Top
Image Alt

جماعة أنصار السنة المحمدية

  /  جماعة أنصار السنة المحمدية

جماعة أنصار السنة المحمدية

أ. التعريف بها وبمؤسسها:

جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية جماعة إسلامية سلفية قامت في مصر أولًا، ثم انتشرت في غيرها للدعوة إلى الإسلام على أساس من التوحيد الخالصة والسُّنَّة الصحيحة؛ لتطهير الاعتقاد ونبذ البدع والخرافات، كشرط لعودة الخلافة ونهضة الأمة الإسلامية، وقد أسسها العلامة الشيخ محمد حامد الفقي -رحمة الله تبارك وتعالى عليه، وقد بدأ الشيخ محمد حامد الفقي حياته العلمية بحفظ القرآن الكريم؛ حيث أتم حفظه في شهر رمضان من عام ألف وثلاثمائة واثنين وعشرين من الهجرة النبوية، وكان عمره وقتذاك اثني عشر عامًا، وقد هيأه والده لتلقي العلوم بالأزهر على الطريقة التي كانت متبعة آنذاك، وقد بدأ دراسته بالأزهر، وكان يحب أن يقيد حنبليًّا إلا أنه لأسباب ما انتسب للأزهر حنفيًّا.

وبعد أن أمضى بالأزهر قرابة الست سنوات بدأ في دراسة الحديث والتفسير، ولما أمعن الشيخ في دراسة الحديث على الوجه الصحيح دعا إلى التمسك بسُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم لفظًا ومعنًى وروحًا، فالتف حوله نفر من إخوانه، واتخذوه شيخًا لهم، وهذا يدل على بلوغ الشيخ المبكر؛ حيث لم يتجاوز عمره في تلك الأثناء ثمانية عشر عامًا -رحمه الله تبارك وتعالى.

وفي عام ألف وثلاثمائة وست وثلاثين من الهجرة النبوية تخرج -رحمه الله- في الأزهر؛ حيث نال شهادة العالمية وكان عمره  خمسة وعشرين عامًا، وانقطع منذ تخرجه لخدمة كتاب الله تعالى وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وكان -رحمه الله- عالمًا وباحثًا ومحققًا يغوص في جنبات المسألة العلمية ويذكر غورها، ويخرج منها، وقد ألمَّ بكل ما يعلق بها، وكان حريصًا على اتباع الكتاب والسُّنَّة، نابذًا للتقليد ومحذرًا عنه، وكان مفسرًا بارعًا محبًّا للقراءة، يعكف الساعات الطوال على الكتب كي ينقب ويبحث ويقارن وكان خطيبًا لسنًا يمتاز بصدق التعبير وجزالة الأسلوب وقوة وفصاحة المنطق وكانت دعوته -رحمه الله- تخالط شغاف القلوب وتلمع فكرته أمام العقل دون إيهام وشبهة.

وكان مُحبًّا للتراث الإسلامي ينقب عنه ويسعى جاهدًا إلى نشره، قال الشيخ فتحي أمين عثمان -وكيل جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية سابقًا وعضو الجماعة الآن- يقول عن الشيخ حامد -رحمه الله-: لقد كانت آخر آية فسَّرها: {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشّرّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} [الإسراء:11].

وقد اعتنق الشيخ محمد أحمد أبو الفتوح مذهب السلف -رحمه الله تعالى، وذلك لاهتمامه بالقراءات لعلماء السلف من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى- وغيرهم من علماء التوحيد وأئمة الهدى، وعني بكتبهم ومؤلفاتهم وطبعها ونشرها بين المسلمين؛ ولهذا ظهر ميول الشيخ لمذهب السلف وتأثر بعلمائه واتبع المنهج الحق الذي جاء من عند الله -تبارك وتعالى.

وقد عَبَّرَ الشيخُ نفسه عن هذا التحول في حياته بقوله: “ولقد كنت في حياتي الأولى سالكًا مع السالكين، وملبسًا مع الملبسين، ومخرفًا مع المخرفين، وداعيًا إلى البدعة والجاهلية وعبادة الموتى والخشب والنصب مع الداعين، فهداني الله إلى نور الهدى، وكشف عن بصيرتي حجب الجهل والعمى، وبصرني بنور الحق من كتاب الله وسنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم ووفقني بفضله إلى سبيل السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وأنقذني بذلك من طريق الردى، فذقت من يومئذ حلاوة التوحيد الخالص والإيمان، وتحققت الفرق العظيم بين الحق والباطل والهدى والضلال، وبين توحيد الأنبياء والمرسلين وتوحيد المشركين والجهمية المعطلين، وغير آيات الله وحديثه رسوله صلى الله عليه وسلم، وبين شبهات المبطلين وزخارف المفترين، وعرفت لله تعالى منته العظمى في تلك الهداية ونعمته الكبرى في هذا التوفيق”.

وقد كانت للشيخ -مؤسس الجماعة- علاقة متميزة مع جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس الملكة العربية السعودية -رحمه الله تعالى، وما ذلك إلا لما رآه في الشيخ من غيرة وهمة لنشر مذهب السلف الصالح وما رآه من تأثره بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تبارك وتعالى، وقد كان الملك عبد العزيز محبًّا لعقيدة السلف ساعيًا في نشرها مجاهدًا في الدفاع عنها.

وقد ذكر الشيخ حامد أنه كان يحضر بعض جلسات الملك عبد العزيز وقد عينه مديرًا لإدارة الطبع والنشر بمكة المكرمة عندما كان مقيمًا بأم القرى، يظهر كل ذلك فيما ألفه الشيخ محمد حامد الفقي في تلك الرسالة المسماه: “أزهار من رياض سيرة الإمام العادل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود”.

كما كانت له علاقة متميزة مع علماء نجد وحجاز، فكانوا يتبادلون النسخ النادرة من تراث السلف الصالح مثل الشيخ الفاضل محمد نصيف، رحمه الله.

