Top
Image Alt

(جامع معمر بن راشد)

  /  (جامع معمر بن راشد)

(جامع معمر بن راشد)

مر بنا خصائص (موطأ الإمام مالك) وأنه ذكر المجمع عليه عند علماء المدينة، وبنى ذلك على الأحاديث الصحيحة الثابتة، وقدم ابن عبد البر بلاغات الإمام مالك وتحدث عنها، وتبين مما ذكره في كتاب (التمهيد) أن هذه البلاغات في غاية الصحة والقوة، وتمثل ما اختاره الإمام مالك؛ كمذهب أو كمنهج في المسائل التي تناولتها تلك البلاغات، وكان بعضها في حاجة إلى الوصل؛ أربعة أحاديث, فوصلها العلماء بعد ذلك.

أما المصنف الآخر الذي يعتبر امتدادًا لعمل الإمام مالك؛ فهو (جامع معمر بن راشد)، والجامع: هو الكتاب الذي يتناول أبواب السنة في مجملها من التفسير والزهد والسيرة وغير ذلك من الأبواب النافعة، بالإضافة إلى أبواب الفقه، وسيمر بنا تعريفه في ثنايا الكلام عن المصنفات التي ستأتي في السنة.

وقد ذكر صاحب (الرسالة المستطرفة) عددًا من الجوامع المهمة؛ فذكر (جامع عبد الرزاق) وهو كتاب غير (المصنف), قال: كتاب شهير وجامع كبير، خرَّج أكثر أحاديثه الشيخان والأربعة -أي: أصحاب السنن- وهو متأخر بالنسبة إلى غيره، ومنها: (جامع سفيان الثوري)، و(جامع سفيان بن عيينة)، وهناك جوامع متأخرة كـ(جامع الخلال) و(الجامع الكبير) و(الصغير) للبخاري، و(جامع مسلم بن الحجاج)، ويظهر لنا أن البخاري -وهو الصحيح- سماه أيضًا جامعًا.

قال الكتاني: والجامع عند المحدثين: ما يوجد فيه من الحديث جميع الأنواع المحتاج إليها من العقائد والأحكام والرقاق وآداب الأكل والشرب والسفر والمقام، وما يتعلق بالتفسير والتاريخ والسير والفتن والمناقب والمثالب وغير ذلك.

أما معمر بن راشد -صاحب (الجامع) الذي سنتناوله- فهو: معمر بن راشد الأزدي، مولاهم، أبو عروة بن أبي عمرو البصري، سكن اليمن وشهد جنازة الحسن البصري -أي: بالبصرة- وزكاه العلماء وأثنوا عليه؛ قال عمرو بن علي -أي: الفلاس-: كان من أصدق الناس، وقال العجلي: بصري سكن اليمن، ثقة رجل صالح.

ولما دخل صنعاء كرهوا أن يخرج من بين أظهرهم، فقال لهم رجل: قيدوه. فزوجوه وأقام باليمن، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة وصالح, ثبت عن الزهري، وقال النسائي: ثقة مأمون، وعن ابن جريج أنه قال: عليكم بهذا الرجل؛ فإنه لم يبقَ أحد من أهل زمانه أعلم منه. وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: كان فقيهًا حافظًا متقنًا ورعًا، وقال أبو حاتم: ما حدث معمر بالبصرة فيه أغاليط، ونقل ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين أنه قال: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه؛ إلا عن الزهري وابن طاوس؛ فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا.

قال يحيى بن معين: وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة، وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام، وقال الذهبي: ومع كون معمر ثقة ثبتًا فله أوهام؛ لا سيما لما قدم البصرة لزيارة أمه، فإنه لم يكن معه كتبه فحدث من حفظه؛ فوقع للبصريين عنه أغاليط، قال: وحديث هشام وعبد الرزاق عنه أصح؛ لأنهم أخذوا عنه من كتبه.

وقال أحمد: حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إلي من حديث هؤلاء البصريين؛ كان يتعاهد كتبه وينظر فيها باليمن, وكان يحدثهم حفظًا بالبصرة -أي: معمر.

ونخلص من ذلك: أن رواية عبد الرزاق عنه ليس فيها ما ينتقد, مما ذكره العلماء عنه أو عليه.

و(الجامع) من رواية عبد الرزاق عنه؛ فهو من عيون حديثه، ويظهر ذلك في بعض المقارنات التي نستفيد منها درجة أحاديث هذا (الجامع):

ففي رقم (73) روى معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: “أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما رأى الصور في البيت -يعني: الكعبة- لم يدخل حتى أمر بها فمُحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((قاتلهم الله، والله ما استقسما بالأزلام قط))”.

