Top
Image Alt

توحيد المعرفة والإثبات

  /  توحيد المعرفة والإثبات

توحيد المعرفة والإثبات

توحيد المعرفة والإثبات لا شك أنه يندرج تحته عناصر أو نقاط متعددة؛ ولهذا سأبدأ بأول قسم يندرج تحت توحيد المعرفة والإثبات ألا وهو توحيد الربوبية، ومعنى توحيد الربوبية: اعتقاد أن الله -تبارك وتعالى- هو وحده رب كل شيء ومالكه، وهو خالق كل شيء، وهو خالق العباد ورازقهم، وهو محييهم ومميتهم، وأنه سبحانه النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، والأمر كله له سبحانه وبيده الخير كله، وهو على كل شيء قدير، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك أيضًا الإيمان بالقدر، وهذا التوحيد يستلزم توحيد الألوهية؛ فالعبد إذا أقر بأن الله هو الذي خلقه ورزقه ودبر أمره لا شك أن هذا يدفعه إلى أن يعبد الله وحده.

ولذلك أقول: إن إثبات توحيد الربوبية من الإتيان بتوحيد الألوهية، وسيأتي الحديث عنه لاحقًا إن شاء الله تبارك وتعالى، لا يُدخل العبد في الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قاتل المشركين مع أنهم كانوا يقرون بهذا التوحيد، وأعني بذاك: توحيد الربوبية، فقد كانوا يقرون بأن الله هو الخالق، وأنه هو الرازق، وأنه هو المحي المميت، المتصرف بالأمر وحده سبحانه.

وقد حكى الله تعالى عنهم ذلك، فقال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون} [الزخرف: 87]، وقال سبحانه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت: 63]، وقال تعالى أيضًا ذاكرًا حال المشركين تجاه هذا التوحيد: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون} [يونس: 31] وهم ينسبون الخلق والإحياء والإماتة، وتدبير الأمر لرب العالمين، من رزق وإنزال مطر وغيره، كل ذلك ينسبونه إلى الله سبحانه، ومع ذلك حكم الله تعالى عليهم بالكفر ودمغهم بالشرك، فقال: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون} [يوسف: 106].

أما إيمانهم بالله الذي أثبته الله لهم في هذه الآية، فهو قولهم: “إن الله خلقنا ويرزقنا ويميتنا” فهذا إيمان مع إشراكهم في عبادتهم غيره، فهم يعرفون الله، ويعرفون ربوبيته وملكه وقهره، وكانوا مع ذلك يعبدونه ويخلصون له أنواعًا من العبادات: كالحج والصدقة، والذبح والنذر، والدعاء وقت الاضطرار ونحو ذلك، ويدّعون أنهم على ملة إبراهيم -عليه السلام، فأنزل الله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين} [آل عمران: 67] وبعضهم كان يؤمن بالقدر، وبعضهم يؤمن بالبعث والحساب، كما قال زهير بن أبي سلمى:

 يؤخَّر فيوضع في كتاب فيدخر

*ليوم الحساب أو يعجل فينقم

وقال عنترة:

يا عبل أين من المنية مهربي

*إن كان ربي في السماء قضاها

ومثل هذا يوجد في أشعارهم، فوجب إذًا على كل عاقل عَقَل عن الله تعالى وفهِمَ آياته أن ينظر ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم، وسبي نسائهم، وإباحة أموالهم، مع إقرارهم ومعرفتهم بربوبية الرب تبارك وتعالى، السبب الذي جعلهم مشركين كافرين، والسبب الذي دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مواجهتهم وقتالهم وسبي نسائهم، هو إشراكهم في توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلا الله.

وهؤلاء الذين عبدوا الأصنام، واتخذوها آلهة من دون الله تعالى، لم يعتقدوا أن الأصنام مشاركة لله في الخلق والإيجاد، وإنما اعتقدوا فقط أنها تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، فهم يتوسلون بها إلى الله، كما حصل لقوم نوح الذين عبدوا ودًّا وسواعًا: {وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: 23- 24] وهذه أسماء قوم صالحين من قوم نوح، ولما ماتوا عكف هؤلاء على أصنامهم أو على قبورهم، ثم صوروا تماثيل على هيئاتهم، ولمَّا طال عليهم الأمد عبدوهم من دون الله -تبارك وتعالى، ولم يعتقدوا فيهم أنهم هم الخالقون الرازقون المدبرون، بل قالوا كما قال عباد الأصنام بعدهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].

وحتى أولئك الذين اعتقدوا بإلهين اثنين كالثنوية مثلًا، الذين قالوا بإله للنور وإله للظلمة، أو إله للخير وإله للشر، لم يكونوا يعتقدون تساوي هذه الآلهة؛ فإله النور عندهم خير من إله الظلام، وهذا ليس مثلَ ذلك، ولا أظن عاقلًا يوقن في قرارة نفسه بأن هناك خالقًا أو مدبرًا لهذا الكون غير الله سبحانه، أو أن هذا الكون لم يخلقه الله سبحانه؛ فإن الوحدة والتناسخ في نظام هذا الكون دليل واضح على وجود الله -تبارك وتعالى، ووحدانيته، وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد.