كما كان للشيخ حامد وقفات جادة ومشاركات فعالة في القضايا الوطنية والقومية، فقد شارك مع أبناء مصر في المعارك ضد المحتل: يقول الأستاذ محمد رشدي خليل: “ساهم الشيخ حامد مع أبناء وطنه في المعارك التي خاضوها ضد المستعمر مطلع أيام الحرب العالمية الثانية، كان يقوم في جوف الليل بطبع المنشورات ضد الإنجليز والاحتلال البريطاني”.

وقد أسس الشيخ -رحمه الله- لذلك جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية التي سنتحدث عنها فيما بعد بالتفصيل، ونختم الحديث عن مؤسس هذه الجماعة؛ حيث توفي -رحمه الله- عند فجر الجمعة السابع من شهر رجب في سنة ألف وثلاثمائة وثمانٍ وسبعين من الهجرة النبوية، وعندما اقترب أجله طلب ماءً للوضوء ثم صلى ركعتي الفجر بسورة الرعد كلها، وبعد ذلك طلب من إخوانه أن يُنقل إلى دار الجماعة حيث توفي بها -رحمه الله تبارك وتعالى.

وقد نعاه رؤساء وعلماء من الدول الإسلامية والعربية، وقد جاء نعيه في جريدة الشعب بعنوان: فقيد العروبة والإٍسلام الشيخ محمد الفقي، منوهين بجهوده في الدعوة إلى الله وحرصه على تعليم الناس سنة النبي صلى الله عليه وسلمفي جميع شئون حياتهم.

ب. أبرز الشخصيات في الجماعة:

الشخصيات في جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية كثيرة وبعضهم تواكب على رئاستها بعض وفاة مؤسسها -رحم الله الجميع، ومن أوائل البارزين في هذه الجماعة فضيلة العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله تبارك وتعالى، والذي حصل على شهادة التخصص في الفقه وأصوله وهي تعادل الماجستير، ثم حصل على العالمية وهي تعادل الدكتوراة من جامعة الأزهر، وعمل مدرسًا في المعاهد العلمية الأزهرية، كما عاصر تأسيس الجماعة، ويعد الشيخ -رحمه الله- من كتاب العدد الأول في مجلة الهدي النبوي التي كانت تصدرها الجماعة، وهو واحد من هيئة كبار علمائها، واختير -رحمه الله- ليكون نائبًا أولًا لرئيس الجماعة في الوقت الذي كان يشغل رئيس الجماعة لفرع محرم بك بالإسكندرية.

ومن طلب خاص من مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- سافر الشيخ ومعه الشيخ محمد خليل هراس إلى السعودية للتدريس بدار التوحيد بالطائف، وفي عام ألف وثلاثمائة وسبعين هجرية نقل للتدريس بالمعاهد العلمية وكلية الشريعة بالرياض، وفي الرابع والعشرين من شهر صفر من عام ألف ثلاثمائة وتسع وسبعين من الهجرة النبوية اختير الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله- بالإجماع رئيسًا عامًّا للجماعة خلفًا للشيخ محمد حامد الفقيه بعد وفاته -رحمه الله تبارك وتعالى.

ثم انتدب بعد ذلك الشيخ عبد الرزاق عفيفي مرة أخرى للتدريس في المملكة العربية السعودية، وتدرج في سلك التدريس إلى أن أصبح مديرًا للمعهد العالي للقضاء، كما شارك في اللجان المتخصصة لوضع مناهج التعليم بالمملكة، وفي عام ألف وثلاثمائة وواحد وتسعين من الهجرة النبوية نقل إلى الإدارة العام للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وعُين نائبًا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء مع جعله عضوًا في مجلس هيئة كبار العلماء للملكة العربية السعودية، والذي ظل يشغله حتى يوم وفاته في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة وخمسة عشر من الهجرة النبوية.

أيضًا من العلماء البارزين والشخصيات المعروفة المعلومة في جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية: الشيخ عبد الرحمن الوكيل، الذي تلقى تعليمه في الأزهر وحصل على الإجازة العالية من كلية أصول الدين؛ ولم يكمل دراسته العليا لمرض ألم به رغم ما يتمتع به من سعة الاطلاع وقوة اللغة ووضوح المعنى وجمال البلاغة، وقد التحق بجماعة أنصار السُّنَّة المحمدية وترقى إلى أن أصبح وكيلًا أولًا للجماعة.

وزادت مكانته الخاصة عند الشيخ محمد حامد الفقهي، وقد عرفه قراء مجلة الهدي النبوي التي كانت تصدرها الجماعة بقدرته الفائقة على الإقناع وإفحام خصومه من أصحاب الطرق وأهل الأهواء والفرق من قاديانية وبهائية وغيرهم من خلال سلسلة الأبحاث التي كان يحررها تحت عنوان الطواغيت؛ ولذلك لقَّبَهُ قراءُ المجلة بهادم الطواغيت، مما عرضه ذلك للتحقيق أمام النيابة العامة بسبب شكاوى مشايخ الطرق الصوفية ضده، وقد ردَّ على كل ذلك في كتابه “رسالة إلى شيخ مشايخ الطرق الصوفية”، وقد صدر فيما بعد ذلك بعنوان “هذه هي الصوفية”.

وقد انتدب الشيخ للعمل بالمعهد العلمي بالرياض، وبعد أن ترك الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله تبارك وتعالى- الجماعة لسفره إلى المملكة العربية السعودية، انتخب الشيخ عبد الرحمن الوكيل رئيسًا عامًّا للجماعة -رحمه الله تبارك وتعالى- وانتخب فضيلة الإمام محمد خليل حراس نائبًا له.

أيضًا من أبرز الشخصيات في الجماعة الشيخ محمد عبد المجيد الشافعي -رحمه الله تبارك وتعالى- المعروف برشاد الشافعي، ويُعد الشيخُ رشاد من المؤسسين للجماعة؛ حيث هو المؤسس الثاني للجماعة بعد أن أدمجت مع الجمعية الشرعية في فترة من الفترات، فأعادها الشيخ رشاد الشافعي -رحمه الله؛ لذالك يعد هو المؤسس الثاني للجماعة، وهو الذي أعاد إصدار أو أنشأ مجلة التوحيد.

