Top
Image Alt

توجيه الجيوش في عصر الصِّدِّيق، وأسباب الفتوحات

  /  توجيه الجيوش في عصر الصِّدِّيق، وأسباب الفتوحات

توجيه الجيوش في عصر الصِّدِّيق، وأسباب الفتوحات

. العلاء الحضرمي ودوره في الرد على حركات الرِّدَّة، والتشاور في فتح بلاد الشام:

من المعروف أنَّ العلاء الحضرمي كان قد أُنيط به موضوع الرد على حركات الرِّدَّة، التي قامت في منطقة البحرين، واستطاع أن يبذل جهدًا عظيمًا في هذا المضمار، وأن يتابع الفلول الهاربة. في تلك الأثناء كانت قد ظهرت شخصية المثنى، ونستطيع أن نقول: إنه كان له دور عظيم جدًّا في تحركات العلاء الحضرمي،.

وفي تتبع بقايا أهل الرِّدة، أقصد بذلك: دور عسكري، ومن ثم لما وجدوا أنفسهم قد بذلوا هذا الجهد، إذا بهم يجدون أنفسهم قد انساحوا في بلاد العراق، فأرسلوا إلى الصديق برسائلَ أخبروه فيها أنهم حاليًا في بلاد العراق، ومعنى ذلك أنهم يمكنهم أن يفتحوا في بلاد الفرس، فأجابهم الصديق إلى ذلك، ولم يمنعْهم من الدخول في حركة الفتوحات في بلاد الفرس.

ولكن يلاحظ: أن الصديق عندما أراد أن يوجه الجيوش لفتح بلاد الشام، جمع إليه أصحابَ الرأي من المهاجرين والأنصار وتحدث إليهم؛ ليأخذ رأيهم ويعرض عليهم فكرته من حيث عزمه على طلب الفتوحات في بلاد الروم أو الدولة البيزنطية الشرقية.

أجابه عمر رضي الله  عنه وقال له: “والله ما استبقنا إلى شيء من الخير إلا سبقتنا إليه -يعني: أنت رائدنا في هذا المضمار- قد والله أردت لقاءك بهذا الأمر -يعني: الفاروق فكر في هذه النقطة- فابعث الرجال تتبعها الرجال والجنود تتبعها الجنود، فإن الله  ناصر دينه ومعز الإسلام، ومنجز ما وعد رسوله”.

ثم تكلم عبد الرحمن بن عوف، ظهر أنه رجلٌ يرى الحذرَ من حرب الروم، وخاصة إذا كانت الحرب حرب مواجهة، ولكنه يرى أن المسلمين يمكنهم أن يقوموا ببعض المناوشات عن طريق بعض الرجال، وهو ما نطلق عليه اليوم “حرب العصابات”.

ونستطيع أن نلاحظ في فكر عبد الرحمن بن عوف تخوفه من حرب المواجهة مع الروم ومع الدولة البيزنطية الشرقية، هذا التريث الذي عرضه عبد الرحمن بن عوف كان وازعًا للصديق ووازعًا لكثير من الصحابة أن يصمتوا عن إبداء المشورة وإبداء الرأي، حتى قال الصديق لهم: “ماذا ترون رحمكم الله، أعطوني رأيكم فيما أقول”، عندئذٍ تصدى عثمان رضي الله  عنه للجواب فقال: “يا أبا بكر، أرى أنك ناصح لأهل هذا الدين، شفيق عليهم، فإن رأيت رأيًا لهم فيه صلاح ورشد وخير، فاعزم على إمضائه، فإنك غير ضنين ولا متهم -يعني: أنت لست متهمًا عندنا فيما تذهب إليه من هذه التصرفات- ومن ثَم فتوكل على بركة الله”.

