَخلَّى فقط عن بعض النُّصوص، أو البِطاقات غير الضَّرورية، بل إنه على ضَوء المادة العِلمِية التي جَمعها، قد يكون مُطالَبًا بالتَّخلي عن بعض العنَاصِر أو الأفكار التي أثبَتَت قِراءاتُه المُتعدّدة واستشارَاتُه لأساتِذته أنها غير ضَرورية للبَحْث، أو أنها لا تُضيف إلى البَحْث جديدًا، أو أن غَيره قد سَبَقه إلى مُعالَجتِها؛ ومن ثَمَّ يَنْبَغي التَّخلُّص منها أيضًا هي الأخرى دون تَردّد، بشَرط أن يؤدّي هذا إلى مَزيد من انضباط البَحْث وتماسُكِه، وتَخلُّصِه من الزوائد والحواشي والاستطرادات غير النافِعة. وكأنه هنا يَقوم بمَسألة مُراجَعة وتَهيؤ، هو مُسافر في رِحلة فلا يأخذ إلَّا ما هو ضَروري فِعلًا.

(7) إذا كان البَاحِث فيما سَبق قد طُولِب بالتَّخَلي عن بعض النُّصوص، أو التَّخَلي عن بعض الأفكار والعنَاصِر، فإن مراجَعته لمادَته العِلمِية، والالتزام بالدِّقة في تَصنِيفها قد يُوجِّهان نَظَر هذا البَاحِث إلى أنّ هناك بعض العنَاصر أو الأفكار التي لمْ يتمّ استِيفاؤها بعدُ، وأنها ما تَزال بحاجة إلى المَزيد من البَحْث والقراءة، والتفتيش عما يَستَكملها حتى لا تَبدو ضامِرة هَزيلة ناقصة؛ وعندئذٍ فإن عليه أن يلاحظ ذلك، أن يضعه في حِسابه. وقد يمكن له أن يَستَدرك هذا النَّقص في أثناء مَرحَلة الكتابة، وقدْ يتوقّف قَبل الكتابة ليملأ هذه الفَراغات بقِراءة جَديدة. فأمامه طريقتان:

الطريق الأول: إمّا أن يتَوقَّف تَوقفًا نِهائيًّا قبل مَرحَلة الكتابة؛ لكي يعود إلى القراءة مرة أخرى، لاستِيفاء هذه المَسائل الناقصة، وربما إذا كان الأمر قَليلًا أو يَسيرًا أو بَسيطًا يُمْكِن استدرَاكه بسرعة، فإن بعض البَاحِثين قد يُؤجّل ذلك إلى أن يَأتي مَوضِع هذه النِقاط من البَحْث، فيَستَكمِلها في أثناء الكِتابة دون أن يتوقف توقفًا نهائيًّا لإعادة القِراءة مرة أخرى. وله أن يختار أيًّا من الأمرين على حَسَب ظُروفِه، وظُروف البَحْث. والمُهمّ: أنه سيكون مُطالبًا باستيفاء النُّصوص والمَراجِع، واستكمال قراءته عند الوصول إلى تلك النِقاط، التي ما تَزال بحاجَة إلى هذا الاستِيفاء والاستكمال. هذه مسائل مُهمة في تلك المَرحَلة الوسطى، التي سَميناها: البَّرزَخ ما بين القِراءة والانتقال إلى مَرحَلة الكتابة، وهي مَرحَلة شَديدة الأهمية في البَحْث العِلمِي.

وإذا أجاد البَاحِث الانتفاع بالمَرحَلة التي هي في مَرحَلة ما قَبل الكِتابة، فإنه سيَنطَلق في مَرحَلة الكتابة بِسهُولَة ويُسْر، ولن يكون أمامه عَقبات توقف اندفاعه لاستِكمال بَحْثه العِلمِي.

ولكن الكتابة أيضًا لها مُستَلزماتها، ومُقْتضياتُها، ونَحن الآن نَتهيأ لدخُولها، واستكمال أركانِها، والمُضي فيها قُدُمًا حتى يَنتَقِل البَحْث نَقْلة هَائِلة إلى تلك المَرحَلة الجديدة شديدة الأهمية -مرحلة الكتابة.