كذلك أيضًا من الشخصيات البارزة في الجماعة: فضيلة الشيخ محمد علي عبد الرحيم الذي تولى رئاسة الجماعة في حياة الشيخ رشاد الشافعي، وكذلك أيضًا الشيخ محمد صفوت نور الدين -رحمه الله تعالى- الذي انتخب رئيسًا للجماعة خلفًا للشيخ محمد علي عبد الرحيم بعد وفاته، وكان من العلماء المهتمين بالسُّنَّة النبوية وعلومها، وقد تميزت فترة رئاسته بالاهتمام بإنشاء المعاهد العلمية لتخريج الدعاة وتقديم الكفالات لطلاب العلم، كما توسعت الجماعة في إنشاء المساجد وتسيير القوافل الدعوية، وإنشاء مراكز تحفيظ للقرآن الكريم، وإقامة للأسابيع الثقافية بشكل دوري في جميع فروع الجماعة، وبالتالي نجد أن هناك علماء لهم باع طويل في العلم كانوا من الشخصيات البارزة في أنصار السنة المحمدية.

ج. أصول جماعة أنصار السُّنَّة وأهدافها:

قامت جماعة أنصار السنة المحمدية على أصول أصيلة ومتينة كما كانت ترمي وتسعى لتحقيق أهداف سامية ومعانٍ نبيلة؛ سالكة في تحقيق ذلك أجدى الطريق وأسمى الوسائل، وقد انطلقت الجماعة منادية بهذه المبادئ حريصة على تحقيق هذه الأهداف من خلال الأمور التالية:

أولًا: الدعوات إلى التوحيد الخالص المُطَهَّر من جميع أرجاس الشرك وأدرانه وشوائبه: قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله- وهو من أبرز أئمة وعلماء هذه الجماعة، قال: العقيدة إيمان الراسخ بأن الله رب كل شيء وملكيه خلقًا وتقديرًا وملكًا وتدبيرًا، وأن العبادة بجميع أنواعها حق له وحده لا يشركه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فله سبحانه الأسماء الحسنى والصفات العلى التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة الصحيحة.

ويقول أيضًا: ونحن إذا رجعنا إلى الوراء، إلى اليوم الذي بدأ الله به بإرسال الرسل للناس؛ لوجدنا أن دعوة أنصار السُّنَّة بأهدافها ومقاصدها هي دعوة الرسل جميعًا من نوح إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم.

فإن دعوة جميع الرسل والأنبياء لم تكن لِتحمل في أصولها وجوهرها أول الأمر الدعوة إلى تحريم تعاطي الخمر أو لعب الميسر أو اجتناب الفواحش مثلًا؛ وإنما كانت تحمل الدعوة إلى توحيد الله تعالى عن طريق تحقيق كلمة التقوى لا إله إلا الله، وهي كلمة تأمر الناس بالكفر بالطواغيت والأصنام وإخلاص العبادة لله وحده دون سواه وإفراده بالألوهية الخاصة.

وقد بيَّنَ الله تعالى هذا في قوله سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ} [النحل: 36]، وكما قال تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في شأن دعوة الرسل: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ إِلاّ نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

وبهذا أخبرنا الله تعالى أن المهمة الأولى لجميع الأنبياء والرسل: هي دعوة أقوامهم لنفي الألوهية عن كل مخلوق مهما علت مكانته، وعظم شأنه وإثباتها لله الواحد الفرد الصمد، وقد جاءت أكثر الآيات في كتاب الله تنعى على المشركين تأليههم غير الله وتذكِّرَهُم بنعمة الله تعالى عليهم وهي نعم كثيرة فياضة، وتخبرهم أنه وحده المستحق للعبادة الجدير بالألوهية، وأن الله تعالى ما غضب على قوم من الأقوام ولعنهم وعذبهم إلا لإصرارهم على التردي في هاوية الشرك، واستكبارهم عن إفراد الله وحده بالعبادة.

أما عقيدتهم في الأسماء والصفات التي يدعون إليها: فهي توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالله له الأسماء الحسنى والصفات العليا لا يماثله فيها أحد من خلقه، وتسميته سبحانه بما سمي به نفسه وما سماه به رسول الله صلى الله عليه وسلمووصفه به يجب أن نثبته كما جاء من عند الله، وأن نحذر من مذاهب أهل الزيغ والتعطيل الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، وفي أسمائه وصفاته يلحدون، ويزعمون كذبًا أنهم له ينزهون.

ومتى كان تعطيل الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسُّنَّة تنزيهًا أو جحدها تعظيمًا، إنما التعظيم الحق أن تثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسول الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه هي عقيدة ودعوة أنصار السُّنَّة المحمدية في باب أسماء الله وصفاته.

وقد شرح بعض علماء أنصار السُّنَّة الأسباب الشرعية التي دفعتهم إلى تركيز دعوتهم إلى التوحيد، فذكروا أنه هو دعوة جميع الرسل، وهو الذي تقوم عليه الأعمال، ويتوقف عليه دخول الجنة، إلى جانب أن الحالة التي كان عليها المجتمع قبيل نشأة جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية -ومن ذلك الاعتقاد في المشايخ أصحاب المقامات والأضرحة من أنهم يكشفون القربات ويغيثون الملهوف ويكشفون الضر عن المتضررين وغير ذلك- كل هذا دعا علماء أنصار السُّنَّة المحمدية ودفعهم إلى الاهتمام بعقيدة التوحيد والدعوة إليها.

ثانيًا: من أصولهم الدعوة إلى حُبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حبًّا صادقًا صحيحًا يحمل على اتخاذه مثلًا أعلى وأسوة حسنة، وأن نقتدي به في عباداته ومعاملاته وأخلاقه، وأن نجتنب كل ما لم يكن من أمره وأمر أصحابه، كذلك يجب علينا أن نقدم قوله صلى الله عليه وسلم على كل قول أيًّا كان قائل هذا القول، قال تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ} [الحشر: 7].

