Top
Image Alt

توحيد الربوبية دليل على توحيد الألوهية

  /  توحيد الربوبية دليل على توحيد الألوهية

توحيد الربوبية دليل على توحيد الألوهية

أولًا: التلازم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية:

لا شك أن التلازم حاصل بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فمن أقر بأن الله تعالى رب خالق، مالك، متصرف، مدبر، محيي، مميت، وبيده الأمر، وأنه {يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ} [فاطر:41]، وأنه أبدع هذا الكون، وخلق سماواته وجعلها طباقًا، وخلق الأرضين وجعلها قرارًا لمخلوقاته، وأرسى فيها هذه الجبال الشامخة؛ كي لا تميد بالمخلوقات التي جعل حياتها على كوكب الأرض، وأنزل من السماء ماءً فأحيى به هذه الأرض بعد موتها، وجعل الأنهار تجري، والعيون نابعة لكي تشرب المخلوقات، ويحيي النبات أمر بذلك فيلزمه الإقرار بتوحيد هذا الخلق وأحقيته بالعبادة، فترى الأرض مخضرة، والمياه عذبة، والثمار يانعة، فتغفل الحيوانات، وشبهها من ختم الله على بصيرته وبصره من بني الإنسان، فلا يقدر هذه النعمة حق قدرها، وتراه يسيح في الأرض، ويطير في السماء، والله يغذوه من نعمه صباحًا ومساءً، ثم إذا سئل عن إلهية الله تعالى وتوحيده في عبادته كابر وعاند، وقاتل دون فكرته وجالد، فمنهم من ينكر هذه الربوبية تجاهلًا وعنادًا كما حصل للطاغية فرعون، ومنهم من يزعم أنه مقر بتوحيد الربوبية، ويقول: ربي الله، خلقني ورزقني، ثم إذا طلب منه تحقيق توحيد الربوبية أشرك بالله تعالى، وقال: إنه متوجه في عبادته لآلهة أخرى تقربه من الله تعالى زلفى، كما فعل الكفار في الجاهلية الأولى، وكما يقوله غلاة أهل البدع المنتسبون للإسلام من هذه الأمة؛ لأن من أقر بتوحيد الربوبية يلزمه أن يقر بتوحيد الألوهية؛ لأن الأول دليل على الثاني، ويلزم من أقر بتوحيد الربوبية أن يقر بتوحيد الألوهية، يقول الشيخ حافظ الحكمي –رحمه الله-: “وهو أي: التوحيد نوعان:

الأولُ: التوحيد العلمي الخبري الاعتقاد، المتضمن إثبات صفات الكمال لله عز وجل وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات.

والثَّاني: التوحيد الطلبي القصدي الإرادي، والتوكل عليه والرضا به ربًّا، وإلهًا، ووليًّا، وأن لا يجعل عِدْلًا في شيء من الأشياء، وهو توحيد الإلهية، والقرآن كله من أوله إلى آخره في تقرير هذين التوحيد؛ إما خبر عن الله عز وجل وما يجب أن يوصف به، وما يجب أن ينزه عنه وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، إما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الطلبي الإرادي، وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد، وما فعل بهم في الدنيا من النصر والتأييد، وما يكرمهم به في الآخرة، وهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يُفعل بهم في العقبى من العذاب، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم، اقرأ في الجمع بين التوحيدين: {طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى * تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [طه: 1-8]، وآية الكرسي، و”قل هو الله أحد”، وغيرها من القرآن”. انتهى كلامه.

ويقول الشيخ صالح العبود في بيانه لعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله-: “يعتقد الشيخ في هذا الباب أن توحيد الله تعالى هو المبني على اعتقاد أنه الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وهذا هو توحيد الربوبية، وواحد في ذاته وأسمائه وصفاته لا نظير له، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات كلاهما من باب واحد هو توحيد المعرفة والإثبات، وهو التوحيد العلمي الخبري، وهذا التوحيد هو الأصل، ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه، وهو الشهادة بأنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمور إلا هو، وهذا حق وهو الذي أقرَّ به الكفار، كما قال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون} [يونس: 31].

ولكنهم كفروا حيث لم يعبدوا الله وحده، كما هو مقتضى شهادتهم بالربوبية كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّار} [الزمر: 3].

وتوحيد الربوبية ثابت مشهود لا يحتاج إلى دليل، بل هو الدليل على توحيد الطلب كما أنزل الله في محكم كتابه يحتج به على من كفر من خلقه، وقد تقدم ذكر قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم} الآية، ذلك أن الكفار يزعمون أن الله هو الإله الأكبر، ولكن معه آلهة أخرى تشفع عنده، فهم أثبتوا أن الله يتصف بأنه معبود، لكن نازعوا في توحيد العبادة فقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب} [ص:5]، ولم يرضوا أن يقولوا هذه الكلمة؛ لأنهم عرفوا أنه تعني توحيد العبادة”. انتهى كلامه.