واستحضار المادة العِلمِية مُقوِّم ورُكن أساسي من أركان البَحْث العِلمِي، وهذا تَمَّ كُلّه أو جُلّه أو أغلَبه في المَراحِل السابقة؛ ولكن لا بُدَّ من استكمال بقية أركان البَحْث العِلمِي. وهو -أي: البَحْث العِلمِي- يتكون من أسلُوب، ومَنْهَج، ومادة عِلمِية، ومَراجِع ومَصادِر، وشخصية للبَاحِث … إلخ.

أما المادة العِلمِية والمَصادِر؛ فقد اتضحت فيما سبق من المحاضرات. وأمّا الشخصية التي يَجب أن تَتَحقّق في البَاحِث؛ فقد تَحققت أيضًا، وتَحدثنا عنها في الكَلام عن البَاحِث العِلمِي وعلاقته بالمشرف، ونحو ذلك من المسائل التي جاءت في المحاضرات الأولى. ولكن علينا أن نتحدث هنا عن هذيْن الأمريْن: الأسلُوب، والمَنْهَج الذي سيُستَخدَم عند الكِتابة. فعِندنا أسلوب، ومَنْهَج، ومادة عِلمِية، ومَراجِع، وشَخصية، خمس حاجات، تَحدثنا عن ثلاثة مِنها: المادة العِلمِية، المَصادِر والمَراجِع، شخصية البَاحِث سبقت. هنا سنَتحدث عن الأسلُوب:

الأسلُوب: هو القَالَب التَّعْبيري الذي يُسْتَخدم في البَحْث، وهو الذي يَتَضمَّن عنَاصِر البَحْث الأخرى، ويَكشِف عن فَهم البَاحِث لها، وإدراكِه لمضمونِها، وتَعْبِيره عَنها في وضوح وسلامَة وسلاسَة ودِقة؛ فالمادة العِلمِية سيُعَبِّر عَنها، وسيَكْتُبها في أسلوب مُعَيَّن، ولكل باحِث -بطَبيعة الحال- أسلوبُه الذي يَتَميز به، وهو حَصيلة خِبرته، وتجاربه، وقراءاته، وتَكْوينه النَّفسي والعَقْلي؛ ولذلك يَخْتَلف من باحِث إلى آخر.

فبَعض البَاحِثين يَميل إلى التَّركِيز الشَّديد الذي قد يؤدّي أحيانًا إلى الغُموض والإغلاق، وبعضُهم قد يَميل إلى الإطناب والإسهاب، بما يُؤدي إلى تَفكّك البَحْث وعَدم تَرابطه، كما يؤدّي إلى المَلل عند قراءاته، وإلى العَجْز عن مُواصلة القراءة؛ ولا سيما إذا لجأ صاحبه إلى السَّجَع المُتَكلَّف، أو الصَّنْعَة البَديعِيّة، أو إلى الحَديث عن النفس دونما حاجة، أو إلى المُبالَغة في إظهار محاسِن البَحْث، أو في تَقدير النتائِج التي تَوصَّل إليها.

هذا كله لا يَنْبَغي أن يكون فيه الأسلُوب الذي يَتَحدَّث به الكاتب للبَحْث. فلا يَصِح له على سبيل المثال أن يَستَخْدم ضَمير المُعَظّم في الحديث عن نفسه: “قلنا”، “تحدثنا”، “توصلنا”، إلى غير ذلك من الأساليب التي قد يَقع فيها بعْض البَاحِثين. قَديمًا قال القَدامى: “إن الأسلُوب هو الرَّجُل”، أي: إنه يَكْشِف عن خصائص صاحبه وملامِحه العَقلية والنَّفسية.

ومن الواضح أن هذه الخصائص تَتَجلى بالفعل في الأسلُوب، إلى أن بعض الناس قد يعْرف أن هذا الكلام لشخص مُعيّن دون أن يكون اسمه موضوعًا عليه. فالذين قرءوا مثلًا للعقاد، أو الذين قرءوا لطه حسين، أو الذين قرءوا شِعْر شوقي، والذين رجعوا إلى شِعْر المُتنبي، أو الذين قرءوا في (إحياء علوم الدين) للغَزالي، يَستَطيعون أن يَعْرِفوا صاحب هذا الأسلُوب؛ نَتيجة لأن فيه لوازِم مُعيّنة، وطَريقة مُحدّدة في الكتابة، وفي التَّعبير، واستخدام صور الجَمال التي يتجمّل بها الأسلُوب، وهكذا. ونحن في البَحْث العِلمِي، لا نَتحدث عن الأسلُوب الأدبي، ولكن نَتحدث عن الأسلُوب العِلْمِي.