وقد اهتمت جماعة أنصار السُّنَّة بالدعوة إلى هذا الأصل؛ لأن السواد الأعظم من المسلمين في ذلك العهد قد انسلخوا من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع سنته، وأصبحت صلتهم به صلى الله عليه وسلم تنحصر في مجرد التلفظ بشهادة أن محمدًا رسول الله والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم حين ذِكْرِهِ، وفي الحقيقة: هذه شهادة جوفاء فارغة عن جميع مستلزماتها ومقتضيتها التي بينها العلماء؛ لأن من مقتضيات هذه الشهادة طاعته صلى الله عليه وسلم فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.

ولكن انصرف كثير من الناس عن اتباع الهدي النبوي، وفرَّغُوا حياتَهم من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصبح الكثير من الناس يميل إلى تقليد الغرب في كثير من أنماط الحياة؛ في الزواج والأفراح والأتراح والحل والترحال، وفي طريقة اللباس المأكل المشرب وما إلى ذلك، وأصبح التعبير عن حب الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفًا لهديه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه من إقامة الموالد والتغنى فيها بالأذكار البدعية، وضرب الطبول والرقص والمجون واختلاط الرجال بالنساء، وهذا كله باطل؛ لأن حب النبي صلى الله عليه وسلم يستلزم أن نطيعه وأن نقتفي أثره وأن يكون هو القدوة صلى الله عليه وسلمفي كل ما نأتي وما نذر.

ثالثًا: الدعوة إلى أخذ الدين من نبعيه الصافيين: القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الصحيحة؛ لأن الناس لن يسعدوا في الدنيا ولن تكون لهم نجاة في الآخرة، إلا بفهمهما واتباعهما، وما عداهما من أقوال الناس يحتمل الخطأ والصواب، فالصحيح ما حَكما بصحته، والباطل ما حَكما ببطلانه أيًّا كان قائله، ومهما نال من نفوس الجماهير من إجلال وإكبار، فالدين هو الجزء المنتظر للعبد يوم القيامة وهو يترتب ثوابًا وعقابًا على مبلغ التمسك بقول الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الانحراف عنهما.

وتظهر أهمية هذه الدعوة في أن المسلمين في تلك الآونة قد انقسموا إلى فرق وأحزاب وطوائف متصارعة متدابرة متباغضة، وكل فرقة تنتسب إلى شيخ أو مؤسس، وتدعي أنها هي الوحيدة على الجادة وعلى الصراط المستقيم، كما تدعي أنها على نهج الكتاب والسُّنَّة، ولكن عند التحقيق يتبين أنها متعصبة لشيخها أو لطريقتها، بعيدة كل البعد عن المنهلين الصافيين الكتاب والسُّنَّة، ولا شك أن من ابتغى الهدى في غيرهما أضله الله: روى الحاكم في (مستدركه) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما أبدًا: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض)).

فالرسول صلى الله عليه وسلم قد ضمن الهداية وعدم الضلال لمن تمسك بهما، وجماعة أنصار السُّنَّة المحمدية، عندما رأت ابتعاد الناس عن أخذ دينهم من الكتاب والسُّنَّة، وتعصبهم لبعض المشايخ والمفكرين وغيرهم، اجتهدوا في ترك هذا الباب لإرجاع الناس إلى المصادر الأصلية والمنابع الصافية.

رابعًا: والأصل الرابع من أصول هذه الجماعة هو إرشاد الناس إلى أن نصوص الكتاب والسُّنَّة لا محيد عنها ألبتة، وأن الدين لله محصور في هذه النصوص التي أوحاها الله -تبارك وتعالى- منهجًا لخلقه في دينهم ودنياهم على فهم سلف الأمة وألزمهم اتباعها، ونهاهم عن اتباع ما تشابه منها ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فمن اطمئن قلبه بالإيمان؛ وسعه ما وسع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم بإحسان، فكل هراء الصوفية وتأويلاتهم وشطحاتهم ودعواهم بأن للقرآن والسنة ظاهرًا وباطلًا إن هو إلا دجل وكذب صريح على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم دسه أعداء هذه الملة للقضاء عليها.

خامسًا: الدعوة إلى مجانبة البدعة ومحدثات الأمور والوقوف عند قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد))، فكل ما جاء به في حياته؛ فهو دين إلى قيام الساعة، وما لم يأتِ به، فليس بدين إلى يوم القيامة، لقوله تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3].

ودعا إلى هذا الأصل والهدف ما كان سائدًا ومنتشرًا من كثرة البدع ومحدثات الأمور من إقامة الموالد للمشايخ، وإقامة حلقات الذكر الجماعي وما يصاحب ذلك من ضرب على الطبول والدفوف مع الرقص والتمثيل وإحداث أذكار معينة تقال بعد الصلوات بصورة جماعية أو عند مراسيم دفن الموتى وما إلى ذلك.

وقد قال الشيخ أبو الوفاء درويش -رحمه الله- مبينًا أهمية هذا الأصل عند الجماعة: ومن أخص أهدافها مكافحة البدع ومحدثات الأمور التي فتن بها كثيرًا من الناس وخُيِّلَ إلى بعضهم أنها تزيدهم تعبدًا لله وزلفى لدينه وصرفهم عن تدبر قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، ولم يزل بهم يعدهم ويمنهم ويزيدهم في الغي والضلال؛ حتى طغت البدع على السنن، وظن سواد الأمة أن الدعوة إلى محاربتها زندقة وإلحاد، ونظروا بعين العداوة والبغضاء إلى من يدعو إلى اعتناق السُّنَّة ومجانبة البدعة.

سادسًا: إرشاد الناس إلى ارتباط حياتهم الدنيوية بالأخروية أوثق رباط، فالحياة الدنيا مزرعة الأخرى، ومدار ذلك على كتاب الله تعالى؛ تلاوة وفهمًا وتدبرًا وعملًا، والحذر -كل الحذر- من الشرك والكفر والمبادرة إلى الإيمان والعقيدة والتوحيد والعبادة والتخلق بما يدعو إليه القرآن من خلق، وعلى الأمة أن تستمد العبرة والذكرى منه قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لّتُنذِرَ أُمّ الْقُرَىَ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنّةِ وَفَرِيقٌ فِي السّعِيرِ} [الشورى: 7]، وقال تعالى مبينًا أثر القرآن في النفوس: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ} [الأنعام: 122]، فكل قلب لم يحي بالقرآن فهو ميت؛ وكل قلب لم يَسْتَنِرْ بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم  فهو مظلم.