فلم يكن من جمهرة الحاضرين في هذه اللحظة إلا أن أقروا عثمان على رأيه، وزادوا عليه قولهم: “ولن نتخلف عن دعوتك وإجابتك”، أي: حين تستنفرنا للقتال فلن نتخلف عن الوقوف بجانبك وإجابة الدعوة، والخروج للجهاد بإذن الله تعالى، وحول الله وقوته.

في هذه اللحظة وجَّه الصديق لتلك القوات، التي يمكن أن تبدأ تحركها في حركة الفتوحات الكبرى مجموعةً من الوصايا أو من النصائح، كان على رأسها أن يستعينوا بهؤلاء الجنود الذين قاتلوا في حروب الردة، كذلك طلب منهم ألَّا يستعينوا بأحد من المرتدين، ولا حتى من الذين تابوا وأسلموا -وإن كان هذا القرار قد تغير بعد ذلك، فاستعان ببعضهم- كذلك طلب منهم ألَّا يكرهوا أحدًا على المسير معهم لقتال الفرس، كما طلب منهم أن يحسنوا معاملة الفلاحين في الأرض المفتوحة؛ لأنها -أي: بلاد الفرس- بلاد أنهار وزراعة تعتمد على سواعد هؤلاء الفلاحين، وعلى ذلك فمن مصلحة المسلمين أن يحسنوا معاملة هؤلاء الفلاحين على أي وضع، سواء أجابوهم إلى الإسلام، أو حتى إذا رفضوا وامتنعوا؛ فكان لا بد من تقريب الفلاحين وأخذهم في صفوف المسلمين. فهذه كانت خطة ذكية من الصديق رضي الله  عنه.

وقال لهم: إن هؤلاء الفلاحين إذا أجابوكم إلى الإسلام، فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وحينئذٍ يرجع المسلمون عن بلادهم ويتركوهم أحرارًا فيما يحكمون أنفسهم في حدود الإسلام، وتابعين لدولته الجامعة دولة الخلافة، فإن لم يجيبوا إلى الإسلام ودفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، قَبِلَ منهم المسلمون ذلك وخلفوا فيهم قوة عسكرية دِفاعية، فإن رفضوا أنذرهم المسلمون بالحرب.

ونستطيع أن نلاحظ هذه الأفكار في تلك الرسالة التي كتبها خالد بن الوليد إلى قواد الفرس، وقال لأحد هؤلاء القواد: “أما بعد، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، أو اعقد لنفسك ولقومك الذمة، وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومنَّ إلا نفسك، فقد جئتكم بقوم الموت إليهم أحب من الحياة”.

2. بعض هذه المبادئ التي عرضها الصديق رضي الله  عنه في رسالته للقواد:

طلب أبو بكر الصديق من قواده أن يتعاملوا مع رسل الأعداء بكثير من الحسن والود والقبول، وأن يحاولوا ألّا يطَّلع أحدٌ من رسل الأعداء على جيش المسلمين أو على معسكرهم، حتى لا يعرفوا أخبارهم، فأي معلومة في هذه اللحظة لها فائدتها للقوات المعادية: عدد الجنود، عدد الخيل، صورة التسليح، الحالة النفسية، أنواع الطعام،… كل هذه الأفكار لو نُقلت إلى الجبهة المضادة فسوف يكون لها أثرٌ في بناء الخطط العسكرية، لكنه -كما ذكرت- طلب أن يقابل هؤلاء الرسل، ولكن لا يمكثون كثيرًا في معسكر المسلمين، كذلك طلب الصديق رضي الله  عنه من قواده صدق المشورة إذا تعرضوا لأحد يطلبون منه المشورة، فعليهم أن يعرضوا عليه الأفكار بصدق؛ حتى يحصلوا على صدق المشورة.

كذلك طلب منهم السمر مع بعض الجنود والقوات بالليل؛ حتى يتعرف الأخبار، قال: مثل هذه الجِلسات قد يستطيع منها القائد أن يحصل على كثيرٍ من الأسرار، التي يتناقلها الجنود بعضهم وبعض.

