Top
Image Alt

جلب المصلحة ودرء المفسدة في المعاملات

  /  جلب المصلحة ودرء المفسدة في المعاملات

جلب المصلحة ودرء المفسدة في المعاملات

مستوى المصلحة المقصودة شرعًا: إن مقاصد الشريعة الإسلامية تشمل تحقيق المصالح ودرء المفاسد في الدارين، فمن أنكر ما اشتملت عليه الشريعة من المصالح والمحاسن، والمقاصد التي للعباد في المعاش والمعاد فهو مخطئ ضال. وبناءً على هذا الشمول، كان أبرز صفة من صفات الشرائع الإلهية بإجماع علمائها، أنها جاءت لما فيه صلاح الناس، في معاشهم ومعادهم، أي: يلزم من تطبيقها حصول السعادة لهم في الدارين. والمقصد العام من التشريع في باب المعاملات يلزم بحفظ نظام العالم وضبط تصرفات الناس فيه، على وجهٍ يعصم من التفاسد والتهالك. ووجه تحقيق هذا المقصد، النظر المصلحي عند الرجل في مستوييه، مستوى جلب المصلحة ودرء المفسدة، ومستوى تحقيق القول في المصلحة المقصودة شرعًا. أولًا: مستوى جلب المصلحة ودرء المفسدة: يتأكد هذا الجلب في باب المعاملات المدنية من خلال مظهرين أساسيين، مظهر ضبط الحقوق في المعاملات، وضبط رفع التعارض بين المصالح. مظهر ضبط الحقوق في المعاملات: يطلق الحق لغة: على المال، والملك، والموجود الثابت، وكل استعمالاته اللغوية تدور حول معنى الثبوت والوجوب، لم يعتنِ فقهاء الإسلام بإعطاء تعريف منضبط للحق في الاصطلاح الشرعي، فنجدهم يطلقونه في بعض الحالات على جميع الحقوق المالية، وغير المالية، فيقولون: حق الله، وحق العبد، وفي حالات أخرى يطلقونه على مرافق العقار، كحق المسيل، وحق الطريق. أما علماء الأصول، فقد تناولوا الحق في باب المحكوم به من أبحاثهم فقسموه إلى قسمين: القسم الأول: حق الله وهو ما يتعلق به النفع العام لجميع العالم، فلا يختص به واحد دون آخر، وإضافته إلى الله تعالى لعظيم خطره وشمول نفعه. القسم الثاني: حق العبد وهو ما يتعلق به مصلحة خاصة. وأضاف الحنفية قسمين آخرين، هما: ما اجتمع فيه الحقان، أي: حق الله تعالى، وحق العبد، وفيه حق العبد غالب. وما اجتمع فيه الحقان، وفيه حق الله غالب. أما فقهاء الإسلام المعاصرون فمن نماذجهم، ومن نماذج تعريفاتهم ما يأتي اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفًا. لن نتناول هذه التعريفات بالتحليل تحليلًا يبرز عناصرها التكوينية من أجل تحديد ماهية الحق في الفقه الإسلامي؛ لأن هذا التحديد يستوعب كل الفقه؛ لذلك سنصرف اهتمامنا إلى استجلاء أساسها المصلحي؛ إذ كلها تؤكد على البعد المصلحي للحق؛ سواء أكان حقًّا لله أم كان حقًّا للعبد. ثانيًا: مستوى المصلحة المقصودة شرعًا: إذا كان واقع نظام العالم هو التشابك والاختلاط والتفاوت في المصالح والمفاسد، فإن التشريع الإسلامي في مجال المعاملات يقتضي ضبط المصلحة المقصودة منه، فالمصلحة جنس كما تصدق على المحققة والمطردة، والغالبة، قد تصدق أيضًا على المظنونة والنادرة، ناهيك عن تفاوتها من جهة قوة أو ضعف آثارها في الصلاح، ومن جهة العوارض الطارئة أو إلحاقه بها. وتستقي الاعتبارات التي انبنى عليها هذا التقسيم مشروعيتها من تصوّر نظري معين، فحواه: أن الشرعية في مجال المعاملات جاءت لإقامة نظام المصالح الدنيوية في المجتمع، ولا علاقة لهذا النظام بنظام المصالح الأخروية؛ لأن الشرائع لا تُحدّد للناس سيرهم في الآخرة، ولكن الآخرة جعلها الله جزاءً على الأحوال التي كانوا عليها في الدنيا. وجه هذا التصور النظري لنظام المصالح طبيعة الاعتبارات التي رُوعيت في التقسيم المصلحي لدى ابن عاشور وذلك من الوجه الآتي: فلما كانت شرعية الإسلام منظمة للمصالح الدنيوية، كانت الاعتبارات التي تؤسّس تقسيمها اعتبارات مجتمعية دنيوية محضة، فآثار المصلحة في قوام أمر الأمة، وتحقق الاحتياج إليها وتعلقها بعموم الأمة أو جماعاتها، أو أفرادها كلها اعتبارات تمثل الأصول المجتمعية التي يقوم عليها نظام المصالح في المجتمع الإسلامي. وترجع الاعتبارات التي في ضوئها قسّم الإمام ابن عاشور المصلحة إلى مجال التعامل الواقع بين البشر في إطاره المجتمعي، أن هذا التصور النظري إزاء المصالح، موجه بصورة أكبر إلى المجتمع والأمة. التأصيل السياسي، والتأصيل التشريعي: إن التأمل في التقسيم المذكور يؤدي بالباحث إلى أنه إزاء تأصيلين للمصلحة، اصطلحت على تسمية الأول بالتأصيل