وعلى ذلك، فاتخاذ القرآن حجبًا يَتوهم فاعله أنها تشفي من الأمراض وتقي من العين، أو من يقتني القرآن للبركة أو من يقرؤه في جنازة الموتى، أو على قبورهم، كل ذلك ليس من غرض القرآن ولا هدفه؛ لأن القرآن الكريم دعوة وإرشاد للعمل به في الدنيا بما يرضي رب العزة والجلال؛ ليصل العبد بعد ذلك إلى الآخرة وقد عبد ربه على نور وبرهان، ولا شك أن الدنيا مزرعة الآخرة، فمن عمل فيها بغير القرآن والسنة؛ فقد خسر والعياذ بالله -تبارك وتعالى.

سابعًا: إرشاد الناس إلى أن الله تعالى وصف الخير ووعد فاعله بالخير والمغفرة في الدنيا والآخرة، ووصف الشر وأنذر آتيه اللعنة وسوء الدار، ولم يعين أشخاصًا بأعينهم ولا أمة بذاتها؛ بل الناس أمام هذا المبدأ السامي سواء؛ لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى: {مّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46].

ثامنًا: إرشاد الناس إلى أن الحكم بغير ما أنزل الله هلكة في الدنيا، وشقوة في الآخرة، وأن الله عز وجل أعلم بمصلحة عباده فأنزل لهم شرعًا يحيط بهذه المصلحة من جميع جهاتها، فكل مشرع سوى الله عز وجل في أي شأن من شئون الحياة فهو معتد على الله -تبارك وتعالى- منازع لله في حقوقه التي ينبغي أن تكون له خاصة، وقد سمى الله ذلك شركًا بقوله بهذا الأسلوب الإنكاري: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مّنَ الدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللّهُ} [الشورى: 21] وقال سبحانه: {اتّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ} [التوبة: 31].

د. تأثر جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

تأثرت جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية وغيرها من الجماعات السلفية في القرن الرابع عشر الهجري بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أمر ظاهر وجلي، شأنها في ذلك شأن الحركات الإصلاحية التي قامت في العالم الإسلامي متأثرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كحركة الشيخ عثمان بن فدية الفولاني في غرب أفريقيا، ويمكن إبراز وجود التأثر من خلال الأمور التالية:

أولًا: الأصول والمبادئ والأهداف المعلنة في برنامج وميثاق الجماعة التي يظهر فيها بوضوح وجلاء التشابه بينهما وبين الأصول والأهداف التي قامت عليها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وذلك كالدعوة إلى التوحيد الخالص، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة والشعائر والشرائع ومحاربة الشرك والبدع والخرافة والشعوذة والدجل.

وهذه المبادئ -وإن كانت قد ظهرت مع مناهج الأنبياء والرسل قديمًا ومع بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم إلا أن هناك علماء ربانيين كانوا يحيون هذه المبادئ بعد اندراسها، ويجددون هذا الدين، ومنهم: العالم المصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني الهجري، وقد استفاد منهم مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية، وغير ذلك من أصحاب الدعوات السلفية في العالم الإسلامي.

ثانيًا: إشارة بعض الباحثين الذين كتبوا عن آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج الجزيرة العربية إلى تأثر جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية في مصر بدعوة ابن عبد الوهاب، ومن هؤلاء أستاذ محمد كمال جمعة الباحث بدارة الملكة عبد العزيز، إذ يقول: وهناك أيضًا جمعية أنصار السنة المحمدية، وهم متمسكون بالكتاب والسُّنَّة، وكان يرأسها الشيخ محمد حامد الفقي، وقد ذكر ذلك أيضًا الدكتور محمد فتحي عثمان، فقال: وثمة صور أخرى لتأثير الدعوة السلفية التي اضطلع بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجماعات الإسلامية المعاصرة، وأولى هذه الصور قيام جمعيات أنصار السُّنَّة بوجه خاص والجمعيات السلفية بوجه عام في أنحاء العالم الإسلامي، تدعو إلى التمسك بالكتاب والسُّنَّة، وتحارب ما طرأ على العقيدة الإسلامية من انحرافات تصل إلى الشرك أحيانًا.

كما يقول الدكتور محمد سلام مدكور: ومن أبرز الدعوات التي تأثرت بمبادئ محمد بن عبد الله في العصر الحديث جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية في مصر، فهذه الجماعة قد سارت على نهج هذا الداعية المصلح ودعت إلى محاربة البدع وإحياء السُّنَّة وبخاصة بما يتعلق بالعبادات.

ثالثًا: كتابات رؤساء جماعة أنصار السُّنَّة وكبار دعاتها عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وآثارها في الجزيرة العربية وسائر أنحاء العالم الإسلامي، ومن هؤلاء مؤسس الجماعة الشيخ محمد حامد الفقي كتب كتابًا بعنوان (أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني والعمراني في جزيرة العرب وغيرها).

ومن الكتب أيضًا التي كتبها علماء أنصار السُّنَّة عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مما يبين تأثر هذه الجماعة بدعوة الشيخ -رحمه الله- الدكتور محمد خليل هراس نائب رئيس جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية في عهد رئيسها الشيخ عبد الرحمن الوكيل؛ حيث كتب كتابًا بعنوان (الحركة الوهابية)، وهو عبارة عن رد على مقال للدكتور محمد البهي في نقد الوهابية.

كذلك أيضًا كتب الدكتور محمد جميل غازي -رحمه الله- نائب رئيس جماعة أنصار السُّنَّة في عهد رئيسها الشيخ محمد عبد المجيد الشافعي، والذي كتب رسالة بعنوان (مجدد القرن الثاني عشر العَالِم المصلح شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب)، والذي يظهر تأثره بدعوة الشيخ من عنوان الرسالة؛ إذ يصف الشيخ -رحمه الله- بأنه عَالِم ومصلح وأنه مجدد القرن الذي عاش فيه.