كذلك طلب من قواده تقسيم الحراسة بين الجنود ليلًا، وطلب منهم إطالةَ الفترة الأولى من الحراسة؛ لأنها أقرب إلى النهار، وصغر الفترات التالية، كذلك طلب منهم أن يحسنوا أدب من لم يلتزم بحراسته وبوقته.

وهذه أفكار عسكرية اليوم نستطيع أن نراها، ومَن ذهب منا إلى التجنيد يعلم أن هذه الأفكار جزءٌ من أفكار التجنيد في أي جيش موجود اليوم، ومن المعروف أن هذه الأفكار عرضها الصديق أول مَن عرضها.

كذلك طلب من قواده الصدق في اللقاء، يعني: أن يكون صادقًا في لقاء الأعداء، صادقًا في مواجهتهم، عنده من الفكر سواء العسكري أو العقدي والمذهبي، ما يريد أن ينشره، وما يريد أن يعلي من قدره ومن شأنه.

3. الفتوحات الإسلامية في عهد أبي بكر الصديق رضي الله  عنه:

الذي يعنينا الآن هو الحديث عن أسباب الفتوحات، ما الأسباب التي أدَّت إلى حركة الفتوحات الكبرى التي تمَّت في صدر الإسلام، وخاصة في عصر الصديق رضي الله  عنه؟

أولًا: تحرير الشعوب من الأنظمة الفاسدة الظالمة، وصور الطغيان والجبروت التي كان يمارسها الحكام:

إن هذه المرحلة شهدت أنظمة فاسدة ظالمة تحيط بالدولة الإسلامية الحديثة الناشئة في الجزيرة العربية، وهذه الأنظمة كانت موجودة في بلاد الفرس والروم، وكانت تتمثل فيها أعلى صور الطغيان والجبروت والظلم، وهذه الأمور لا يقرها الإسلام ولا يرضى عنها، فكان لا بد من تحرير هؤلاء الشعوب من هذه الصور الظالمة.

ثانيًا: عالمية رسالة الإسلام، ووجوب تبليغها للناس:

تعد عالمية رسالة الإسلام وعمومها للناس أجمعين، ووجوب تبليغها للعالمين السبب الرئيس الذي حرَّك القوات الإسلامية، وأخرج الجنود المدافعين والمجاهدين.

وتبليغ الدعوة الإسلامية أمر في غاية الأهمية: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] ويقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء: 107]، وغيرها من الآيات التي يُفهم منها أمر توصيل هذه الرسالة إلى العالمين، وأن الإسلام دين عالمي ينتشر في كل بقاع الأرض.

كذلك نستطيع أن نقول: إن تعاليم الإسلام ورحمة الإسلام بالعالمين تدعوه لأنْ يأخذ بيد هذه الشعوب إلى هذه المبادئ، ولا يمكن أن تقتصر هذه الأفكار وفكر المسلمين على أمة من الأمم دون أن تنساق هذه الأفكار مع باقي سكان الأرض، فالرسالة رسالةٌ عالمية، فلا بد من تبليغ الدعوة، لا بد من وصول الدعوة إلى العالم كله، يؤمن مَن يؤمن ويكفر مَن يكفر، والآيات صريحة في هذا المضمار، لا بد من عرض الإسلام للعالمين ونشر تعاليم الإسلام وتبليغ تعاليم الإسلام للناس كافةً، بغض النظر عن القبول والرفض.

ثالثًا: كسر الحواجز التي تمنع المسلمين من تبليغ دينهم:

من أسباب الفتح كذلك ما قام به حكام دولتي الفرس والروم؛ حيث منعوا سريانَ هذا الدين في بلادهم، والمسلمون لم يكونوا يطلبون شيئًا أكثر من السماح لهم بالدعوة فقط، تبليغ الدعوة لهذه الأمم وهذه الشعوب بغض النظر عن النتائج، ولكن هؤلاء الحكام وقفوا حجر عثرة أمام تحرك المسلمين بدينهم ودعوة الناس إلى دين الله، لم يكتفوا بهذا، بل إنهم جندوا شعوبهم، وأتَوْا بجنودهم؛ لإيقاف المسلمين، ولحرب المسلمين، والاعتداء عليهم.