ويقول الشيخ حافظ الحَكَمي –رحمه الله- بعد أن ذكر الآيات في تقرير توحيد الربوبية: ومن تدبر هذه الآيات التي ذكرنا، وما في معناها حق التدبر علم يقينًا أن عباد الأوثان مقرون بتوحيد الربوبية، وشاهدون بتفرد الله بذلك، وأنهم إنما أشركوا بالله تعالى في الإلهية حيث عبدوا معه غيره، هذا في الظاهر، وإلا فأنواع التوحيد متلازمة؛ من أشرك غير الله معه في شيء فيها فقد أشرك فيما عداه – كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في بيان أن الشرك، ومما يقدر ذلك غاية التقدير حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبيه حصين قبل إسلامه: ((كم تعبد اليوم من إله؟)) قال: سبعة آلهة؛ ستة في الأرض وواحد في السماء، قال صلى الله عليه وسلم: ((فمن تعد لرغبتك ورهبتك؟)) قال: الذي في السماء، وقد أيضًا هذه الآية أنهم إنما كان شركهم بالله في إلهيته في حالة الرخاء، وأما في الشدة فكانوا يخلصون الدين؛ لعلمهم أنه لا يقدر على كشف ما هم فيه غيره، وأن آلهتهم لا تضر ولا تنفع ولا تستطيع شيئًا كما قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُون} [العنكبوت:65]، وما في معانيها من الآيات مما ذكرنا.

والمقصود أن الربوبية والإلهية متلازمان لا ينفك نوع منهما، وأن توحيد الربوبية لا ينكره أحد إلا مكابرة كفرعون ونمرود والثنوية الذين اعتقدوا للوجود خالقيْن اثنين -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًّا”. انتهى كلامه.

ثانيًا: توحيد الربوبية دليل على توحيد الألوهية:

لا يشك أحد في أن توحيد الربوبية دليل على توحيد الألوهية إلا مكابر، أو معاند، فإن من يشهد أن الله تعالى هو الخالق البارئ الرزاق المدبر المحيي المميت بيده الخير كله، فإن هذا دليل واضح على أن الرب الذي هذه صفاته وقدرته هو المستحق للعبادة، الذي ينبغي أن تخلص له العبادات، وأن يتوجه إليه المرء بأعماله ودعائه، ورجائه، وهكذا كان القرآن الكريم يستدل بتوحيد المشركين لله في ربوبيته على أنه يجب عليهم أن يوحِّدوه في العبادة؛ لأن العقل الصحيح لا يقر أن تتوجه القلوب بالأعمال والدعوات والرجاء؛ لتحقيق الرغبات والأمنيات إلى من لا يسمع ولا يُبصر ولا ينفع ولا يضر ولا يغني عن المرء شيئًا؛ فلذلك كانت الاستفهامات التي ترد في القرآن في معرض اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية ترد على سبيل التقرير؛ ليرتب لهم على ذلك التقرير التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار.

يقول الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي –رحمه الله-: “ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته -جل وعلا- على وجوب توحيده في عبادته؛ ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يُعبد وحده، ووبخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده؛ لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبده وحده، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ} إلى قوله: {فَسَيَقُولُونَ اللّهُ} [يونس: 31].

فلما قروا بربوبيته وبخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره بقوله: {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون} [يونس: 31]، وقوله تعالى: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُون * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُون} [النمل: 59، 60].

ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم ألبتة غيره هو أن القادر على خلق السموات والأرض، وما ذكر معها خير من جماد لا يقدر على شيء، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم بقوله: {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُون} [النمل: 60]، وقوله: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ} [الروم: 40].

ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم غيره هو: لا؛ أي: ليس من شركائنا من يقدر على أن يفعل شيئًا من ذلك المذكور من الخلق والرزق والإماتة والإحياء، فلما تعين اعترافهم وبَّخهم منكرًا عليهم بقوله سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون} [الروم: 40]، والآيات بنحو هذا كثيرة جدًّا؛ ولأجل ذلك ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع أن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير، يراد منها أنهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار؛ لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة، وإن زعم بعض العلماء أن هذا استفهام إنكار؛ لأن استقراء القرآن دل على أن الاستفهام المتعلق بالربوبية استفهام تقرير وليس استفهام إنكار؛ لأنهم لا ينكرون الربوبية؛ كما رأيت كثرة الآيات الدالة عليه”. انتهى كلامه.

error: النص محمي !!