هـ . أفكار ومعتقدات أنصار السُّنَّة المحمدية:

إذا أردنا أن نعرف أفكار ومعتقدات أنصار السُّنَّة المحمدية، فلابد أن نشير إلى ما حددته اللائحة الداخلية للجماعة؛ حيث قد حددت هذه اللائحة أهداف الجماعة ومجمل أفكارها.

وقد لخصها الشيخ محمد حسين هاشم في رسالة المؤتمر العام لجماعة أنصار السُّنَّة المحمدية قائلًا: هذه عقيدة أنصار السُّنَّة المحمدية في مبادئها العشرة:

أولًا: نعتقد أن الأصل في الدين: هو الكتاب والسُّنَّة بفهم السلف الصالح، أما الأئمة المجتهدون والعلماء والمحدثون، فهم أئمة خدموا الإسلام أجل خدمة، وهم بمنزلة المعلمين والمبلغين، نحبهم، ونُجِلُّهم، ونعظمهم، وندافع عنهم ونتبعهم اتباع المستنير المتأمل لوجوه الاستدلال لمن يكون من أهل التأمل والاستدلال.

ثانيًا: نعتقد أن صفات الله عز وجل هي كما وصف نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة من غير تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل، ثم نكف عن الجدل في ذلك، ونسكت عما سكت عنه الصحابة والتابعون.

ثالثًا: نعتقد إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادة من نذر وحلف واستغاثة واستعانة.

رابعًا: نعتقد أن الإيمان هو التصديق الإذعاني الذي ينتج العمل ويظهر على الجوارح وكل نقص في العمل مع التمكن منه والقدرة عليه هو نقص في الإجابة بقدره، وليس الإيمان مجرد الحكم بثبوت الشيء أو إدعائه أو التلفظ به وإنما هو قول واعتقاد وأخلاق.

خامسًا: نعتقد أن البدعة الشرعية هي كل جديد في العبادات على غير مثال سابق من سُنَّة رسول والهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم.

سادسًا: نتفانى في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن نتمسك جهد المستطاع بكل ما أمر به، ونتجنب كل ما نهى عنه، وأن نكثر من الصلاة والصيام عليه وعلى آل بيته الأطهار.

سابعًا: نعتقد أنه: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)) كما جاء في الحديث، وأن الله سبحانه وتعالى يُشفِّعُ مَن يشاء في عباده لمن ارتضى، وأنه صلى الله عليه وسلم صاحب الشفاعة الكبرى، وأنه صاحب المقام المحمود والجاه العظيم يوم القيامة.

ثامنًا: نقرأ القرآن للذكر والتدبر لقوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مّدّكِرٍ} [القمر: 17]، ونعترف أن استنباط الأحكام منه يكون من اختصاص أهل العلم.

تاسعًا: نعتقد أن الدين الإسلامي جماع الخير في الدين والدنيا يريد من أهله يكونوا أقوياء محسنين في أعمالهم، حتى يكونوا ورثاء الأرض، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف)).

عاشرًا: نعتقد أن الإسلام دين ودولة وعبادة وحكم وأنه صالح لكل زمان ومكان.

و. نشأة جماعة أنصار السنة المحمدية في السودان والبلاد الإسلامية الأخرى:

1. تكوين الجماعة في السودان وأبرز مؤسيسها:

تكونت جمعية أنصار السُّنَّة المحمدية في السودان عام ألفٍ وثلاثمائة وتسعٍ وخمسين من الهجرة النبوية، وكان الشيخ الفاضل التقلاوي أولَ رئيس للجماعة ومعه الشيخ يوسف عمر أغا، والشيخ محجوب مختار، وقد ظلوا يبثون دعوتهم من خلال منزل يوسف عمر أغا، ورفعوا عليه لافتة جديدة كتبوا عليها: جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية.

ثم انضم إليهم فيما بعد الشيخُ عبد الله حمد وطه الكردي والشيخ محمد هاشم الهدية -الرئيس الحالي للجماعة، وفي عام ألفٍ وثلاثمائة وسبعة وستين من الهجرة النبوية، نُقِلَتْ دار الجماعة من منزل الشيخ يوسف عمر أغا إلى بيتٍ على شاطئ النيل استأجروه، واتخذوه دارًا لهم، وافتتحوا الدار بحفل كبير، دعوا له الشيخ أحمد الطاهر أول قاض سوداني، والأستاذ أحمد حامد مفتش أول مركز أم درمان، وبعد ذلك تقدموا بطلب إلى مفتش الحكومة البريطانية بأم درمان لتقنين الهيئة حتى تصير هيئة شرعية، ويقيموا مركزًا عامًّا ولجانًا فرعية.

وفعلًا تم التصديق لهم في عام ألفٍ وثلاثمائة وسبعة وستين من الهجرة النبوية؛ فبدأت اللجان، وتوطدت عندئذٍ علاقتهم مع المركز العام بمصر وأصبح بينهم زيارة متبادلة، يقول الأستاذ يحيي محمد عبد القادر عن جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية بالسودان، نقلًا عن مجلة (الهدي النبوي): “أنشئت هذه الجماعة في عام ألف وتسعمائة وتسعة وثلاثين ميلادية، وكان من كبار مؤسيسها طه الكردي وعبد الله حمد ومحجوب مختار وخليل صالح داود وعبد الحليم العتباني ومصطفى الغول والفاضل التقلاوي وآخرون.

وقد صار جدل كثير في السودان حول هذه الجماعة وتصدت لمحاربتها بعض الطوائف الدينية كالختمية والتيجانية، وقد استغلوا عواطف الجمهور -وبخاصة فيما يتصل بإنكار الجماعة للوسيلة؛ لأن هؤلاء المتصوفة معلوم عنهم أنهم يشجعون هذه البدع والخرافات؛ وبالتالي يتصدون ويقفون لكل من يدعو إلى الله -تبارك وتعالى- وإلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن في ذلك مخالفة واضحة لما هم عليه من بدع وضلالات.