وأبو بكر الصديق رضي الله  عنه بعد قمع حركات الردة؛ أرسل رسله بأفكار الإسلام والدعوة إلى هذا الدين، وكانت ردود هؤلاء الحكام ردودًا قاسية، رفضوا وأبَوا، وكأنهم يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، وأن يفصدوا كل باب دون هذه الشعوب التي كانت تعاني من جَوْر وظلم هؤلاء الحكام وطغيانهم، ومن ثَم كان لا بد من كسر هذه الحواجز.

وأقول: لو أن هؤلاء الملوك تركوا دعوة الإسلام ما صح للمسلمين أن يعتدوا عليهم، ولا أن يدخلوا بلادهم، ليس هناك من مطلوب سوى السماح للدعوة، وتبليغ الدين للعالمين فقط، ولكن هؤلاء الملوك والرؤساء في تلك الأوقات -هم القياصرة والأكاسرة المعروفون في بلاد الفرس والروم- رفضوا ذلك تمامًا، ووقفوا حجر عثرة كما ذكرتُ أمام هذا الدين. فهذا في الوقت الذي صرح فيه هذا الدين بأنه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:265]، {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء} ، [الكهف: 29] ، وكذلك كان المسلمون يعرضون أهمَّ أفكارهم والتي تمثلت في البدائل التي عرضها المسلمون، كان على رأس هذه البدائل هو الدعوة إلى الإسلام، قبول الإسلام أو الدخول في الإسلام، فمن دخل في الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، فمن يرفض أمامه البديل الثاني وهو دفع الجزية، وهي نظير أنه لا يدفع الزكاةَ، كذلك هي نظير دفاع جنود المسلمين عنه.

فهو غير مطالب بالاشتراك في الحروب العسكرية أو الدفاع عن الأراضي، فإن رفَضَ أيًّ من الخيارين -الأول أو الثاني- فليس أمامه سوى قتال المسلمين، وليحكم الله بين الفئتين المتحاربتين. هذه هي أهم الأفكار، التي عرضها المسلمون في دعوتهم لهؤلاء الحكام، وهؤلاء الشعوب.

رابًعا: توجيه طاقات المسلمين بعد حروب الرِّدَّة إلى الجهاد:

من المعروف أن بعد حركة الرِّدَّة وقَمْع حركات الرِّدة، سرت روح عظيمة من الجهاد بين المسلمين وبين جيوش المسلمين، ونفوسهم جميعًا تعلقت بعملية الجهاد، وكان لا بد من توظيف هذه الروح الجهادية في سبيل الله ولله بتبليغ دعوة الإسلام للعالمين.

وحتى لا تكون هذه الروح الجهادية روحًا عبثية، فوظفت طاقات المسلمين في الجهاد في تلك المرحلة لعرض دين الله وتبليغ دين الله للعالمين.

وكانت الأمة العربية في تلك المرحلة قد نشطت، وسرت فيها روح الجهاد، هذه الروح كانت عن رغبة صادقة، واستجابت لنداء الله تعالى، ومن ثم خرجت جموع المسلمين فارسًا إثر فارس، وكتيبةًَ بعد كتيبة، وقبيلةً عقب قبيلة، خرجوا جميعهم إلى المكان الذي يوجههم إليه خليفةُ رسول الله صلى الله عليه  وسلم خرجوا لأداء رسالة الإسلام؛ لإنقاذ الشعوب من الكفر، حتى أظلوهم بالعدل بعدما قاسوا من الظلم والطغيان ما قاسوا.