ولذلك جاءت الآيات القرآنية الكريمة توجه أنظارنا إلى هذا الكون وتناسقه؛ لتبين لنا أن وراء هذا كله قدرة رب العالمين سبحانه وتعالى وإرادته، ولتثبت ولتقيم الأدلة على أنه هو الرب الخالق الرازق المدبر، ثم ينتقل العبد من خلال ذلك إلى وجوب وحدانية الله تبارك وتعالى.

ومن الآيات الكريمة التي تدل على عظمة هذا الخلق والكون والإيجاد، وأنه لا يستطيع أحد أن يجيد شيئًا مما أوجده رب العباد سبحانه، تأمل قول الحق تبارك وتعالى كما جاء في سورة “النمل”: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُون} [النمل: 59] ثم بدأ سبحانه يعدد بعض مظاهر ربوبيته من الخلق والإيجاد، وإنزال المطر من السماء وغير ذلك فقال: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُون * أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُون * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُون * أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين} [النمل: 60- 64].

ومن نور هذه المشكاة جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه الذي يقول فيه: ((اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي؛ فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) وهذا الحديث العظيم يُعرف بحديث سيد الاستغفار.

وتوحيد الربوبية هذا الذي أتحدث عنه لا يتنافى مع ما جاء من تسمية المالك بالشيء المتصرف فيه ربًّا له، كأن نقول مثلًا: فلان رب الدار، أو رب البيت، فإن هذا يعني أنه هو صاحب هذا الشيء الذي جعل الله تعالى له حق التملك والتصرف في ذلك الشيء المملوك، وهو يصلحه وينميه، ويتعهده ويقوم برعايته، وهذا لا يتنافى مع أن الله -تبارك وتعالى- هو رب كل شيء ومليكه؛ فهو إطلاق بمعنى خاص، لا بأس به في الشرع، ولا في العقل.

وقبل أن أُنهي الحديث عن توحيد الربوبية أقول: إن الإلحاد جهالة وسفاهة، وأعني هؤلاء القوم الذين أنكروا وجود رب العالمين سبحانه وتعالى، والأدلة متضافرة على أنه سبحانه رب كل شيء؛ ولذلك أقول: إنه من السخافة والضلالة والجهالة أن يغمض الإنسان عينه، أو يجعل عليها غشاوة لئلا تبصر الحق وتهتدي إليه، أو أن يلغي الإنسان عقله ويطمس على بصيرته ويخالف فطرته فينكر وجود الله -تبارك وتعالى، وينسب الخلق إلى ما أسماه بعضهم الطبيعة أو التفاعل الذاتي أو المصادفة، كما يفعل الملحدون وأضرابهم من السفهاء.

وإني لأعجب حقًا من قوم ذهبوا إلى هذا، والكون كله شاهد على ربوبية الله تعالى، فهذا الكون الذي أوجده الله -تبارك وتعالى- بهذا الإبداع لا يمكن أن يكون إلا من خالق قادر عليم سميع بصير متصف بصفات الجلال والكمال، وتأمل ما جاء في قول الحق تبارك وتعالى في مواجهة هؤلاء الملحدين: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُون} [الطور:35- 36].

وأود أن أنبه هنا إلى أمر مهم للغاية، فأقول: إن الموجة الإلحادية التي اتسعت دائرتها في أوربا لظروف خاصة، قد اضمحلت هذه الموجة، يعني: قلَّت أو خفَّت إلا أننا وللأسف الشديد ما زلنا نجد في كثير من بقاع المسلمين صورًا وألوانًا من الإخلال بتوحيد الربوبية، نجده عند أولئك الذين يزعمون أو يظنون أن أحدًا من البشر كالأقطاب والأبدال عند الصوفية لهم نوع من القدرات والتصرف في هذا الكون، أو أن هذا الكون يُحفظ بهم، أو أن الأولياء في قبورهم يستطيعون أن ينفعوا أحدًا بشيء، كالشفاء من المرض، أو تيسير حاجة ما من حاجات الناس؛ ولذلك تراهم يطوفون حول قبورهم، ويدعونهم من دون الله أو مع الله، ويستغيثون بهم ويستجيرون، ويقدمون لهم النذور والقرابين، ولا شك أن هذا يتنافى ويناقض توحيد الربوبية، وهؤلاء لا شك يؤمنون بأن الله خالق كل شيء، وأن الله رب كل شيء، ومالك كل شيء، ولكنهم عندما ذهبوا إلى أن بعض الناس يتصرف بشيء في هذا الكون، فيُسأل أو يعطي أو يمنع أو يستغاث به ويستجار وغير هذا، يكونون بهذا قد أخلوا بتوحيد الربوبية.

ولذلك أقول: على العبد أن يحذر من الوقوع في أي شائبة من شوائب الشرك، ولنحافظ على عقيدة التوحيد نقية صافية، وليكن الله تعالى دائمًا وحده هو وجهتنا ومعبودنا، ولنقل مع أبينا إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِين} [الأنعام: 79].

