Top
Image Alt

تَحديد أسباب المَعصية

  /  تَحديد أسباب المَعصية

تَحديد أسباب المَعصية

إن التَّشخيص السَّليم والفَحص الدَّقيق للدَّاء يُعين على تَحديد الدَّواء وتَحقيق الشِّفاء -بإذن الله- وكذلك حينما يَعْرف الداعية أسباب المَعاصي ودوافعها، ويَقف على شَخصيّة العُصاة وأثر المَعصية على صاحبها وعلى المجتمع، فإنّ الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر يُؤتي ثِماره ويُحقِّق القَصد منه.

أسباب انحراف السُّلوك وارتكاب الفَواحش والآثام:

أولا: ضَعف الإيمان بالله:

إن قُوّة الإيمان ونَقاء العَقيدة والتزام الطاعة هي خَير وقاية من المعاصي، وأعظم حافِظٍ للسلوك من الانحراف. فكلّما قَوِيَ الإيمان وازدادت الخَشية والخَوف من الله، تولّدت في الإنسان مَلكة المُراقبة والمُحاسبة، فإذا ما تَعثَّر ووَقع في المَعصية، بادر بالتَّوبة والرُّجوع إلى الله.

قال تعالى في صِفات المُتّقين: {وَالّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذّنُوبَ إِلاّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرّواْ عَلَىَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَـَئِكَ جَزَآؤُهُمْ مّغْفِرَةٌ مّن رّبّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135، 136].

أمّا ضَعْف الإيمان، فهو يُجرِّئ على ارتكاب المَعصية، ويُشجِّع على الانحراف؛ فعَن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يَزني الزَّاني حين يَزني وهو مُؤمن، ولا يَشرب الخَمر حين يَشربها وهو مُؤمن، ولا يَسرق حين يَسرق وهو مُؤمن، ولا يَنتهب نهبةً يَرفع الناس فيها أبصارهم حين يَنْتَهبها وهو مُؤمن)‏) متفق عليه.

ومذْهب أهل السُّنّة والجماعة: أنّ الإيمان يَزيد ويَقوى بالطاعة، ويَنقُص ويَضعُف بالمَعصية، ويُستَدل على ذلك بقوله تعالى: {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَىَ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ} [الأنفال: 2].

ثم أعقبَ هذه الآية بيان بعْض العِبادات البَدنية والمَالية التي تُساهِم في زيادة الإيمان، فقال تعالى: {الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 3، 4].

وممّا يَدلّ أيضًا على قُوّة الإيمان وزيادته بالطَّاعة، وضَعْفه ونُقصانه بالمَعصية: قول الله تعالى: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مّن يَقُولُ أَيّكُمْ زَادَتْهُ هَـَذِهِ إِيمَاناً فَأَمّا الّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىَ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 124، 125].

فضَعْف الإيمان أَحَد الأسباب الرئيسة في ارتكاب المعاصي.

ثانيًا: الغَفلة عن ذِكر الله، وعن يوم الحِساب:

إنّ الغَفلة عن ذِكر الله وعن يوم الحِساب وأهواله، يُولِّد تَبلُّدا في القَلب وصَدًّا في النُّفوس وصُدودًا عن الطَّاعة، وإقبالًا على المَعصية، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّن ذُكّرَ بِآيِاتِ رَبّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدّمَتْ يَدَاهُ إِنّا جَعَلْنَا عَلَىَ قُلُوبِهِمْ أَكِنّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىَ الْهُدَىَ فَلَنْ يَهْتَدُوَاْ إِذاً أَبَداً} [الكهف: 57].

وإنّ من أسباب الغَفلة والنِّسيان: الإقبال على الدنيا بكلّ المَشاعِر والعَواطِف، والانغماس في أنواع الشَّهوات والمَلذَّات، والإعراض عن الآخرة؛ فلا يُفكّر الإنسان فيها إلّا عَرضًا، قال تعالى: {فَلَمّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيْءٍ حَتّىَ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوَاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44].