خامسًا: وعد رسول الله صلى الله عليه  وسلم بفتح ملك كسرى وقيصر:

وَعَدَ رسول الله صلى الله عليه  وسلم المسلمين بأن الله سبحانه سيفتح عليهم ملك كسرى وقيصر، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم في ذلك المضمار كثيرة، ولا نستطيع أن ننسى ما حدث إبَّان حفر الخندق، سواء عندما وجد المسلمون صخرةً عظيمةً، وطلبوا من رسول الله أن يكسرها هو لهم، فعندما بدأ في تكسيرها بدت لرسول الله صلى الله عليه  وسلم أملاك كسرى وقيصر، ووعد المسلمين في هذه الأثناء بفتح ملك كسرى وقيصر.

سادسًا: قوة دافع الجهاد عند المسلمين: النصر أو الشهادة:

إن فكر المسلمين يقوم على مبدأ من اثنين؛ وهو النصر أو الشهادة، فإذا انتصر المسلمون فالنصر شيء غالٍ، هذا أمر طبيعي ويترتب عليه مجموعة من النتائج العظيمة لصالح المسلمين، نتائج مادية ونتائج معنوية؛.

أما إذا كانت الأخرى وقُتل المسلم فقد وعده الله سبحانه وتعالى في نظير شهادته هذه بالجنة، وآيات القرآن كثيرة في هذا المضمار، يقول تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون} [آل عمران: 169]. ونستطيع أن نلحظ هذا المعنى في عبارة عبادة بن الصامت للمقوقس أثناء فتح مصر، قال له: “وإنا معكم لعلى إحدى الحسنيين؛ إما أن تعظم لنا غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم -يعني: إن انتصرنا عليكم فلنا غنيمة الدنيا، ولنا النصر- أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا -يعني: عند الهزيمة وظفرتم بنا واستشهادنا، فلنا أجر الشهداء، وأجر الشهداء في القرآن عظيم يتمناه أيُّ مسلم.

ولذلك قال له- وإنها لأحب الخَصلتين إلينا” أن نستشهد، وأن نلقى أجر الشهداء عند الله سبحانه وتعالى.

4. شبهات وردود حول أسباب الفتوحات الإسلامية:

هناك مجموعة من الشبهات والافتراءات التي تناقلها المستشرقون، وروَّج لها أبناؤهم من سكان المشرق-بل ومن المسلمين أيضًا- أرى أننا لا بد وأن نعرض لها، وأن نناقشها بشيء من العقلانية ونرد عليها ونفحم مردِّديها؛ لتجلية الحقائق، وكشف الخفاء، وإزالة اللبس.

ادعوا أن المسلمين كانوا يجاهدون لا من أجل الأسباب التي ذكرناها منذ قليل، بل من أجل أسباب أخرى، منها:

أولًا: تجنب انفجار الطاقات في العصبيات العربية والجاهلية:

لا بد من أن يقوم المسلمون بعمل حربي لإبعادهم عن العصبية العربية، والعصبية القبيلة الجاهلية، إذا لم يجدوا عملًا عسكريًّا تُصبُّ فيه طاقاتهم، فمن الممكن أن تنتشر بين المسلمين روح الحرب والقتال، فتنتشر بينهم روح العصبية القبلية، وهذا سوف يكون ضارًّا بالمسلمين، فكان لا بد من توجيههم إلى عمل حربي يستنفذ قواهم.

نريد مناقشة لهذه الفكرة، نقول: نعم، نريد عملًا حربيًّا، ولكنه يقوم على العصبية للدين، لله سبحانه وتعالى لنشر هذا الدين، وليس عصبية عربية، أو عصبية قبلية، أو عصبية من أي نوع آخر، نريد عصبية لدين الله، للإسلام، فاختيار الله سبحانه وتعالى للعرب؛ ليكونوا هم أمة الإسلام له أسباب عديدة.