ومن أبرز علماء هذه الجماعة ممن لهم دور بارز فيها، فضيلة الشيخ أبو زيد محمد حمزة الذي تلقى الدعوة على يد الشيخ حامد الفقي، مؤسس الجماعة في مصر، وعلى أيدي علماء الجماعة، وقد ظل بمصر حتى وفاة الشيخ الفقي -رحمه الله- فعاد إلى السودان، وأخذ ينشر الدعوة في مدينته “وادي حلفا” والمناطق المجاورة لها.

وكان للمرأة من دروسه نصيبًا؛ حيث خصص لها أماكن خاصة في دروسه؛ فالتفَّ الناسُ حوله، وزاد أتباعه مما أثار أتباع الطريقة الختمية، وفي سَنَةِ ألفٍ وتسعمائة وسبعٍ وسبعين ميلادية بثَّ التليفزيون السوداني مناظرة بينه وبين الشيخ علي زين العابدين أحد أقطاب الطريقة الختمية التي بيَّن فيها زيف مبادئهم، وبطلان معتقداتهم مما كان له أثر كبير في انتشار دعوة الجماعة أكثر في المجتمع السوداني.

ومازال للشيخ مجهود ضخم وحركة واسعة في الدعوة إلى الله تعالى رغم كبر سنه.

ومن أبرز علماء الجماعة أيضًا: الشيخ محمد الحسن عبد القادر، الذي تخرج في دار الحديث بمكة المكرمة، وتتلمذ على يد الشيخ عبد الظاهر أبو السمح، وقد تلقى الدعوة على يد الشيخ محمد الطيب وتأثر به؛ حيث كان للشيخ الطيب نشاط ملموس في الدعوة في بلدة بإريتريا، ومن ثم نشط الشيخ محمد الحسن في الدعوة مما عرضه للكثير من الصعوبات والمشاق من أصحاب الطرق الصوفية.

وأيضًا من أبرز علماء الجماعة: الشيخ مصطفى ناجي الذي انضم إلى جماعة أنصار السُّنَّة بعد أن تلقى العلم على الشيخ أبو طاهر محمود السواكني أحد علماء الأزهر.

ومنذ تأسيس أول مسجد للجماعة في الخرطوم بحي السجانة -وهو المركز العام الحالي للجماعة- تولى الشيخ مصطفى ناجي إمامة هذا المسجد، ويدعو فيه، ومن خلال منبره إلى الله -تبارك وتعالى.

كذلك من علماء جماعة أنصار السُّنَّة في السودان فضيلة الشيخ عوض البلوله، وله مساهمات فعالة في الدعوة إلى الله تعالى بإنشاء وبناء المساجد وتفقيه الناس والدعوة إلى فهم الكتاب والسُّنَّة، وتأييد أئمة علماء الجماعة ومساعدتهم فيما يحتاجون إليه، وهو يقيم أحيانًا في السودان ويقيم أحيانًا في القاهرة.

ب. انتشار جماعة أنصار السُّنَّة في بعض البلاد الإسلامية الأخرى:

انتشرت جماعة أنصار السُّنَّة في كثير من البلاد الأخرى: كالحجاز؛ لالتقائها بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله، كما أنها انتشرت في سوريا، فهناك ارتباط وثيق وعلاقة حميمة بين جماعة أنصار السُّنَّة في مصر والجماعة في سوريا، وهناك نصوص مفادها: أن هناك جماعة باسم جماعة أنصار السُّنَّة في سوريا، وفي مدينة “حلب” على وجه التحديد، كما أن نصوصًا أخرى تفيد أن هناك تعاونًا وصلات بين جماعة أنصار السُّنَّة في مصر وجماعات سلفية في سوريا، وإن لم تكن باسم جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية.

وكانت همزة الوصل بين هذه الاتجاهات هي مجلة الهدي النبوي التي تصدرها جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية بمصر في ذلك الوقت، وقد جاء في هذه المجلة في باب أخبار الجماعة:

“زار دار الجماعة أخونا المجاهد الفاضل الشيخ محمد نسيب الرفاعي الذي نشر السلفية مع إخوانه في الإقليم السوري، وهو رئيس الجماعة في حلب، ولقد لقي الأخ الجليل من جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية جميعًا في القاهرة والإسكندرية وغيرهما، ما هو أهل له من تقدير واحترام وحب وَثَّقَ عُرَاه الحبُّ في الله، والالتقاء عند هدف واحد هو وحدة المسلمين الكبرى تحت راية التوحيد”.

كما نشأت جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية في إريتريا، وكان ذلك عند وصول مجلة الهدي النبوي إليها، وقد قامت على أرضية من الدعوة السلفية كان قد أرسى قواعدها بعض حملة هذه الدعوة القادمين من الحجاز، وكان من كبار مؤسسي جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية في إريتريا رئيسها الأول: الشيخ محمد صالح طاهر، الذي تلقى تعليمه وتلقى الدعوة في مدرسة دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة على يد مؤسسها: الشيخ عبد الظاهر أبو المسح إمام الحرم المكي ومديرها: الشيخ محمد عمر عبد الهادي وممن درس عليه الشيخ عبد الرزاق عفيفي الرئيس الثاني للجماعة.

كما انتشرت دعوة أنصار السُّنَّة المحمدية في الصومال، وقد كانت أيضًا لمجلة (الهدي النبوي) أثرها الكبير في ذلك، وهذه كلها بلاد انتشرت فيها الدعوة السلفية، وقامت هناك مجالات لجماعة أنصار السُّنَّة المحمدية كان لها آثار قوية وبارزة على الدعوة السلفية في العصر الحاضر.