والأسلُوب العِلمِي: أسلوب هادِئ ليس فيه مُبالَغات، وليس فيه مُهاتَرات، وليس فيه تَكلُّف ولا تَصنُّع، ولكن يَنْبَغي أن يَتميَّز بالوُضوح، والدِّقة، والرَّصانة، والمَوضوعية، والاسترسال في غَير تَكلُّف ولا تَصنُّع. هذه كلها خَصائص مُهمة جدًّا: خاصية الوُضوح، خاصية الدِّقة، وخاصية الرَّصانَة وعَدم المُبالغة، وخاصية المَوضوعية، وهي من صِفات البَاحِث العِلمِي، خاصية الاسترسال في غَير تَكلُّف ولا تَصنُّع.

لا يَليق في البَحْث العِلمِي أن نُحوِّله إلى ما يُشبِه الأساليب الأدبية الخاصة بالروايات، والقِصص، والمُبالغات الشِّعرية، وغيرها من الأمور التي قد تَصِح في أسلوب آخَر، ولكنها ليست مَطلوبة في البَحْث العِلمِي. وليس يعني ذلك -وهذه مسألة مهمّة- أن يكون الأسلُوب العِلمِي جافًّا صارمًا، بل إنّ من المُفيد أن يَتَحلَّى بجَمال العِبارة، والسلاسَة في الحَديث عن مَوضوعه، على أن يأتي ذلك دون إسراف ولا مُبالغة. والقارئ للبَحْث يستطيع أن يُميِّز عند قراءاته لعَديد من الأساليب -أي: للباحِثين- أن يُميِّز بين ما هو طَبيعي مُتَقبَّل، وبَين ما هو مَصنوع مُتَكلَّف تبدو فيه آثار الصَّنْعة والإسراف.

وقد لا يستطيع البَاحِث أن يَصل إلى ما يَبْتَغيه من دِقة الأسلُوب ووضوحِه منذ اللحظة الأولى في كتابته للبَحْث؛ لأن ذلك يَتطلَّب قَدرًا كَبيرًا من المِراس، والتَّجْربة، كما قدْ يَتَطلَّب ملاحظة طُرق التَّعْبِير لدى مَن سبقوه من البَاحِثين، وخاصة من كِبار الأساتِذة ليَتعلّم منهم طَرائق التَّعْبير وصورهَا الجَيّدة. وقد يحتاج البَاحِث في العُلوم الإنسانية؛ ولا سيما في العُلوم الأدبية، إلى أن يقرأ كتبًا من تلك التي تُعْنَى بالصياغة الأدبية، ليتعلّم منها ويُرقِّيَ ذَوقه في الكتابة عن طَريق المحاكاة؛ وهذا من الأمور الطبيعية، وهو أمر لا غَرابة فيه، ويأتي اكتسابه عن طَريق المُحاولة الجَادة والتَّجارب المُتكرّرة.

وعلى البَاحِث في كل الأحوال أن يَتَحلَّى بالصَّبر، والقُدْرة على إعادة التَّجارب والمحاولات، ليَكْتَسِب هذه المَهارات، التي يَجِب أن تَتَحقق في البَحْث العِلمِي، وقد يُضْطَر البَاحِث إلى كِتابة الفِكرة أكثر من مرة؛ حتى تُصبِح الفِكرة واضِحة ناضِجة مُعَبّرة عمّا يُريد بدِقّة وأمانة. وهذا التَّكْرار، وإعادة المُحاوَلة، هي من الأمور المُعْتادَة في البَحْث العِلمِي، وخصوصًا في مراحِله الأولى؛ فلا يَنْبَغي أن يُحِسَّ البَاحِث بالإحباط، أو باليأس، وهو يُمْسِك بالقَلِم ويحاول أن يَصوغ الأفكار؛ فلا تَتَيسّر له من أول مرة، وربما يَكْتُب الفِكرة، ثُمَّ يُمزق الوَرقة التي كَتبها عليه، ثم يُعِيد الكتابة، فيجد أن المرة الثانية أفضل من المرة الأولى، ثم يُعِيد الكتابة، وهكذا، إلى أن يَصِل إلى مُستوى يَرضى هو فيه عن هذا المستوى؛ حتى يكون جَديرًا بأن يقدّمه بعد ذلك إلى المُشرف، أو إلى مَن يَقْرأ له من مُساعديه.