من بين هذه الأسباب: مهارة العرب في القتال، وقدرتهم في القتال، كذلك نفوسهم العالية الرفيعة، فَهُم -غالبًا- تجد أنفسهم بعيدةً ومترفعةً عن موضوع الطمع في الغنائم مثلًا.

يقول عنترة بن شداد العبسي:

هلَّا سألتَ الخيلَ يا ابنةَ مالك

*إن كنتِ جاهلةً بما لم تَعْلمِ

ينبيك مَن حضَرَ الوقيعةَ أنني

*أغشَى الوغَى وأعفُّ عند المغنم

هذه هي أخلاق العرب وأخلاقُ العروبة من قديم الزمان.

هذه الأخلاق تختلف تمامًا عن أخلاق كثير من القبائل التي عُرِفت واشتُهِرت في التاريخ، والتي قامت سياساتها على سياسات القتل، وسفك الدماء، وأخذ الأموال والأسلاب والغنائم، فكلنا يعرف ماذا صنع المغول والتتار، كلنا يعرف ماذا صنعت القوات الجرمانية عندما اجتاحت الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكيف كان دَوْرها عند اجتياح الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكيف كانت شدتها وقسوتها. أما المسلمون فكانوا بَلْسَمًا وشِفَاءً لغير المحاربين وغير العسكريين المقاتلين الذين يريدون أن يطفئوا نورَ الله بقواتهم وقدراتهم وعسكرياتهم، أما معاملة المسلمين لغير هؤلاء فكانت مُعَامَلَةً طَيِّبَةً، وشَهِدَ لها التاريخُ.

ثانيًا: هروب المسلمين من الطبيعة الصحراوية، وطمعهم فيما في يد غيرهم من النعيم:

ذهب كثير من المؤرخين، بل وللأسف الشديد بعض المؤرخين المسلمين ذكروا هذه النقطة، وهي: طبيعة البلاد العربية وأنها طبيعة صحراوية، ومن ثم فهذه الطبيعة الصحراوية وهذه البلاد المجدبة -إن صح التعبير- وقليلة الجدب، وقليلة النماء، وقليلة الخضرة، فوجد العرب فيها ظلف العيش، وعاشوا فيها بصورة بسيطة جدًّا، لم يجدوا فيها مترفات الحياة من أنواع الأطعمة والألبسة، وخلاف ذلك، ومن ثم شخصت عيونهم نحو هذه الإمبراطوريات وهذه البلاد الواسعة المملوءة بالخيرات الكثيرة، فطمعوا فيها، ومن ثم آثروا أن يتركوا تلك البلاد الصحراوية المجدبة المقفرة، وأن يشخصوا بأنفسهم إلى هذه البلاد المخضرة والمليئة بالخيرات؛ عساهم أن ينالوا من خيرها.

هذا الكلام ذكره -كما ذكرت- كثيرٌ من المؤرخين الغربيين والشرقيين، بل وبعض المؤرخين المسلمين، وأنا أذكر أن الدكتور عمر كمال توفيق له كتاب يسمى (تاريخ الدولة البيزنطية) ذكر هذا السبب صراحةً، واعتبره من الأسباب التي شجَّعت على حركات الفتوحات الإسلامية.

وبالطبع أنا أريد أن أتوقف كثيرًا أمام هذه النقطة، لأقول: إن هذا الفكر بهذه الصورة حقيقة يُعدُّ نوعًا من العبث، هؤلاء ما خرجوا إلا عصبيةً لله ولدينه ولرسوله صلى الله عليه  وسلم نشرًا لهذا الدين، وتبليغه للعالمين، والأخذ بيد الناس إلى حظيرة الإسلام، وإلى دين الإسلام، وإلى حب الله سبحانه وتعالى وحب رسوله صلى الله عليه  وسلم ما خرجوا يبتغون طمعًا في الدنيا، وإنما خرجوا يبتغون طمعًا في الله سبحانه وتعالى والرغبةَ في الآخرة، ولو أنهم خرجوا طمعًا في الدنيا لكانت لهم أخلاقيات أخرى غير تلك الأخلاقيات التي ظهروا بها.