وهذا الحديث رواه البخاري، فقال: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام عن معمر؛ فذكر الإسناد وذكر المتن.

ورواه من طريق عبد الوارث وهو متابع لمعمر قال: حدثنا أيوب، قال: حدثنا عكرمة, عن ابن عباس {: “أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما قدم أبى أن يدخل البيت, وفيه الآلهة -أي: الصور التي كانوا يعبدونها, أو كانوا يدعون أنها تشاركهم في العبادة- فأمر بها فأخرجت؛ فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((قاتلهم الله…)) الحديث”، فتابع عبد الوارث معمرًا في روايته.

ورواه أحمد من طريق معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس به، ثم رواه من طريق عبد الصمد قال: حدثني أبي قال: أخبرنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس؛ فعبد الوارث أبو عبد الصمد تابع معمرًا في روايته عن أيوب.

ومن حديثه رقم (74) روى عن أيوب عن نافع عن أسلم مولى عمر: “أن عمر حين قدم الشام صنع له رجل من النصارى طعامًا، فقال لعمر: إني أحب أن تجيئني فتكرمني أنت وأصحابك -وكان رجلًا من عظماء أهل الشام- فقال له عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التي فيها” يعني: التماثيل. وقد علقه البخاري فقال: وقال عمر: “إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور، وكان ابن عباس يصلي في البيعة؛ إلا بيعة فيها تماثيل”.

قال ابن رجب في (فتح الباري): روى حجاج بن منهال قال: حدثنا ربيعة بن كلثوم عن نافع أنه قال: قال عمر: “إنا لا ينبغي لنا أن ندخل كنيسة فيها تصاوير”؛ فتابع ربيعة بن كلثوم أيوب عن نافع، قال ابن رجب: وروى وكيع في كتابه عن عبد الله بن نافع مولى ابن عمر عن أبيه, عن أسلم مولى عمر قال: قال عمر: “إنا لا ندخل كنائسكم التي فيها تصاوير”.

وفي الحديث رقم (75) روى معمر عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود, أنه قال: ((إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة: إمام مضل يضل الناس بغير علم، أو رجل قتل نبيًّا، أو رجل قتله نبيٌّ، أو رجل مصور يصور هذه التماثيل)) ورواه أحمد قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا أبان، حدثنا عاصم عن أبي وائل عن عبد الله؛ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أشد الناس عذابًا يوم القيامة: رجل قتله نبي أو قتل نبيًّا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين)) فرواه مرفوعًا.

ورواه البزار من هذا الطريق عن عبد الله؛ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أشد الناس عذابًا يوم القيامة: رجل قتل نبيًّا أو قتله نبي، وإمام ضلالة)) قال: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا أسنده عن عاصم عن أبي وائل إلا أبان؛ لكن رواية معمر هنا في وقفه قد ترجح على الرواية بوصله، وإن كان ذلك مما لا مجال للرأي فيه.

وروى معمر في رقم (79) عن أيوب عن عكرمة أنه قال: لا أعلم إلا عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من صور صورة كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدًا، ومن استمع إلى حديث قوم وهم كارهون صب الآنك في سماخه -أي: الحديد المحمي في أذنه- ومن كذب في حكمه كُلف أن يعقد شعيرة -أو بين شعيرتين- ويعذب على ذلك وليس بفاعل)) وهذا الحديث أخرجه البخاري من طريق ابن عيينة عن أيوب عن عكرمة؛ فتابع ابن عيينة معمرًا في روايته، قال البخاري: قال سفيان: وصله لنا أيوب.

وقال قتيبة: حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن عكرمة عن أبي هريرة قوله: ((من كذب في رؤياه…)) وقال شعبة: عن أبي هاشم الرماني، سمعت عكرمة، قال أبو هريرة قوله: “من صور صورة… ومن تحلم… ومن استمع…” حدثنا إسحاق قال: حدثنا خالد عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: “من استمع… ومن تحلم… ومن صور…” نحوه، ثم قال: تابعه هشام عن عكرمة عن ابن عباس قوله؛ فبين البخاري من رواه موقوفًا عن ابن عباس وعن أبي هريرة، واعتمد رفعه عن ابن عباس كما فعل معمر في روايته، والراجح -كما هو معروف- الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال من قِبل الرأي، وليس عند أهل الكتاب على المعتمد.

