Top
Image Alt

ثبوت حكم النسخ، وحكم من لم يبلغه الناسخ

  /  ثبوت حكم النسخ، وحكم من لم يبلغه الناسخ

ثبوت حكم النسخ، وحكم من لم يبلغه الناسخ

متى يثبت حكم النسخ؟

وبمعنى آخر: ما حكم الناسخ في حق المكلفين متى يثبت؟

ولنمهد لهذه المسألة بالتمهيد التالي:

لا خلاف بين أهل العلم في ثبوت حكم الخطاب الناسخ في حق من بلغه هذا الخطاب؛ فكل مكلف يصله ويبلغه الخطاب الناسخ يلزمه ويجب عليه العمل بمقتضى هذا الخطاب؛ فمن بلغه تحويل القبلة إلى الكعبة يحرم عليه التوجه إلى بيت المقدس؛ لذلك اتفق الأصوليون على أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلفين قبل أن يبلغه جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه  وسلم؛ لأن ثبوت الحكم فرع العلم به، ولو علمه واحد منهم، ولم يتحقق ذلك.

ولك أن تتصور المسألة تصورًا آخر، هب أن الله تعالى أمر جبريل أن يبلغ محمدًا صلى الله عليه  وسلم أنه يجب التحول من بيت المقدس إلى الكعبة في الصلاة، فالآن الحكم الناسخ لا زال عند جبريل، وجبريل لم يبلغه النبي صلى الله عليه  وسلم، فهل المكلفين يعملون بمقتضى هذا الحكم الناسخ الذي لم يبلغه جبريل للنبي صلى الله عليه  وسلم؟ نقول: لا. وهذا باتفاق. فقد اتفق الأصوليون على أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلفين قبل أن يبلغه جبريل للنبي صلى الله عليه  وسلم؛ لأن ثبوت الحكم فرع العلم به، ولو علمه واحد منهم، لكن قبل تبليغ جبريل للنبي صلى الله عليه  وسلم الحكم، فالناس لا تعرف الحكم ولا تتصور الحكم. فهذه الجزئية محل اتفاق العلماء.

ثم اختلفوا بعد ذلك في ثبوت حكم الناسخ في حق المكلفين بعد تبليغ جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه  وسلم، وقبل أن يبلغه النبي صلى الله عليه  وسلم للأمة. فالوحي نزل على محمد صلى الله عليه  وسلم قال: يا محمد تحول من بيت المقدس إلى الكعبة، وصل جهة الكعبة، فصار الآن حكم الناسخ معلومًا للنبي صلى الله عليه  وسلم فهل بمجرد علم النبي له تصير الأمة والمكلفون مأمورين بأن يتجهوا جهة الكعبة وإن لم يعلموا من النبي صلى الله عليه  وسلم؟ هذا محل خلاف العلماء.

– فذهب جمهور العلماء منهم القاضي أبو يعلى إلى أنه لا يثبت النسخ في حق الأمة حتى يبلغها الخطاب الناسخ.

– وذهب بعض أصحاب الشافعي -وهو الرأي الثاني في المسألة- إلى ثبوت حكم الناسخ في حق المكلفين قبل التبليغ.

أدلة أصحاب المذهب الأول:

وهم أصحاب الشافعي، فاستدلوا أولًا بأن الناسخ حكم متجدد، أصحاب المذهب الأول وهم الذين يرون أنه لا يثبت حكم الناسخ في حق المكلفين قبل التبليغ، استدلوا بأدلة حاصلها ما يلي:

قالوا: إن النسخ له لازم، ولازم النسخ هو ارتفاع حكم الخطاب السابق وامتناع الخروج بالفعل الواجب أولًا عن العهدة، ولزوم الإتيان بالفعل الذي تعلق به الحكم اللاحق، وحصول الثواب على فعله، والعقاب على تركه، قالوا: وهذه اللوازم منتفية، ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم.

أما أن الحكم السابق لم يرتفع؛ لأن المكلف يثاب على فعله ويخرج به عن عهدة التكليف، ويأثم بتركه له قبل بلوغ النسخ إليه، وذلك أمر مجمع عليه.