ولا يعتقد أحد أنهم خرجوا في نزهة عسكرية، على العكس، هم خرجوا وهم يعلمون تمامًا أنه من الممكن ألا يعودوا مرةً أخرى، وألا يروا أهاليهم مرة أخرى، فكيف يكون خروج هؤلاء بصورة فيها شيء من الطمع؟!

لا بد وأن هذا الخروج كان محركه هو الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله؛ لأنها ليست نزهة عسكرية، وإنما هي قتال وحرب وفَقْد للأرواح، واستعداد لفقد هذه الأرواح في أي لحظة وفي أي وقت، ومن ثم فإن مثل هذا الفكر هو مردود، ومردودٌ على أصحابه، ولا يمكن أن نقبله.

ولكن للأمانة التاريخية، أقول: هناك رواية رويت عن المقاتلِ العظيمِ سيف الله المسلول خالد بن الوليد، عندما كان يحثُّ جنوده على القتال والحرب، قال لهم: “والله لو لم يلزمنا الجهاد في الله، ولو لم يكن إلا المعاش، لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف؛ حتى نكون نحن الأولى به”.

هذه العبارة استشف منها بعض هؤلاء الكتاب، وبعض المؤرخين أن موضوع الاستيلاء على هذه البلاد وهذا الريف وهذه الخيرات، سببٌ من أسباب التحرك في حركة الفتوحات. وأنا أرد على هؤلاء: بأن مقولة المقاتل العظيم خالد بن الوليد في هذا المضمار، لم تقل إلا في مجال بعث روح العصبية وبعث روح الحَمية في نفوس المقاتلين، وأنهم إذا لم يكونوا أصحاب دين، وأصحاب عقيدة، وأصحاب رأي، فليقاتلوا عن الدنيا، كيف هذا؟! هم أصحاب دين وأصحاب عقيدة وأصحاب فكر وأصحاب رأي، خرجوا لتبليغه للعالمين، فهذا الافتراض غير متوفر أساسًا، هذا الافتراض الذي ذكره المقاتل العظيم خالد بن الوليد أنهم لو لم يكونوا أصحاب عقيدة وأصحاب دعوة، فعلى الأقل يقاتلون من أجل هذا الريف، وهذا لم يحدث إطلاقًا، هم أصحاب دين، وأصحاب عقيدة، وأصحاب فكر، وأصحاب دعوة.

ثالثًا: ضعف دولتي الفرس والروم:

وأنا أقول: لا نستطيع أن ننكر تاريخيًّا أن دولتي الفرس والروم في تلك الحقبة كانوا إلى حد ما قد تأثرت قواهم العسكرية، ولكن تصوير الأمر بهذه الصورة فيه شيءٌ كثيرٌ من المبالغة والخطأ؛ لأن قوات العرب وقوات المسلمين في هذه المرحلة، لا يمكن أن تصل إلى نصف أو ربع حتى إمدادات وقوات وتجهيزات أي من تلك القوتين، سواء قوة الفرس أو قوة الروم إطلاقًا، فأين هذا الضعف الذي يمكن أن نعتبره سببًا من أسباب الفتوحات؟