ولهذا حذَّر القُرآن الكريم من نِسيان الله وإغفال ذِكْره، لِما يَعقُب ذلك من نِسيان النَّفس وضياعها. وما انتشار الأمراض النَّفسية، وظُهور أعراض التَّوتّر العَصبيّ والقَلق القَلبيْ، وعَدم الاستقرار الاجتماعيّ، رَغم التَّقدم العِلْمي والتَّرف الدُّنيوي، إلاّ بسبب نِسيان الأمم والشُّعوب للخَالق سبحانه، قال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مّا قَدّمَتْ لِغَدٍ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ نَسُواْ اللّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَـَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) لاَ يَسْتَوِيَ أَصْحَابُ النّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنّةِ أَصْحَابُ الْجَنّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ} [الحشر: 18 – 20].

ولهذا كان ذِكْر الله عاصِمًا للإنسان من المَعاصي، وصونًا له من الوقوع في حبائل الشيطان، قال تعالى مُبيِّنًا صِفات المؤمنين ذوي العُقول السليمة والفِطْرة النَّقية: {الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191] الآية.

وقال تعالى: {إِنّ الّذِينَ اتّقَواْ إِذَا مَسّهُمْ طَائِفٌ مّنَ الشّيْطَانِ تَذَكّرُواْ فَإِذَا هُم مّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201].

ولقد كان إرسال الرُّسل، وإنزال الكُتب، ووجود الدُّعاة إلى الله في كلّ زمان ومكان تذكيرًا بالله واستِمرارًا لصِلة العِباد به، لِتُفتح أبواب الطاعة وتُغلَق منافذ المَعصية.

ثالثًا: الجَهل بالدين وعَدم العِلم بأحكام الشرع:

إن الجَهل بالدِّين وأحكامه وعَدم الوقوف على ما أمَر الله به وبما نَهى عنه، من أسباب الوقوع في المعاصي؛ فالجَهل ضِدّ العِلْم، وهو أحد أسباب انحراف الأمم عبر مَسيرة التاريخ البشري. وقد بيّن القرآن الكريم أنّ من أسباب انحراف قَوم لوط ونُزوعِهم لارتكاب فاحِشة إتيان الذُّكران، وعدم الوقوف على الأضرار الناجِمة عن ذلك هو: الجَهل، قال تعالى: {أَإِنّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ النّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55].

وحينما أعلن بنو إسرائيل لموسى عن رَغبتهم في اتخاذ آلهة كغَيرهم من الشعوب الأخرى، وصَفهم عليه السلام بالجَهل، قال تعالى: {قَالُواْ يَمُوسَىَ اجْعَلْ لّنَآ إِلَـَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138].

ولهذا أُطْلِقَ لفظ “الجاهِلية” على الأمم التي انحرفت عقائدها، وساءت أعمالها، سواءٌ كان هذا في التاريخ القديم أو المعاصر.

وقد أنكر القرآن الكريم على مَن يَعترض على حُكم الله وإقامة الحُدود الشرعية، بأنه جاهل، يُمثِّل الجاهِلية الوَثنيّة الكَافِرة، وإن اختَلفت صُوَرها وأساليبها في كلّ زَمان ومَكان، ومهما تدثَّرت بدِثار الحَضارة، أو تَقنّعت بقِناع التَّقدّم؛ قال تعالى: {يَظُنّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ} [آل عمران: 154]، وقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].

وإنّ من رحمة الله بعِباده: أنه لا يُؤاخِذ العَبد على جَهله إذا ما عَلِم بعد ذلك، وتاب لله واستغفر، قال تعالى: {إِنّمَا التّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 17].

وقال تعالى: {وَإِذَا جَآءَكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبّكُمْ عَلَىَ نَفْسِهِ الرّحْمَةَ أَنّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوَءًا بِجَهَالَةٍ ثُمّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [الأنعام: 54].