وهذه أيضًا ملاحظة جَيدة – يجب أن تكون في أذهانِنا: يُلاحَظ أن الأسلُوب العِلمِي يَخْتَلِف من مجال إلى مجال، فالكتابة في العُلوم الطبيعية، أو الكونية، أو الرياضية، غير الكتابة في العُلوم الإنسانية والاجتماعية، فالذي يَكْتُب في الكِيمياء، والطبيعة، والفلَك، والجيولوجيا، وفي الهندسة بفُروعِها المُخْتلفة، غير الذي يَكْتُب في علْم النَّفْس، أو الاجتماع، أو التربية، أو علْم الأخلاق، أو التاريخ، أو نحو ذلك. والكتابة في مجال الدراسات الأدبية، أو الإبداعية، كالقِصة والرِّواية، والمَسرحية، والشِّعْر، غير الكتابة -بالتأكيد- في العُلوم الإسلامية ذات التَّقالِيد المُنْضَبطة، والقَواعد المُحَدّدة المُحَرّرة؛ بل إن الكتابة في بعض هذه العُلوم قد تختلف عن الكتابة في بعضها الآخر. فكل عِلْم له خصائصه التَّعْبيرية والأسلُوبية، والنَّمَط الذي يُحْتَذى.فالكتابة مثلًا في التَّفْسير غير الكتابة في أصول الفِقه، والكتابة في الحديث غير الكتابة في السِّيرة مَثلًا؛ فلكل عِلْم صِياغاته وأساليبه والقَواعد التي وَضَعها عُلماؤه.

والبَاحِث يَكْتَسب هذا بالقراءة وبالمُحاكَاة، وبالتدرب على مثل هذا الأمر. ولكلّ مجال -كما هو واضح- معاييرُه الخاصة التي يَضعها أهل التخصص فيما يقومون به من بُحوث ودِراسات، على البَاحِثين الجُدُد أن يَتعرَّفوا عَليها، وأن يَستَلهِموها، وأن يتعلّموا مِنها.

هذا كُله فيما يتعلق بالأسلُوب الذي يَجِب أن يَلتَزِمه البَاحِث عند بِداية الكتابة في البَحْث العِلمِي.

أما عن المَنْهَج: وهو جَوهر وصَميم البَحْث، وهو الذي سيَبدو عليه البَحْث بعد كِتابته، وهو الذي سيوضِّح العنَاصِر الأساسية والأفكار المُهمة التي يتضمّنها هذا البَحْث، ويُبَيِّن تَمتّعه بالخصائص التي تَرفع من قِيمته أو تُقَلّل من قِيمته. ومن الواضِح أننا ننَتَقِل من مَرحَلة إلى مَرحَلة ذات أهمية، كل مَرحَلة تأتي مُكَمِّلة لِمَا قَبْلها ويُبْنَى عليها ما بَعْدها. والمَنْهَج يتمثّل في طريقة استخدام البَاحِث للمعلومات في تكوين فِكْرة أو صياغة لحُكْم من الأحكام بهدف إقناع القارئ أو التأثير فيه. فكل مَنْهَج مكوّن من خطوات عِلمِية مُحَدّدة، لكن المسألة في التطبيق، كيف أطبِّق هذا المَنْهَج؟

أيُّ مَنْهَج -مَنْهَج البَحْث في التاريخ، مَنْهَج البَحْث في الفقه، مَنْهَج البَحْث في الأصول- له خُطوات مُحَدّدة، اتُّفِق عليها بين العُلماء البَاحِثين في كلّ مجال، لكن نحن هنا نتحدّث عن كَيفية تَطْبِيق البَاحِث لهذا المَنْهَج فيما جَمَعه مِن مَادة عِلمِية، وفيما يُريده من التَّوصُّل إلى الحَقائق العِلمِية. هذا لا يتم للباحِث إلَّا إذا سَعى جاهدًا إلى تَنْظيم العَرض للأفكار، والتزام المَنطِق، وتَقْديم الأدلة في تَدرُّج وتَكَامل، مع البَدء بأبسطِها أصولًا إلى أعلاها. فالبَاحِث مُكَلّف بتَرتِيب الأفكار، وبالتزام مَنطِقٍ مُعَيَّن في الانتقال من جُزئية إلى جُزئية، من فِكرة إلى فِكرة، من فَصل إلى فَصل، ومن باب إلى باب، ومن مَوضوع إلى مَوضوع.