ناهيكَ عن إمكانية تجمع قوات وإمكانات دولتي الفرس والروم؟ كيف سيكون الحال لو تجمعت إمكانات وقوات دولتي الفرس والروم، وحاولت هذه القواتُ أن تجتاح الجزيرة العربيةَ؟ الأمر لا يمكن تخيله بهذه الصورة، فهذه الفكرة وإن كان لها شيء من الحق، ولكنها في الواقع هي مخالفة تمامًا لِمَا كان عليه الوضع على أرض الواقع، فالقوات الإسلامية لم تكن حقيقة مهيأة بتعدادها وأعدادها العسكرية وإمداداتها العسكرية، بالصورة التي تجابه بها أيًّا من هاتين الدولتين، ولكن صِدق العزيمة، وروح الجهاد، والإيمان المطلق بالله سبحانه وتعالى وبرسول الله صلى الله عليه  وسلم كل هذه النقاط كان لها عظيم الأثر في نفوس هؤلاء المقاتلين والمجاهدين، فلم تهزهم أو تضعضع منهم هذه القوات العظيمة، وهذه الإمكانات الهائلة التي تسلحت بها تلك الجيوش، وكانوا يحاربون تحت هذا المبدأ: “إما النصر وإما الشهادة”، ومن ثَم فَهُم لم يتأثروا على الإطلاق بهذا العتاد وهذه القوات.

الصورة الجديدة للعرب بعد الإسلام:

العرب بعد الإسلام أصبحت لهم صورة جديدة مختلفة تمامًا عن تلك الصورة، التي كانوا يحيون بها قبل الإسلام، لا بد وأن نركز على صورة العقيدة التي نقلتهم هذه النقلة العجيبة، فإن الصورة التي صوَّرَ بها المؤرخون ضعف الدولتين كان فيها حقيقة، لا شبهةَ فيها، ولكن الذي لا شك فيه أن حطام الدولتين معًا اقتصاديًّا وعددهما بشريًّا، كان يفوق حالة العرب اقتصاديًّا وعددهم بشريًّا، وخير ما نسوقه في هذا الشأن المثل العامي، يقول المثل العامي: “ضعيفان يغلبان قويًّا”؛ ولذلك نستطيع أن نقول: إن هذه الفكرة فكرة ضعيفة لا تقوى على الثبات أمام حقائق التاريخ.

يروَى أنه سافر أبو سفيان إلى الشام والتقى بإمبراطور الروم “هِرَقل”، فلما سأله عن هذا النبي الذي ظهر في الجزيرة، صدقه أبو سفيان الحديثَ ولم يكذبه في السؤال عن حسبه ونسبه ونشأته، فلما سأله عما يدعو الناس إليه، قال: “يدعوهم إلى عبادة الله، ومكارم الأخلاق”، فلم يسع هرقل إلا أن يقول لأبي سفيان: “والله لئن صَحَّ ما تقول، ليملكنَّ ابنُ أخيك ما تحت قدمي هاتين!!”.

حظوظ الأمم:

العرب كان حظهم الإسلام، إذا كان الفرس كان حظهم في التاريخ القديم والوسيط دولة عظيمة، وحضارة… وإلى آخره، كذلك كان من حظ الروم أيضًا حضارة ضخمة، إمبراطورية ضخمة، وميراث اليونان والرومان، وهذه العلوم والمعارف التي تسلحوا بها، فإن العرب كان من حظهم ومِن فضل الله عليهم ذلك الدين العظيم، ألا وهو دين الإسلام، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون} [الأنبياء: 105].

وأخيرًا أقول: إن الناس كانوا وقت مبعث النبي صلى الله عليه  وسلم على ضلال في دينهم، وفسادٍ في دُنياهم، فهل يكتفي العرب بهدايتهم إلى الإسلام دون أن يسوقوا الهدايةَ إلى الناس أجمعين؟ إن ذلك مما تأباه طبيعة العربي الذي عرف دينه حق المعرفة، فإن القرآن كتاب الإسلام، نَزَلَ بلسان عربي مبين، وأصبح أهلُه من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، يعرفون أن عليهم تبصيرَ الناس بهذا الفساد الذي ظهر في البر والبحر بما كسبت أيديهم، وهذا كان من الأمور العظيمة التي حركتهم في موضوع الفتوحات، ودعوة الناس إلى دين الله الإسلام.

error: النص محمي !!