وفي تحرير مذاهب العلماء في هذه المسألة يقول ابن قدامة -رحمه الله-: فصل: إذا نزل الناسخ، فهل يكون نسخًا في حق من لم يبلغه. ومعنى ذلك: أن من لم يبلغه الناسخ هل يكون هذا ناسخًا في حقه وإن لم يبلغه أو لا؟

وذكر في ذلك مذاهب؛ فقال: قال القاضي -يعني: القاضي أبو يعلى-: ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- أنه لا يكون نسخًا. -وهذا هو المذهب الأول في المسألة أنه لا يكون نسخًا في حق من لم يبلغه؛ أي أن الحكم الأول لم يرتفع في حق من لم يبلغه الناسخ، ولا يلزمه العمل بالناسخ، ولا يأثم إذا لم يعمل به، فمن لم يبلغه مثلًا أن القبلة تحولت إلى الكعبة، وصلى قبالة بيت المقدس، فهذا لا شيء عليه ولا إثم عليه.

وهذا المذهب اختاره الحنفية، والمعتزلة، ورجحه الآمدي -كما قلت لكم-، وهو اختيار القاضي أبي يعلى في “العدة”، وذكر أن هذا قول الحنابلة؛ لأن الإمام أحمد أخذ بقصة أهل قباء.

الدليل الأول:

وقد ساق ابن قدامة -رحمه الله- أدلة هذا المذهب على النحو التالي، فقال: لأن أهل قباء بلغهم نسخ الصلاة إلى بيت المقدس وهم في الصلاة فاعتدوا بما مضى من صلاتهم.

وهذا الكلام هو الدليل الأول لمن قال بأن النسخ لا يثبت في حق من لم يبلغه. فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر رضي الله  عنه أنه قال: ((بينما الناس في صلاة الصبح في قباء إذ جاءهم آتٍ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم الشام فاستداروا إلى الكعبة)).

ووجه الاستدلال: أن أهل قباء بما مضى من صلاة الصبح فلم يقضوها، ولو كان النسخ ثبت في حقهم لأمروا بالقضاء؛ فلما لم يؤمروا بالقضاء دل على أن النسخ لم يكن ثبت في حقهم. وهذا الدليل هو الذي ساقه ابن قدامة -رحمه الله- واقتصر عليه.

الدليل الثاني:

أن نسخ الحكم قبل علم المكلف يتضمن تكليف المحال وإلزام ما لا يطاق، والله تعالى إذا كلف عبده أباح له الطريق المفضي إلى العلم بما كلفه به، وكل حالة تنافي العلم فهي منافية للتكليف. يعني: كيف يكلف الله تعالى إنسانًا بأن يفعل شيئًا وهو لم يعلمه؟!

الدليل الثالث:

أن الخطاب الناسخ غير لازم للمكلف قبل تبليغه به لا نصًّا ولا حكمًا، الخطاب الناسخ الذي لم يبلغ المكلف غير لازم في حق المكلف لا نصًّا ولا حكمًا، كيف ذلك؟ أما نصًّا فلقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، فكيف نؤاخذ إنسانًا على شيء لم يعلمه ولم يعرفه. وقوله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]، والرسول لم يبلغ بعد. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} [القصص: 59]، هذا وجه غير اللزوم نصًّا.

وأما الحكم فهو أن المكلف لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ على وجهها قبل بلوغه بالناسخ لكان آثمًا عاصيًا غير خارج به عن العهدة، كما لو صلى إلى الكعبة قبل بلوغ النسخ إليه. أي: قبل بلوغ النسخ إليه هو مأمور بأن يصلي جهة بيت المقدس، فلو صلى جهة الكعبة قبل أن يبلغه الناسخ يكون آثمًا لا شك، ولو كان مخاطبًا بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصيًا بفعل ما خوطب به. هذا هو دليل المذهب الأول.

الراجح في المسألة: أن الناسخ لا يكون نسخًا في حق من لم يبلغه، وذلك لما ذكرناه من أدلة.

error: النص محمي !!