وهو مُكلَّف في كل جُزئية من هذه الجُزئيات أن ينتقل في تَدرُّج، وفي تَكامُل، وفي تَسلسُل طبيعي، ليس فيه فَجَوات، وليس فيه قَفزات، وليس فيه فَراغات، وليس فيه تقديم لِما حقّه التأخير، وليس فيه تَأخير لِما حَقّه التَّقْديم. ثم لا بُدَّ أن يَرتَبِط المَنْهَج بالعُنوَان ارتباطًا وثيقًا جدًّا؛ لأن العُنوَان الذي أشرنا من قبل إلى ضَرورة إحكامِه والتَّدقِيق فيه، يَجِب أن يكون مثل الرَّاية التي يَحْمِلها الجُنود، أو مِثل المَعالِم الثابتة التي يُصَوِّب إليها مَنْ يَقُوم بالتصويب إلى غرض مُعَيِّن.

وعلى البَاحِث أن يسأل نَفسه دائمًا: هل هذه الفكرة التي أقولُها وأكتُبها، مُرتَبِطة بالعُنوَان أو ليست مُرتَبطة بالعُنوَان؟ العُنوَان يكون كالمِحور هناك في وسط الدائرة، ولا بُدَّ أن تَنْتَهيَ كل الخُطوط إليه. فإذا كان في الخَطِّ تَعرُّج، أو مَيل، أو انحِراف، أو نُتوء، أو بُعْد، فَعليه أن يَتَوقّف ويقول: هذه الفِكرة ليست مِن جَوهَر البَحْث ولا من صَميمه.

لاحظ العُنوَان جيدًا جدًّا، ويكون التَّدرُّج طَبيعيًّا في داخل كلّ فِكرة، ثم في عَلاقة الأفكار بعضها ببعض. وعلى البَاحِث أن يُلاحظ أن المَنْهَج يَجِب أن يَشتَمِل على عدد مِن العَمليات العَقْلية التي تَتَكامل؛ ليس مُجرّد وضْع المَعلومات كيفما اتفق؛ لأن هذا ليس مَنْهَجًا علميًّا، إنما لا بُدَّ من وضعِها حَسْب نِظام، وحَسْب فِكْرة، وحَسْب تَصميم. لا بُدَّ أن يشتَمل على عَدد من العَمليات العَقلية، يَجْمَع فيه بين العَرض للأفكار التي نَقَلها عن الآخرين، ثم المناقَشة لها، ثم التَّقويم لهذه الأفكار، وأن يَفْعَل ذلك بطَريقة مُتَدرِّجة ومَنْطِقية؛ فلا يُقَدِّم مثلًا النَّقْد أو التَّقويم على العَرْض، ولا يَكْتَفي بمجَرد العَرض دون تَقويم؛ لأن ذلك سيَدلُّ كلّ مَن يَقرأ هذا البَحْث -وأوّلهم المُشْرِف- على ضعْف شَخصية هذا البَاحِث، وعَدَم تَمكُنه من بَحْثه.

ثم عَليه أن يَقوم بتَمحِيص الأفكار تَمحيصًا جَيدًا، وهذا يأتي ثَمرة للنظر والتأمل الطَّويل كما أشرنا من قَبل. وليَتذكر هذا البَاحِث دائمًا أنه يَكْتُب بَحْثًا علميًّا، يُريد به أن يَكْشِف مَجْهولًا، أو يُضِيفَ جَديدًا، أو يُصحح خَطأً. وعليه في كل الأحوال أن يَسعى إلى تَحقيق هذه الغايات، مُتسلِّحًا بكل الأدوات والعُدَد العِلمِية التي تُعِينُه على تَحقيقِها، ومن أهمّها: دِقة الأسلُوب، وسلامة المَنْهَج، وتَرتيب الأفكار، والانتقال المُتَدرِّج فيما بَينها. فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يَمْضي إلى كِتابة بَحْثه بخُطًى ثابِتة مُوَفَّقة.