رابعًا: اتّباع الهَوى:

“الهوى” في اللغة هو: “مَيْل النَّفس وانحرافها عن الشيء، ثم استُعمل في المَيل المَذموم، فيُقال: “اتّبع هواه”، و”هو من أهل الأهواء”.

وإنّ اتّباع الهَوى أحد الأبواب الواسعة التي يَلِجها الإنسان لارتكاب المعاصي، وهو سبب رئيسي لانعدام العَدل في المُجتمع، وانتشار الفَساد في الأمّة، حيث تَسوء الأخلاق، ويَنحرف السُّلوك، وتَخْتَل المَوازين بالجَري خَلف الشَّهوات والمَلذّات، دون احترام للدِّين، أو مراعاة للعُرف، قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلّ مِمّنْ اتّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ} [القصص: 50].

وقد بيّن القرآن الكريم خُطورة اتباع الهَوى، وآثاره السَّيئة على الإنسان، بسبب اقترافه الفَواحش والمُنْكرات التي يَحمِلها عليه هواه، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلَـَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلّهُ اللّهُ عَلَىَ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىَ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىَ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللّهِ أَفَلاَ تَذَكّرُونَ} [الجاثية: 23].

ولقد نهى القرآن الكريم عن اتّباع الهوى في الحُكم بين المُتخاصمِين، لِما يَنتج عن ذلك من ضَياع للحقوق، وتَبرئة الظالِم وإدانة المظلوم، قال تعالى: {فَلاَ تَتّبِعُواْ الْهَوَىَ أَن تَعْدِلُواْ} [النساء: 135].

وقال تعالى لداود عليه السلام: {يَدَاوُودُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَىَ فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِنّ الّذِينَ يَضِلّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26].

وقد حذَّر القرآن الكريم من مُصادقة الغافِلين عن ذِكْر الله، والتّابعين للأهواء، فقال تعالى: وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف: 28].

وبيّن القرآن الكريم الفَرق الشاسِع بين مَن يَضع مَنهج الله نصْب عَينيْه ويَجْعله وِجْهته وقِبلته، وبيْن مَن يَسير في الحَياة وفْقَ أهوائه وشَهواته، قال تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىَ بَيّنَةٍ مّن رّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوَءُ عَمَلِهِ وَاتّبَعُوَاْ أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 14].

واتّباع الأهواء يَحجُب موالاة الله ونُصرته، قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم والأمّة يَشملها النَّهي إلى يوم القيامة: {وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنّكَ إِذَاً لّمِنَ الظّالِمِينَ} [البقرة: 145].

وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ وَاقٍ} [الرعد: 37].

قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يُؤمنُ أحدُكم حتى يَكونَ هواه تَبَعًا لِما جِئتُ به)).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((الكَيِّس مَن دان نَفسه وعَمِل لِما بعد المَوت، والعاجِز مَن أتْبع نَفسَه هَواها وتَمنّى على الله الأمانيّ)‏) رواه الترمذي وابن ماجه.

وعن أبي بَرزة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّما أخشى عَليكم شَهواتِ الغَيّ في بُطونِكم وفُروجِكم، ومُضِلاّتِ الهوى)‏) رواه أحمد، والبزار، والطبراني.

فمِن خِلال تلك النُّصوص من الكِتاب والسُّنّة، يتَّضح أن اتِّباع الهوى هو أحد أسباب ارتكاب المَعاصي.

خامسًا: النَّفس الأمّارة بالسُّوء:

قسّم القرآن الكريم النَّفس الإنسانية إلى ثلاثة أقسام:

1. النَّفس المُطمئنّة: وهي: التي استقرّ الإيمان في أعماقِها، فاطمأنت إلى جَنب الله، واعتمدت عليه، واتّجهت إليه بكلّ مشاعِرها وعواطِفها؛ فكان أجْرها كبيرًا، وثوابها عظيمًا، قال تعالى: {يَأَيّتُهَا النّفْسُ الْمُطْمَئِنّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىَ رَبّكِ رَاضِيَةً مّرْضِيّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنّتِي} [الفجر: 27 – 30].

