Top
Image Alt

ثبوت عقد الإسلام للناس في الدنيا بنطق الشهادتين

  /  ثبوت عقد الإسلام للناس في الدنيا بنطق الشهادتين

ثبوت عقد الإسلام للناس في الدنيا بنطق الشهادتين

إن الثابت على وجه القطع واليقين، بأنه يثبت عقد الإسلام للناس في الدنيا بنطق الشهادتين، على أساس الدخول في الإسلام والإقرار به، ولا يشترط الفهم الدقيق لمعنى الشهادة ما دام قد رضي بالإسلام دينًا، وقد أبدى استعداده للالتزام بما فيه إجمالًا، ولا يوجد ما يدل على وجوب تلازم العمل مع الشهادتين، حتى يُحكم للفرد بالإسلام، بل إنه بمجرد نطقه بالشهادتين إقرارًا بالإسلام يدخل فيه، وتجري عليه أحكام الإسلام، ولا يجوز لنا أن نخرجه من الإسلام إلا بجحود ما أدخله فيه، وبشروط معينة، أو أن يأتي بناقض من نواقض الإسلام، وهذه متعلقة بالأحكام الدنيوية.

ونقرر أن الإنسان يدخل الإسلام بالشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أقر بهما بلسانه فقد دخل في الإسلام، وأجريت عليه أحكام المسلمين، وإن كان كافرًا بقلبه؛ لأننا أمرنا أن نحكم بالظاهر، وأن نكل إلى الله السرائر، وهذه القاعدة تواترت عليها الأمة وكثرت فيها الأدلة.

الدليل الأول: حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)).

فقد اتفق أهل السنة من المتحدِّثين والفقهاء والمتكلمين، على أن المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فهذا هو الحد الذي ينفصل به العبد عن الكفر، ويتصل بالإيمان، إنه النطق بالشهادتين والإيمان بمجمل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.

الدليل الثاني: حديث المقداد بن عمرو الكندي أنه قال: “يا رسول الله، إن لقيت كافرًا فاقتتلنا، فضرب يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ بشجرة، وقال: أسلمت لله أأقتله بعد أن قالها؟ قال ذلك بعدما قطعها أأقتله؟ قال: ((لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال))” فهذا رجل قد أثبت له النبي صلى الله عليه وسلم حكم الإسلام لمجرد أن قال: أسلمت لله، مع أن قولته هذه جاءت بعد واقعة، كل وقائعها تكاد تصرح بأنه قالها تقية وهربًا من القتل.

الدليل الثالث: حديث أسامة بن زيد بن حارثة قال: “بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحَرْقة من جهينة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، وفي رواية أخرى: كان قد أثخن في المسلمين، أي: قتل منهم كثيرًا. قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. قال: فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي فقتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا أسامة، أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله)) قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذًا قال: ((أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله)) فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم”. وفي رواية: ((هلا شققت عن قلبه)) وفي رواية ثالثة: ((كيف بك بلا إله إلا الله يوم القيامة)).

فهذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل بالإسلام لمجرد تلفظه بالشهادة، وإن كانت في ظاهر الأمر تقية، مع ذلك التعنيف الشديد لأسامة، حتى قال قولته: “تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم”.

الدليل الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: ((قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة)) قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينًا، فأنزل الله عز وجل قوله: {إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [القصص: 56]”.

فلو لم تكن لا إله إلا الله إسلامًا تدخل صاحبها الجنة، وتحرم عليه الخلود في النار، فلِمَ يطلبها النبي صلى الله عليه وسلم من عمه ويلح في طلبها ويقول: ((أشهد لك بها يوم القيامة)).

الدليل الخامس: يقول صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)).

الدليل السادس: قوله صلى الله عليه وسلم: ((من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار)).

الدليل السابع: قوله صلى الله عليه وسلم أيضًا: ((أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه)).

الدليل الثامن: حديث الجارية عن يسار بن معاوية بن الحكم، وقد جاء بأمة سوداء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم. قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم. قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. قال: أعتقها)) وفي رواية: ((فإنها مؤمنة)) فهذا هو حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظرفه وزمانه، كما لا يخفى أنه يثبت كذلك عقد الإسلام لكل من ولد لأبوين مسلمين، أو كانت ولايته للمسلمين منذ صغره قبل بلوغه الحلم، وكذلك للفترة السابقة، وبهذا يصير معصوم الدم والمال والعرض.

الدليل التاسع: صح أن غلامًا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان يهوديًا فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له: ((أسلم)) فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: “أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم” فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)).

الدليل العاشر: عن مالك عن عبيد الله بن الخِيار أن رجلًا سارّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نَدْر فيم ساره حتى جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يستأذن في قتل رجل من المنافقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولا شهادة له. قال: أليس يصلي؟ قال: بلى ولا صلاة له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أولئك الذين نهاني الله عنهم)).

إلى غير ذلك من الأحاديث، وهذا ولا شك فيما يتعلق بالأحكام الدنيوية التي نحن نتحدث عنها، ونحن لا نقول بأن من نطق بالشهادتين يلزمنا الحكم بإسلامه، مهما قال أو عمل بعد النطق بهما، ولا نقول أيضًا: إن المسلم لا يرتد مهما قال أو عمل، فلا شك أن شريعة الله قد حددت أقوالًا وأعمالًا، إذا قالها المسلم أو عملها خرجت به عن الإسلام، وارتدت به إلى الكفر.

وهذه الأقوال والأعمال التي حددها الله عز وجل، ووضحها الرسول صلى الله عليه وسلم ليس لنا أن نزيد فيها أو أن ننقص منها، ويجب ألا يتبادر إلى الذهن أن هذا يقلل من قيمة العمل أو يغض منه، فليس في وجوب الحكم بإسلام من نطق بالشهادتين، ما يتعارض مع كون المسلم مكلفًا بعد النطق بها بفرائض أخرى، وهي من الإيمان؛ كالصلاة والزكاة والصوم والحج والدعوة إلى الله تعالى والجهاد، إلى آخره، وبالطبع الحكم هذا شيء، ودعوة الناس إلى الأثر المترتب عليه، وفهم مدلول شهادة التوحيد، والعمل بشروطها شيء آخر، وهو مطلوب من كل مسلم، وعلى من يدعوهم أن يُذكِّر بذلك وأن يوضح معالمه.

فبهذا نحن نعتقد أن الإيمان تصديق بالجنان، وتلفظ باللسان، وعمل بالأركان، يزداد بالطاعات وينقص بالعصيان؛ فإذ نرى العمل داخلًا في مسمى الإيمان، لا نراه شرط صحة في الإيمان كما قالته الخوارج، وترتب عليه أنهم كفّروا الناس بتركهم العمل، وكذا كفروهم بارتكاب المعاصي، أو بالإصرار عليها، أو بارتكاب الكبيرة.

error: النص محمي !!