Top
Image Alt

توزيع القضاء

  /  توزيع القضاء

توزيع القضاء

كيف كان يوزع القضاء في الإسلام؟

يجوز للإمام عند عقد تولية القضاء أن يقوم بالتخصيص، وأن يقوم بالتعميم، فعند التولي يقول: وليتك قضاء البلاد التي تقع تحت سلطاني, ويبين للقاضي ما إذا كانت هذه الولاية عامة أو خاصة، ويحدّد له المهام التي سيقوم بأدائها، فإذا وافق القاضي على ذلك؛ تَمَّ العقد بالإيجاب والقبول.

فالسلطان، أو الإمام، أو الرئيس، أو الخليفة، كلُّ ما يتعلق بالقضاء والفصل، وإنهاء النزاع، والخصومات من سلطته هو، والأصل أنه هو الذي يتولَّى هذا بنفسه لكن يصعب عليه ذلك، خصوصًا إذا اتسعت حدود الدولة، وكان هذا الخليفة أو الإمام أو السلطان مشغولًا بأمور كثيرة كالحرب، والإدارة، والتنظيم؛ فله أن يستعين بقضاة آخرين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل.

لكن عند العقد يبين له، ويُعيّن له البلد الذي يقضي فيه، ويسلب منه بعض الاختصاصات القضائية إذا شاء، ويجوز أن يوليه القضاء دون تحديد لمهام منصبه؛ فيقول له: اذهب فقد وليتك القضاء. هنا إذا أطلق التولية، ولم يحدد يُرجع إلى العرف السائد في المجتمع، هذا العرف هو الذي يُحدِّد سلطة القاضي واختصاصها، أي: إذا كنا في بلد في زمن معين, ماذا يفعل الناس إذا عُيّن القاضي؟ ماذا ينتظرون منه؟ ما الاختصاصات التي يقوم بها القاضي، ما دام السلطان أو ولي الأمر لم يحدد له سلطات معينة؟

وفي هذا يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه (الطرق الحكمية): “إذا عرف هذا فعموم الولايات وخصوصها، وما يستفيد المتولَّى بالولاية يُتلقَّى من الألفاظ والأحوال والعُرف، وليس في الشرع تحديدٌ وتفصيلٌ لهذه الأمور، وقد يدخل في ولاية القاضي في بعض الأزمنة والأمكنة ما يدخل في ولاية الحرب في زمان ومكان آخر، وبالعكس”. يريد الإمام ابن القيم أن يقول: إنه لم يرد في الشرع تحديد وتفصيل لسلطة القاضي، فالأمر متروك للعقد بين الإمام -أو السلطان- والقاضي؛ فحسبما يتفقان عليه ويتعاقدان عليه, وإذا لم يوجد نلجأ إلى العرف، ومن خلال هذا العرف نعرف هذه السلطات.

وهذه السلطات قد تختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ونضرب مثلًا على ذلك بولاية الحرب، فممكن جدًّا في وقت من الأوقات إذا ولَّى الإمام شخصًا القضاء يدخل في ذلك ولاية الحرب، أو ولاية الحسبة، أو ولاية المظالم، أو ما إلى ذلك من الولايات، وقد يكون في زمن آخر أو مكان آخر لا يدخل ذلك، فإذا حدد له يرجع إلى ما حدد, وإذا لم يحدد له شيء نرجع إلى العرف، شأن كل الأمور التي يترك لنا الشرع تحديد المقصود منها؛ إذًا: الأمر متروك لولي الأمر العام: السلطان، أو الخليفة، أو الرئيس، يُحدِّده حسبما يرى المصلحة.

وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقد جاء في (صحيح البخاري) -رحمه الله- بسنده عن عبد الملك عن أبي بردة رضي الله عنه قال: ((بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى، ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: وبعث كل واحد منهما على مِخْلَاف -أي: على جهة- قال: واليمن مخلافان -أي: محافظتان أو قسمان- ثم قال: يسّرا ولا تعسّرا، بشّرا ولا تنفرا. فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه -أي: إذا سار في المكان المخصص له للقضاء فيه- وكان قريبًا من صاحبه أحدث به عهدًا، فسلم عليه -أي: جدد له التحية واللقاء- فسأل معاذ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاءه يسير على بغلته حتى انتهى إليه، وإذا هو -أي: أبو موسى- جالس وقد اجتمع إليه الناس، وإذا رجل عنده قد جُمعت يداه إلى عنقه؛ فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس؛ أَيُّما هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه. قال: لا أنزل حتى يقتل. قال: إنما جيء به لذلك، فانزل. قال: ما أنزل حتى يُقتل، فأُمر به فقتل)).

وقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ليزيد ابن أخت النمر: اكفني بعض الأمور؛ أي: صغارها، أي: اقضِ في بعض الأمور، فحديث النبي صلى الله عليه وسلم واضح في أنه عام بالنسبة للنظر في القضايا، وخاص بالنسبة للمكان، فهو أحد المخلافين أو إحدى الجهتين من جهات اليمن؛ لكن القضايا التي سينظر فيها القاضي عامة.

أما بالنسبة لسيدنا عمر بن الخطاب؛ فهو يطلب من هذا القاضي أن يكفيَه الأمور الصغيرة، فهو عام في المكان؛ لكنه خاص بالنسبة للقضايا المالية التي تبلغ مقدارًا معينًا من المال، ولا تزيد عليه.

وقد أجمع الفقهاء -رحمهم الله- أو اتفقوا على جواز كون ولاية القضاء عامة أو خاصة، قال ابن قدامة في (المغني): ويجوز أن يولي قاضيًا عموم النظر في خصوص العمل؛ عموم النظر -أي: ينظر في كل القضايا- لكن في خصوص العمل -أي: في جهة معينة- فيقلّده النظر في جميع الأحكام، في بلد بعينه، فينفذ حكمه فيمن سكنه، ومن أتى إليه من غير سكانه، ويجوز أن يقلده خصوص النظر في عموم العمل, بمعنى: أنه ينظر في قضايا معينة مخصوصة كالجنايات أو الماليات، أو أحكام الأسرة. أما عموم العمل, أي: في كل الولايات، أو في كل البلد إلى آخره, فيقول: “جعلت إليك الحكم في المُداينات، خاصة في جميع ولايته”.

ويجوز أن يجعل حكمه في قدر من المال، كأن يقول له: احكم في المائة فما دونها، فلو قال ذلك فلا ينفذ حكم القاضي في أكثر من مائة درهم، أو مائة دينار على حسب العرف أو التحديد، ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل -أي: يقول له: اقضِ في كل القضايا صغيرها وكبيرها، والأحوال المتعلقة بالأسرة، أو الجنايات، أو ما إلى ذلك، كما تشاء؛ وهذا عليه أن يقوم بما اتُّفق عليه.

error: النص محمي !!