جـ. مجلَّات جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية:

1. مجلة (الهدي) النبوية: وقد ولدت (مجلة الهدي) النبوي بعد عشر سنوات من قيام جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية؛ إذ صدر عددها الأول في شهر ربيع الثاني من عام ألف وثلاثمائة وست وخمسين من الهجرة النبوية، يقول الشيخ محمد حامد الفقي -رحمه الله- بعد أن ذكر ما وصلت إليه الأمة الإسلامية من تردي وانحطاط-: “ولطالما تمنت نفسي أن أصدر صحيفة دينية علمية تضم صوتها إلى صوت المصلحين، وتدعو إلى الحق والرشاد والصلاح، ولقد حقق الله الأمنية -وهو المستعان- فلقد أخرجت جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية مجلتها المباركة (الهدي النبوي)؛ لتحقيق ما سبق ذكره من معالجة الأمراض والأدواء التي تنخر في جسم المجتمع الإسلامي في هذا العصر، والله ولي التوفيق”.

وقد أفصح الشيخ حامد الفقي -رحمه الله- عن الغرض الذي من أجله أنشأ هذه المجلة؛ بأنه: تقديم ما تستطيعه من نصح وإرشاد في الشئون الدينية والاجتماعية والأخلاقية، وأن تتحرى الحق، وأن تحرص على عرض ما ثبت في الدليل والحجة والبرهان الصحيح من كتاب الله وسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد تولى رئاسة تحريرها الشيخ حامد الفقي -رحمه الله- وهو مؤسسها ثم تبعه عليها فضيلة الشيخ عبد الرحمن الوكيل -رحمه الله تبارك وتعالى، وعندما أدمجت جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية في الجمعية الشرعية؛ توقف إصدار مجلة الهدي النبوي.

2. مجلة (التوحيد): وهي المجلة الثانية التي قامت بنشأتها جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية، وقد نشأت مجلة (التوحيد) في شهر الله المحرم من عام ألف وثلاثمائة وثلاثة وتسعين من الهجرة النبوية، وتعتبر هذه المجلة امتدادًا لأختها مجلة الهدي النبوي التي توقفت عن الصدور في مدة تقارب سبع سنين.

وقد تغير اسم مجلة أنصار السُّنَّة من (الهدي النبوي) إلى التوحيد، وقد أسسها فضيلة الشيخ محمد عبد المجيد الشافعي، الذي أشرنا إليه سابقًا، وهو المؤسس الثاني لجماعة أنصار السُّنَّة؛ لتسير على نهج مجلة الهدي النبوية في الدفاع عن التوحيد ورفع لوائه وتثبيت دعامته وإرساء قواعده في القلوب؛ لإخراج الناس من ظلمات المادية وعبادة الأصنام إلى نور التوحيد والإيمان، وهي في الوقت نفسه لا تتجاهل أركان الإسلام الأخرى، بل تدعو إليها وتحض على إقامتها وعلى التمسك بها وعلى القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يقول الشيخ رشاد الشافعي -رحمه الله- مبينًا الغاية النبيلة من إصدارها والهدف الجليل من ظهورها، يقول: “هو إعلام الناس أن القرآن روح الإسلام وأن التوحيد روح القرآن، وأن مجتمعنا بغير قرآن كالجسد بغير روح، وأن الجسد بغير روح لا يصدر عنه إلا العفن، وأن بطن الأرض أولى من ظاهرها”.

وقد تولى رئاسة تحريرها أولًا: مؤسسها الشيخ محمد عبد المجيد الشافعي -رحمه الله، ثم تبعه على رئاسة تحريرها فضيلة الشيخ عنتر حشاد -رحمه الله، ثم بعد ذلك فضيلة الشيخ أحمد فهمي -حفظه الله، ثم الشيخ صفوت الشوادفي -رحمه الله، ثم الدكتور جمال المراكبي، ويرأس تحريرها حاليًا الأستاذ جمال سعد حاتم، وهي تخطو خطوات واسعةً إلى الأمام، وقد افتتح فيها بعض الأبواب الجديدة التي تبين كثيرًا مما جاء في كتاب الله وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبةً في أن يعود الناس إلى كتاب الله وإلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3.مجلة (الاستجابة): وقد نشأت مجلة الاستجابة التي أصدرتها جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية في السودان في عام ألف وأربعمائة وستة من الهجرة النبوية، أي: بعد حوالي ما يقرب من سبعة وأربعين عامًا من قيام جماعة أنصار السُّنَّة في السودان، وكان ذلك بعد صبر طويل ومجاهداتٍ شتى للحصول على تصديق لإصدارها، وكان هذا عبر أزمنة وحقبٍ سياسية مختلفة الألوان في حكم السودان إلى أن حصلت الجماعة على الفسح لصدورها إبان حكم الرئيس المشير عبد الرحمن سوار الذهب، وهو ما يعرف بالحكومة الانتقالية بعد سقوط حكم الرئيس جعفر النميري.

والحقيقة أن مجلة الاستجابة تعتبر أول مجلة إسلامية سلفية تصدر في السودان؛ وقد أنشأت لتكون منبرًا تنطلق منه جماعة أنصار السُّنَّة في الدعوة إلى الله عز وجل لإظهار الدين للناس في ثوبه القشيب المرتكز على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وفي الحقيقة إن وجود مجلة الاستجابة في بلد كالسودان كان له خير ونفع عظيم للغاية؛ لأن هذه المجلة كانت تنشر التوحيد، وتدعو إليه بحكمة وبصيرة، وكان فيها كثير من الكتاب الذين تناوبوا على الكتابة فيها في مثل هذه المجالات، وقد شرح رئيس تحرير المجلة الشيخ محمد هاشم الهدية وهو رئيس عام جماعة أنصار السنة في السودان منهج المجلة مبينًا أنه قائم على الصدق والنصح للأمة معبرًا عن أهمية المنابر الإسلامية في نصح الأمة وتوعيتها، وهذا في الحقيقة شيء جميل إلى جانب القضايا الأخرى التي اهتمت بها المجلة وهي قضايا اجتماعية مهمة. وقد رأس تحريرها في أول نشأتها الشيخ محمد هاشم الهدية حتى توقفت فترة وكان ذلك لمدة سبع سنوات، وبعد عودتها في عام ألف وأربعمائة وواحد وعشرين من الهجرة النبوية أصبح رئيس مجلس إدارتها الشيخ محمد هاشم الهدية، وتولى رئاسة تحريرها الأستاذ كامل عمر. 

error: النص محمي !!