السياسي، والآخر بالتأصيل التشريعي. لا يخفى أن من مقاصد الشرعية عند ابن عاشور، أن تكون الأمة الإسلامية قوية مرغوبة الجانب مطمئنة البال، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا أقيم جهاز تنفيذي يسهر على سياسة المصالح فيها. المصلحة الضرورية: إن قليلًا من التأمل في تعريف ابن عاشور لحفظ هذا الضرب من المصالحة، يبين مباينته للتعريف السائد عند الأصوليين، والذي اختصره الشاطبي بقوله: “إنها ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا؛ بحيث إذا افتقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فسد وتهارج وفوت حياة وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين. وجه المباينة أن المصالح الضرورية عند ابن عاشور، هي التي إذا افتقدت؛ اختلَّ نظام الأمة في الدنيا، ، فالضروريات لا المصالح إذن: راجعة إلى كل ما من شأنه إقامة النظام الأصلي لنوع إنسان، وهو الذي به يمتاز حاله عن أحوال جنسه امتيازًا أوليًّا. إن استمرارية إقامة النظام، يستلزم حفظ هذا الصنف من المصالح بالنسبة لآحاد الأمة، وبالنسبة لعموم الأمة بالأولى، كما أنه ليس حفظها فقط بشرع القصاص، والديات في النفس والأطراف، بل معنى الحفظ هو: حفظ أرواح الناس من التلف أفرادًا وجماعات. التأصيل السياسي للمصلحة: فإذا كان الشرع قد شرع ما يقيم هذه الحياة، فإن إقامة الحفظ يستلزم من الهيئة الاجتماعية -ممثلة في ولاة أمورها- إفراغ هذه التشريعات في إجراءات تنفيذية، تقاوم كل ما من شأنه الإخلال بهذا الأصل المقرر في الشرع عند طريق الاستقراء. إننا إزاء تأصيل سياسي بمعاني حفظ الضروريات؛ لأن المستقرئ لمعاني حفظها عند ابن عاشور، يتبين: أن الذي يتولى تحقيقها هو السلطة السياسة في نظام المجتمع، فهذه السلطة بإجراءاتها القائمة على إبقاء وسائل تلقي الدين من الأمة حاضرها وآتيها، ويرفعها كل ما من شأنه نقض أصول الدين القطعية، وهي المسئولة الأولى على حفظ دين الإسلام على مستوى الأفراد بتجلية ما يفسد اعتقاد الناس، وعلى مستوى عموم الأمة بحفظ بيضتها، والذَّبِّ عن حوزتها. كما تتوجه السلطة السياسية بإجراءاتها إلى حفظ العقول عن عدم انضباط التصرف، ومن تفشّي كل ما يفسدها. ومن وظائف السلطة السياسية أيضًا: حفظ الأموال من الإتلاف، ومن الخروج إلى أيدي غير الأمة بدون عوض، سواء أكان مالًا فرديًّا، أو مالًا عامًّا، وكذلك في جانب النسب، في حفظه من التعطيل، ويكون ذلك بحفظ ذكور الأمة من الاختصاء، ومن ترك مباشرة النساء، وبحفظ إناث الأمة من قطع أعضاء الأرحام التي بها الولادة، ومن تفشي إفساد الحمل. المصلحة الحاجية: وهي المصلحة التي ينتظم بها نظام الأمة على وجه حسن، وإذا فقدت لم يتعرض للاختلال، والملاحظ في أمثلة ابن عاشور أنها انحصرت في المعاملات والأنكحة، ويوكل توكيل هذا النوع من المصلحة إلى مقتضيات سياسات الحكومة، مراعية في ذلك مقاصد التوسعة على الناس، ورفع الحرج عنهم في تصرفاتهم التي يأتون بها في مجال المعاملات. المصلحة التحسينية: ويبدو من تعريفها ومن أمثلتها، أن مقصد الشارع من الحفاظ عليها هو إظهار الأمة بالصورة التي ترغب الأمم الأخرى في الاندماج فيها، أو في التقرب منها، وهذا الحفظ كما يوكل تنفيذه إلى السلطة السياسية، يوكل أيضًا إلى كل مكلف، كما في المصالح التحسينية الفردية. التأصيل التشريعي للمصلحة: إن المقصد الأساسي من بيان هذا القسم، هو الاستدلال على حُجية المصالح المرسلة، فمعرفة أصناف مصالح هذا القسم من شأنها أن تكوّن لدى الباحث إمكانية التصور للمصلحة المقصودة في الشرع، حتى إذا وردت حوادث منفردة أمكن تغييرها بحسبه، فنعطيها أحكامها الشرعية اللائقة بها. ومعنى الإرسال: عدم إناطة الشارع لجملة من الحوادث حكمًا منصوصًا معينًا، كما لا نجد لها نظيرًا في الشرع، حتى نلحقها. فإذا أجمع العلماء على شمول الشرعية للضروريات والحاجيات والتحسينات، لم يبقَ مجال للتردد فيها ولا التشكيك في حجيتها. والفرق بين المرسلة وبين القياس، أن النصوص في القياس تشهد لعين المصلحة في الواقعة المعروضة، في حين أن الذي تشهد له النصوص في المصلحة المرسلة، هو جنس المصلحة في تلك الواقعة، وتشترك الأخيرة مع القياس، في أن كلًا منهما استدلال بمعقول النصوص، وليس شيئًا خارجًا عنها.

error: النص محمي !!