2. النَّفس اللّوّامة: وهي: النَّفس التي يتصارع في داخلها نوازِع الخَير ودوافع الشّر، ولكنها ذات ضَمير حيٍّ وقلبٍ يقِظ، ما تَكاد تَقْترف سيئةً إلاّ ويستيقظ فيها الخَوفُ من الله والنّدم على ما اقترفتْه، واللّوم والتَّقريع على ما ارتكبتْه، فتُبادر بالتَّوبة إلى الله والاستغفار من الذنب.

هذه النَّفس يُقْسم الله بها تَقديرًا لمجاهدتها، ويَمسح عنها تلك الجِراح الدَّامية، والآلام المُبرحة الناتِجة عن مَعركتها مع الشّهوات. ويَجعل القَسَم بها عَقِب القَسَم بيوم القِيامة، للاشتراك في تَدافع الخَلْق وتَزاحمهم يوم الفزع الأكبر، وتَدافع النفس ومُغالبتها للسيئات ولوم ذاتها عمّا فَعلت، قال تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلاَ أُقْسِمُ بِالنّفْسِ اللّوّامَةِ} [القيامة: 2].

3. النَّفس الأمّارة بالسوء: وهي: النَّفس التي تَمكّن الشَّيطان مِنها، وغَلبتْها الشَّهوات على أمْرها، فوجَّهت حواسّ الإنسان وعَقله ومشاعِره نحو اقتراف السيئات، فأتمَرت بها وأطاعتها وانساقت إلى ما تُريد. هذه النفس الأمّارة بالسوء هي وراء الكَثير من كبائر الذنوب وصغائِرها، خِلال تاريخ البَّشرية. وقد ساق القُرآن الكريم بعضًا منها؛ ومن ذلك ما يلي:

– كانت النفس الأمارة بالسوء وراء قَتل قَابيل لأخيه هَابيل، قال تعالى: {فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 30].

– وهي السبب في إقدام إخْوة يوسف على التَّخلّص منه. وشَعر يَعقوب عليه السلام بما سوَّلته لهم أنفسهم، وقد حكى القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: {قَالَ بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىَ مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18].

– وهي وراء مُراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام قال تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نّفْسِهِ} [يوسف: 23].

– وقد كانت النَّفس الأمارة بالسوء هي الدَّافِع لامرأة العَزيز لاستدعاء نِسوة المَدينة ورُؤيتهنّ ليوسف عليه السلام؛ لحَمْلِهنّ على الاعتذار لها والإقرار لها بتلك المُراودة، قال تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ} [يوسف: 30].

– ولقد كان إقرار النِّسوة وإعجابهنّ من فَرط جَمالِه دافعًا قَويًا لنفس امرأة العَزيز للإصرار على ما تُريد، قال تعالى: {قَالَتْ فَذَلِكُنّ الّذِي لُمْتُنّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتّهُ عَن نّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنّ وَلَيَكُوناً مّن الصّاغِرِينَ} [يوسف: 32].

– وحينما تَبيَّنتْ عِفَّة يوسف عليه السلام وصِدقه وطهارَته بعد رِحلة السِّجن، كان الإقرار والاعتراف والنَّدم من زَوجة العَزيز، وإعلانها أنّ هذا بسبب النَّفس الأمّارة بالسوء، قال تعالى على لسانِها: {وَمَآ أُبَرّىءُ نَفْسِيَ إِنّ النّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسّوَءِ إِلاّ مَا رَحِمَ رَبّيَ إِنّ رَبّي غَفُورٌ رّحِيمٌ} [يوسف: 53].