هنا عليه أن يَخْتار المَنْهَج المُلائِم لمَوضوع البَحْث، وأن يُجيد التَّطْبيق، هل يَتَيسَّر هذا من أول مَرة؟ لا نَستَطيع أن نَقول إنَّ ذلك يَتَحقّق من أول مَرة، إلَّا في أقلِّ القَليل من البَاحِثين؛ ولكن على البَاحِث أن يَكْتَسِب المَهارة والدُّرْبَة، وأن يتحلّى بالصَّبر وكَثْرة المُحاولات، وكَثْرة الاطّلاع، وعرض الأفكار على أستاذه لتَرتِيبها، قَبل أن يَمضيَ في كِتابتها والحَديث عنها. وهذا كُلّه يَتَطلَّب وَقتًا ويَتَطلَّب جُهْدًا. وهذا كله يأتي بالمِران والمِراس والصَّبر والتَّأني.

التطبيق والتنفيذ: بعد ذلك نَنتَقِل إلى تَطْبيق وتَنْفِيذ ما جَمعناه من مادة، وما وَضعْناه من مَنْهَج، وما اختَرناه من أسلُوب. سنَنتَقِل هنا ونَقْتَرب من مَرحَلة الكتابة للبَحْث، ولعلَّنا لا نَفْزَع إذا قٌلنا: إن البَحْث أو بعْض أجزاء البَحْث يُمْكِن أن يُكْتب أكثر من مرة، وأنه يُكْتَب أولًا عن طَريق مُسوَّدة تكون مَشروعًا أوّليًّا للبَحْث، ولكن من المُمكِن إعادة هذه المُسوَّدة بطَريقة أكمل وأوفق. ومن الأوّليات التي لا بُدَّ أن تُعْرَف: أن مُسوَّدة البَحْث هي التَّجْربة الأولى لكتابة البَحْث، وغالبًا ما يعْتَريها ضَعْف التَّعْبير، ونَقل المَعلومات، وعَدَم الدِّقة في طَريقة العَرض، ولكنها -على أية حال- خُطوة ضَرورية لإبراز البَحْث من حَيِّز التَّفكير إلى حَيِّز الوُجُود.

هنا سنَنتَقل من التَّصميم العَقْلي والذِّهني إلى حَيِّز الوجود، وبعد ذلك تأتي مراحل التعديل والتطوير. ومن هنا كان على البَاحِث أن يوطِّن نفسه على إعادة هذه التجربة لمرة أو مرتيْن وربما أكثر، على حَسَب مهارات البَاحِث، وعلى حَسَب دِقة المَوضوع، وعلى حَسَب اشتراطات المُشرِف. قد يَكْتُب البَحْث مرة، أو اثنتيْن، وثلاثًا، وربما يَزيد؛ حتى يَصل البَاحِث في عَرضه وفي أسلُوبه وفي مَنْهَجه إلى الشكل السليم الذي يُحقّق الانطباع المَطلوب الذي يَهْدف إليه البَاحِث.

ونُشير هنا في هذا الصَّدد إلى ما كَتبه أحد الأساتذة الكِبار لطلابه في تأكيده عليهم في هذه المسألة، عندما قال لهم: “إنه يَلزم البَدء بكتابة المُسوّدة الأولى للفَصل من البَحْث، ثم العَمَل على تَنْقِيحه بعِناية شَديدة، ثم إعادة كِتابته للمرة الثانية، ومُعاوَدة تَنْقِيحه وتَهْذِيبه للمرة الثانية، ثم إعادة كتابته للمرة الثالثة. وبَعْد الانتهاء تُوضَع الأوراق جَانبًا ويُكْتَب الفَصل من جَديد”. أي: إن بعْض الأساتذة يُوصي طُلابه بكتابة البَحْث أربع مَرات، وهذا يَتطلَّب جُهْدًا وصَبرًا، وهما من صِفات البَاحِث العِلمِي على كلّ حال، لكن بعض البَاحِثين ربما يكون حَظّه أيسر من هذا بأن يَكْتُب مرة أو مَرتيْن، يَكْتَسِب فيهما المهارات التي تُؤهّله لإجادة التَّعْبير عن نَفْسِه، في هذا المرة أو في هاتيْن المرتيْن دون أن يكون مُحتاجًا إلى إعادة ذلك للمرة الثالثة، أو للمرة الرابعة، كما يَتطلَّب ذلك بعْض البَاحِثين. وعلى كل حال، فنَحن ما زِلنا في تلك الخُطوة، وما يَزال الحديث عنها مستمرًّا ومَوصولًا.

error: النص محمي !!