Top
Image Alt

جدل النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود والنصارى

  /  جدل النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود والنصارى

جدل النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود والنصارى

جدل النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود والنصارى:

لم يذكر كتاب السير شيئًا من الاحتكاك الذي وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود، وهو بمكة المكرمة حتى هاجر إلى المدينة المنورة، فالتقى بهم حيث كانوا مساكنين للمسلمين، وجيرانًا لهم، وطبيعي أن يدعوهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى دينه؛ لعموم رسالته، ووجوب تبليغ دعوته، وكان الظاهر أن يجيبوا دعايته صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا بنبي قد جاء زمانه.

وقد حكى الله عنه ذلك في مثل قوله تعالى: {وَلَمّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمّا جَآءَهُمْ مّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] ولكنهم أعرضوا ولاحوا النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم قومٌ يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولأنهم رأوا في أنصار النبي صلى الله عليه وسلم أقوامًا من خصومهم في الجاهلية، فأسروا العداوة، ونابذوه الشر ولأن اليهود لا يعترفون بنبي من غير بني إسرائيل، بل كانوا يعدون ظهور رجل من غير بني إسرائيل يدعو إلى توحيد الإله، وتمجيد إبراهيم، وموسى، وسائر النبيين أمرًا غريبًا في البشر؛ ولعل ذلك هو الذي دفعهم لأن يقولوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللّهِ وَأَحِبّاؤُهُ} [المائدة: 18].

وكان هو المحرك لغرورهم الذي دفعهم إلى الإنكار والمكابرة، والمهاترة ولذلك اندفعوا لمجادلة النبي صلى الله عليه وسلم وسائر المسلمين وناقشوهم مناقشات دينية أخذت أولًا طورًا دينيًّا هادئًا، ثم أخذت من جانبهم سبًّا واستهزاءً وخيانةً، حتى اضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى إجلاء بعضهم ومحاربة الآخرين.

وفي طور المجادلة كانت المجادل واسعة ونطاق غير محدود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب أقوامًا يقرون بكتاب ويؤمنون برسول، فالنبي كان يلزمهم بما جاءهم في كتبهم، وينعي عليهم مخالفتهم لما جاءهم به رسلهم، وهم كانوا لعلمهم بالكتاب يوجهون أسئلة فيها شيء من الدقة والمعرفة، وإن كانوا ضالين، وقد أمر الله نبيه أن يجادلهم برفق وحسن موعظة فقال تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46] وقال تعالى: {وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينكر في جدله معهم تحريفهم التوراة، واختلافهم فيها، ويكفي ذلك الاختلاف، وطعن كل فريق فيما عند الآخرين يكفي ذلك دليلًا على الشك في حقيقة ما بأيديهم، قال تعالى: {فَوَيْلٌ لّلّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ يَقُولُونَ هَـَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79].

وأنكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم مخالفتهم للأحكام التي أتى بها الأنبياء وهجرهم لشرائعها ومحاولتهم الأخذ بغيرها إن وجدوا فيه ما يخالف مآربهم ورغباتهم الدنيوية، ويتفق مع أكلهم الرشوة التي كانوا يقبلونها من الكبراء؛ ليغيروا بها حُكْمَ الله. قال تعالى في شأنهم عندما حكَّمُوهُ في شأن الزاني؛ رجاء أن يحكم صلى الله عليه وسلم بغير الرجم ليوافق هواهم: {وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمّ يَتَوَلّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَـَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}(43) {إِنّآ أَنزَلْنَا التّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النّبِيّونَ الّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلّذِينَ هَادُواْ وَالرّبّانِيّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} [المائدة: 43، 44].

وأنكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا لا يتلقون تعاليم دينه من كتبه بل من الأحبار، وأولئك يعبثون بأفكارهم، ولا يعلمونهم حقيقة كتبهم، وقد قال الله فيهم، وفي النصارى: {اتّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ} [التوبة: 31].

ونعى صلى الله عليه وسلم أنهم متعصبون أشداء في تعصبهم إلى درجة أنهم كانوا يتواصون بعدم الإيمان لأحد من غير جنسهم، ولو دخل الإيمان قلوبهم، وغزت الحقيقة نفوسهم، وقد قال تعالى حاكيًا قول بعضهم: {وَلاَ تُؤْمِنُوَاْ إِلاّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنّ الْهُدَىَ هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَىَ أَحَدٌ مّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ قُلْ إِنّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(73) {يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [آل عمران: 73، 74].

ونعى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أكلهم أموال الناس بالباطل وأكلهم الربا، وقد نهوا عنه، واستحلال بعضهم أموال العرب؛ زاعمون أنهم أميون، وليس لهم سبيل على أهل العلم والفكر والثقافة، قال تعالى في شأنهم: {وَمِنْهُمْ مّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاّ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ إِلاّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الاُمّيّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75].

وأنكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم حرصهم الشديد على الدنيا وتمسكهم بملاذها وشهواتها، وليس ذلك بشأن الأقوام المتدينين الذين يقدسون الدين، ويعبدون الله راجين ما عنده، وقد كانت المناقشة تدفعهم إلى كثير من المهاترات؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذها عليهم من مثل إدعائهم أن جبريل عدوهم، كما يأخذ غيرها من مثل إدعائهم أن الله فقير وهم أغنياء، هذا بعض قليل مما كان ينكره منهم صلى الله عليه وسلم ويدلي به حجة عليهم، ودليلًا على بطلان ما هم عليه وما هو متمسكون به.

وقد كانوا هم في مجادلاتهم أن إبراهيم عليه السلام كان على ديانتهم وقد رد الله عليهم تلك الدعوة في قوله تعالت كلماته: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67].

وقد احتجوا على النبي صلى الله عليه وسلم بوجود النسخ في الشريعة الإسلامية، وأنكروا نسخ الآيات والمعجزات؛ فردَّ الله عليهم ذلك بقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106].

وكان يطلبون آية أخرى تدل على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن، ويدعون أن تلك الآية عهد من الله إليهم ألا يؤمنوا بغيرها، وقد قال تعالى حاكيًا عنهم: {الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مّن قَبْلِي بِالْبَيّنَاتِ وَبِالّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183].

وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء يقرءونه، وقد قال تعالى حكاية عنهم: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مّنَ السّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىَ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوَاْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء: 153].

وترى من هذا أن جدلهم مع النبي صلى الله عليه وسلم كان كجدل أسلافهم مع موسى عليه السلام جدل المتعنتين الذين لا يطلبون رشادًا، ولا يبغون سدادًا، ولا يريدون حقًّا ينصرونه، بل باطلًا يلوون ألسنتهم به. والنبي يأخذهم برفق وعطف وأناة حينًا وحزم حينًا. وقد قال تعالى آمرًا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يطلب إليهم أن يتمنوا الموت إن كانوا حقًّا صادقين في تكذيبهم في دعواه، فما تمنوا؛ لأنهم يعرفون بينهم وبين نفسهم صدق ما يدعوا صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!