ب. توحيد الأسماء والصفات:

في البداية أقول: تكفل الله سبحانه وتعالى فعرَّفنا بأسمائه الحسنى وصفاته العظمى، وذلك عن طريق وحيه المنزَّل، ثم عن طريق رسله عليهم الصلاة والسلام؛ لأنه أعلم الخلق بالله؛ ولذلك قال الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 ،4] ويبقى دور العقل هنا أن يتلقى النصوص الشرعية من الوحي؛ ليفهم ما تضمنته هذه النصوص من معاني أسماء الرب سبحانه وتعالى.

وبكلمة واحدة أقول: نحن قد نعرف الله عقلًا، ولكننا لا نعرف صفاته إلا وحيًا، وينبغي أن أذكر في هذا المقام بأن الكلام في هذا الموضع ينصبُّ على المعرفة التفصيلية الدقيقة الصحيحة، وهذه لا تعرف إلا عن طريق الوحي، أما المعرفة الإجمالية فيمكن أن يصل الإنسان بعقله إليها، فيعرف عقلًا أن الله تعالى يتصف بصفات الكمال كالعلم والقدرة وغير ذلك، ونجد شواهد كثيرة على ذلك في تصورات الفلاسفة القدامى عن الربوبية، وصفات رب البرية سبحانه وتعالى جل في علاه.

وإذا كان الرب تبارك وتعالى هو أعلم بنفسه من خلقه وأصدق قيلًا، ومنهجه هو أهدى سبيلًا، وكان رسوله صلى الله عليه وسلم المبلِّغ عنه كذلك، هو أعلمُ به من غيره وبما يجب له وبما يمتنع عليه من كل أحد، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أقدر الناس على بيان ذلك، وأحرصهم على هداية الخلق إلى الله -تبارك وتعالى، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز لإنسان أو لا ينبغي التعويل إذًا في إثبات الأسماء والصفات على شيء سوى الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة.

ولذلك أقول: إن منهجنا معشرَ أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء والصفات أن يُثبت ما جاء في كتاب الله، وصح به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما لم يأتِ له ذكر في القرآن أو السنة الصحيحة، فلا نعتبره ولا نقول به، وعلى هذا فما ورد إثباته لله تعالى في الكتاب والسنة وجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه، مع إثبات كمال ضده، وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التوقف في لفظه، فلا يثبت ولا ينفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه، وأما معناه فيفصَّل فيه، فإن أريد به حق يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أريد به باطل لا يليق بالله عز وجل وجب رده.

والله تبارك وتعالى لم يكلفنا، ولم يتركنا في معرفة شيء من أسمائه الحسنى وصفاته العظمى إلى شيء وراء ما دل عليه الكتاب والسنة، فمن رجع في شيء من ذلك إلى قضية عقل أو استحسان برأي أو إلهام أو كشف أو غير ذلك، فقد قال على الله تعالى بغير علم وضلَّ عن سواء السبيل؛ ولذلك يؤمن المؤمن بكل ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء والصفات، وما أثبته له رسوله -صلى الله عليه آله وسلم- من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تأويل، وقد بين الله -تبارك وتعالى- أن له أسماء حسنى، فقال: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون} [الأعراف: 180]، كما بين سبحانه أن له صفات عليا، فقال: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير} [غافر: 20].

وكل ما ثبت عن الله تعالى من الأسماء والصفات، فإن الله عز وجل لا يماثل فيه شيئًا من خلقه، ولا يماثله شيء، وقد قال الله -تبارك وتعالى- في كتابه مؤكدًا هذه الحقيقة: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الشورى: 11]، وقال سبحانه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد * اللَّهُ الصَّمَد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد} [الإخلاص: 1- 4]، وقال أيضًا: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، وقال سبحانه: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: 74] وحتى لو اتفقت الصفات في أسمائها، فإن صفات الله تعالى تختلف عن صفات المخلوقين؛ فالاتفاق في الأسماء لا يقتضي الاتفاق في المسميات، فقد سمى الله -تبارك وتعالى- نفسه حيًّا عليمًا قديرًا، رءوفًا، رحيمًا، عزيزًا، حكيمًا، سميعًا، بصيرًا ملكًا، مؤمنًا، جبارًا، متكبرًا، وقد سمى بعض عباده بهذه الأسماء، كقوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، وكقوله سبحانه: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} [الأنعام: 95].

ومن المعلوم، أنه لا يماثِل السميعُ السميعَ، ولا الحيُّ الحيَّ، وصفات الله تعالى هي على ما يليق بجلاله وعظمته، فليس لأحد أن ينفي صفة منها؛ لحجة أنه ينزه الله تعالى؛ لأنه بزعمه لو أثبت هذه الصفة لكان مشبِّهًا له بالمخلوقين، مع أنه يثبت له صفة أخرى، ولا يقول: إن هذه الصفة لله سبحانه تشبه صفة المخلوقين، فالله عز وجل أخبر عن نفسه بصفات مدح فيه نفسه فقال: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} [الأعراف: 54] هذه الآية وردت فيها صفات لرب العالمين سبحانه، فهل يجوز لأحد أن ينفي شيئًا من هذه الصفات، وهي كلها دالة على الكمال والجلال لرب العالمين جل في علاه؟!.

error: النص محمي !!