ورواه أحمد من طريق همام عن قتادة عن عكرمة عن أبي هريرة، عن النبي-صلى الله عليه وسلم-, وهذا كله محمول على أن عكرمة رواه عن ابن عباس وعن أبي هريرة، ويؤيد أنه مرفوع من طريق ابن عباس عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما رواه البخاري قال: حدثنا عياش بن الوليد، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد، قال: سمعت النضر بن أنس بن مالك يحدث قتادة قال: كنت عند ابن عباس وهم يسألونه، ولا يذكر النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ حتى سئل فقال: سمعت محمدًا -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من صوَّر صورة في الدنيا؛ كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ)).

هذا؛ و(جامع معمر) مرتب على الأبواب ضاع منه كثير، وطبع في آخر (مصنف ابن عبد الرزاق)، وأول المطبوع منه باب وجوب الاستئذان، وآخر حديث فيه رقم (1645)، رواه عن ثابت عن أنس أنه قال: “كان شعر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أنصاف أذنيه”، ومن الحديث الوارد في هذا المصنف: ما رواه معمر عمن سمع ابن سيرين يحدث: “أن فتى يقال له: جريج كان في صومعة يترهب فيها؛ فجاءته أمه تسلم عليه، فقال: الصلاة أحق، والصلاة آثر؛ فلم يجبها، ثم جاءته الثانية فكذلك، ثم الثالثة فغضبت، فقالت: لا أماتني الله حتى أراك مع المومسات -تعني: مع الزناة. فمكث ما شاء الله, فجاء راعي غنم يومًا؛ فاستظل في صومعته، ثم مرت جارية هندية فقام إليها الراعي فوطئها فحملت، فسألوها فقالت: من الراهب. فذهبوا إليه فكلّموه فلم يكلمهم؛ فأرادوا أن يهدموا صومعته فكلمهم، وسأل الله أن يفرج عنه، فقالوا: يا مرائي، هذه الجارية قد حملت منك! فعرف أنها دعوة أمه، فقال: دعوني أصلي سجدتين، قال: فصلى سجدتين؛ فسأل الله أن يفرج عنه, فقام إليها فمسح بيده على بطنها وإنهم لواقفون، فقال: من أبوك؟ قال: راعي آل فلان، قال: فنجا”.

وهذا الحديث رواه البخاري من طريق جرير بن حازم عن محمد بن سيرين, عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال… فرواه، وفي آخره: “فأتوه وكسروا صومعته؛ فأنزلوه وسبوه؛ فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، إلا من طين”.

فوصله البخاري من طريق محمد بن سيرين مرفوعًا، ورواه معلقًا فقال: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز أنه قال: قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((نادت امرأة ابنها وهو في صومعة…))، إلى آخر الحديث وفيه: ((قال جريج: أين هذه التي تزعم أن ولدها لي؟ قال: يا بابوس من أبوك؟ قال: راعي الغنم)) وبابوس؛ أي: الغلام الذي في بطن أمه.

ورواه البخاري من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له: جريج…)) إلى آخره، وذكر الثالث فقال: ((وكانت امرأة ترضع ابنًا لها من بني إسرائيل؛ فمر بها رجل راكب ذو شارة -أي: دلالة على مكانته- فقالت: اللهم اجعل ابني مثله. فترك ثديها، وأقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله)), وفيه: ((فقالت: لم ذاك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة)).

وظهر من ذلك أن رواية عبد الرزاق عن معمر جامعه من عيون حديثه, وأن أئمة التصنيف للمصنفات الأصلية في الحديث اعتمدوا روايات من رواياته, وما رووه عن غيره مما رواه؛ مما يساعد على معرفة قيمة جامعه وتحديد منزلته بين مصنفات الحديث؛ فهو من أوائل المصنفات، حسن التبويب، أحاديثه مختارة، ولم يرتبه كتبًا ثم أبوابًا؛ بل ترك ذكر اسم الكتاب، ويفهم من مجموع الأبواب المتتابعة التي تدل عليه، وقد تكرر فيه باب بر الوالدين، ويبدو أنه في آخر الجامع خطأ أو تكرار بغير تبصر.

وبذلك نكون قد انتهينا من الكلام على (جامع معمر) وما فات منه -وهو كثير- يمكن تجميعه من المصنفات التي نقلت أحاديثه بالسند إليه؛ فهو إمام من الأئمة المعتبرين في اختيار الروايات، وفي ضبط الأحاديث، وبخاصة إذا روى عنه الثقات في اليمن وليس في البصرة.

error: النص محمي !!