ولقد كانت النفس الأمّارة بالسوء هي المُحرِّكة للسامريّ لفِتنة بني إسرائيل واتّخاذِهم العجل إلهًا، قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَامِرِيّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مّنْ أَثَرِ الرّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوّلَتْ لِي نَفْسِي} [طه: 95، 96].

– وهي أيضًا وراء الاستكبار في الأرض، والظُّلم والعُتو والاستبداد والكُفر عَبر تاريخ البشرية، قال تعالى: {وَقَالَ الّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىَ رَبّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِيَ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} [الفرقان: 21].

– وهكذا تظل النّفس الأمّارة بالسوء هي الدافع لارتِكاب المَعاصي واقتراف السيئات؛ ولهذا كان حديث القرآن على النَّفس البَشرية حديثًا مُستفيضًا شَمل كلّ جَوانبها، والعَوامِل المؤثرة فيها، وسُبل إصلاحها وتقويمها، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسّاهَا} [الشمس: 7 – 10].

سادسًا: البِيئة الاجتماعية:

إنّ من سُنن الله في خَلْق الإنسان أنّ الطِّفل حينما يَستقبل الحَياة وتَنفَتِح عَيناه في الدنيا، يكون على الفِطْرة النَّقية، قَلبه أبيض كاللّبن، ونَفْسه صافية صفاء الماء العَذب، وصَدره الصَغير كتاب مَفتوح تُسطِّره الأسرة والمَدرسة والمُجتمع؛ فعَن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((ما مِن مَولود إلاّ يُولد على الفِطْرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانِه)‏) رواه البخاري.

فالرسول صلى الله عليه وسلم يُبيِّن أثَر الأسرة والمُجتمع في صَلاح الأبناء أو انحراف سلوكهم؛ حيث تُوجد عوامل كَثيرة تَدفع الإنسان إلى المَيل للطَّاعة أو الجُنوح للمَعصية. فهناك دائرة الأسرة وما تقوم به من حُسن تَربية وكمال رِعاية وأدب، أو ما يَلقاه الطفل من الإهمال أو التَّدليل وعَدم المُراقبة والتَّوجيه. والمَدرسة ومنهجها في التَّعليم، أهو رسالة أم وَظيفة وتَلقين؟ ومَدى العلاقة بين الطالب والأستاذ؟ وهل المَدرسة تَعليم فقط، أم تَربية وتَعلِيم؟ ومَدى ارتباط المناهج بتقويم النفوس وتَهذيب السلوك. ثم يأتي بعد ذلك دور المُجتمع ذو الدائرة الأوسع، حيث تَشمل مُحيط الأصدقاء والجِيران، وتَتضمّن وسائل الإعلام، وأجهزة الدولة بسلطاتها التَّشريعية والقَضائية والتَّنفيذية.

كل هذه الأمور إن لم تُوضع لها الضَّوابط الشَّرعية التي تَصون الفَرد والجَماعة من عوامِل الانحراف والفَساد، فإنها تَكون مَدخلًا واسِعًا لارتكاب المعاصي والتَّشجيع عَليها.

وإنّ ما يُشاهده العالَم ويَسمعه من أنواع الفَن الهابِط، والأدب الماجِن، والإعلام المُبتَذَل، الذي يُروِّج للعُنف ويَحضّ على ارتكاب الفَواحِش، ويُغمِض عَينيْه عن آداب الإسلام، ويُصِمُّ أذنيْه عن توجيه الدعاة، لأَحدُ الأسباب الخَطيرة التي تَدفع لارتكاب المعاصي.

وقد بيَّن القرآن الكريم أنّ انحراف الأبناء وفساد سُلوكهم وارتكابهم الفَواحش، بسبب رؤيتهم للآباء وهم يقترفونها، قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28].

ولقد كانت دعوات الأنبياء والمُرسلين عَبر التاريخ تصطدم دائمًا بالمُعتقدات الفاسدة التي تتوارثها الأجيال، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مّن نّذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىَ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَىَ آثَارِهِم مّقْتَدُونَ (23) قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىَ مِمّا وَجَدتّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ قَالُوَاْ إِنّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الزُّخرُف: 23، 24].

وكذلك لا يُجهَل مُحيط الصَّداقة، إنْ لمْ يُحسن الإنسان اختيار الأصدقاء؛ فالتَّشجِيع على المعاصي وارتكاب المُنْكرات، ذلك يكون بسبب سوء تَربية الأهل وضَعْف رقابة المُجتمع.

ولقد حذَّر القرآن الكريم من عواقِب أصدقاء السوء، فقال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضّ الظّالِمُ عَلَىَ يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِي اتّخَذْتُ مَعَ الرّسُولِ سَبِيلاً (27) يَوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً (28) لّقَدْ أَضَلّنِي عَنِ الذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي وَكَانَ الشّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} [الفرقان: 27 – 29].

كما ساق القرآن الكريم مشاهِد وحوارات كَثيرة يوم القيامة لأصدقاء الإنسان من الإنس وقُرنائه من الجن، يتلاومون ويتقاتَلون ويتخاصَمون، ويَندمون على ما فرّطوا في جَنب الله بارتكابهم المعاصي، ودفْع بعضهم بعضًا لاقتراف السيئات. ومن ذلك:

  1. قول الله تعالى: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ (50) قَالَ قَآئِلٌ مّنْهُمْ إِنّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنّكَ لَمِنَ الْمُصَدّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنتُمْ مّطّلِعُونَ (54) فَاطّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللّهِ إِن كِدتّ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [الصافات: 50 – 57].
  2. وقال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرّحْمَـَنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنّهُمْ لَيَصُدّونَهُمْ عَنِ السّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنّهُم مّهْتَدُونَ (37) حَتّىَ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [الزُّخرُف: 36 – 38].

فـ”القَرين”: المُقارِن، والجَمع: قُرناء. وهو: المُصاحِب، ويُطلق على الشَّيطان المَقرون بالإنسان لا يُفارقه.

قال تعالى: {الأخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ إِلاّ الْمُتّقِينَ} [الزُّخرُف: 67].

و”الخِلُّ” و”الخُلّة”: المُصادَقة والإخاء.

والخُِلُّ -بالكَسر والضَّم-: الصَّديق المُخلِص.

والخَليل: الصادق، أو مَنْ أصفى المَودّة وأصحّها.

قال تعالى: {وَاتّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [النساء: 125].

فالخُلّة أعلى دَرجات المَحبة وأرفعها.

وقد بيّن القرآن الكريم: أن يوم القيامة لا تَنفع فيه خُلّة الأصدقاء، ولا شفاعةُ الشفعاء، قال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ أَنْفِقُواْ مِمّا رَزَقْنَاكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ} [البقرة: 254].

قال تعالى مُصوِّرًا ومُوضِّحًا مشاهِد يوم القيامة: {فَإِذَا جَآءَتِ الصّآخّةُ (33) يَوْمَ يَفِرّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ (36) لِكُلّ امْرِىءٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 33 – 37].

وهكذا يتّضح من خلال هذه الآيات الكريمة، مدى تأثير البِيئة الاجتماعية التي تَشمل دائرة الأسرة، والمدرسة، والأصدقاء، وكلّ مظاهر الحياة في المجتمع، على سلوك الإنسان؛ وذلك بأخذه إلى الطَّاعة، أو دفْعه إلى المَعصية.

مما سَبق تتبيَّن أسبابُ ارتكاب المَعاصي، ودوافِعُ اقتراف السيئات. ويَنبغي على مَن يتصدَّى للأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر أن يَكون على عِلْم وبَصيرة بهذه الأسباب والدَّوافِع، لِيضع لكل حالةٍ ما يناسبها من التوجيه السليم، والموعظة الحسنة، أو بإحدى وسائل تَغيير المُنْكر.

error: النص محمي !!