Top
Image Alt

جمعه وترتيبه

  /  جمعه وترتيبه

جمعه وترتيبه

قال الخطابي: “إنما لم يجمع صلى الله عليه وسلم القرآن في المصحف، لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله الخلفاءَ الراشدين ذلك، وفاءً بوعده الصادق بضمان حِفظه على هذه الأمة؛ فكان ابتداء ذلك على يد الصّدّيق بمشورة عمر”.

وقد كان القرآن كُتب كلّه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتّب السوّر.

وقال الحاكم: جُمع القرآن ثلاث مرات:

الجمع الأول: بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم.

الجمع الثاني: بحضرة أبي بكر الصّدّيق.

روى البخاري في (صحيحه) عن زيد بن ثابت، قال: “أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده. فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد استحرّ بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن؛ وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعلْه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: وهو والله خير. فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.

قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل، لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فتتبّع القرآن فاجْمعه. فوالله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمْع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعلْه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح به صدر أبي بكر وعمر.

فتتبّعتُ القرآن أجمعُه من العسب، واللخاف، وصدور الرجال. ووجدت آخر سورة (التوبة) مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع غيره: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة: 128]، حتى خاتمة (براءة). فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر.

الجمع الثالث: ترتيب السوَر في زمن عثمان. روى البخاري عن أنس: “أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافُهم في القراءة، فقال لعثمان: أدرِك الأمّة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك. فأرسلت بها حفصة”.

قال أبو حاتم السجستاني: كتب سبعة مصاحف، فأرسل إلى مكة، وإلى الشام، وإلى اليمن، وإلى البحرين، وإلى البصرة، وإلى الكوفة. وحبس بالمدينة واحدًا.

وأما ترتيب الآيات: فالإجماع، والنصوص المترادفة على أن ترتيبها توقيفي، لا شبهة في ذلك.

وقد نقل الإجماع غير واحد، منهم: الزركشي.

وأما النصوص فكثيرة، ذكرها السيوطي -رحمه الله-.

وقال ابن الحصار: “ترتيب السوَر، ووضْع الآيات مواضعها، إنما كان بالوحي. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ضعوا آية كذا في موضع كذا)). وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف”.

وأما ترتيب السوَر، فهل هو توقيفي أيضًا، أو هو باجتهاد من الصحابة؟ فيه خلاف؛ فجمهور العلماء على الثاني.

وقال الكرماني: “ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان صلى الله عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه. وعرضه عليه في السنة التي توفي فيها مرتيْن. وكان آخر الآيات نزولًا: {وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ} [البقرة: 281]، فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدّيْن”.

وقال أبو جعفر النحاس: “المختار: أن تأليف السوَر على هذا الترتيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لحديث واثلة: ((أعطيت مكان التوراة السبع الطوال)) الحديث”.

قال: “فهذا الحديث يدل على: أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من ذلك الوقت. وإنما جمع في المصحف على شيء واحد، لأنه قد جاء هذا الحديث بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تأليف القرآن”.

وهناك أدلة أخرى تؤيد هذا القول وهو أرجح، والله أعلم.

أما (السّبْع الطوال): فأوّلها (البقرة)، وآخرها (يونس)، وليس فيها (الأنفال) و(التوبة).

و(المئون): ما وليَها؛ سُميت بذلك، لأن كلّ سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها.

و(المثاني): ما ولي (المئين)، لأنها ثنّتها أي كانت بعدها.

و(المفصَّل): ما ولي (المثاني) من قصار السوَر. سُمّي بذلك لكثرة الفصول التي بين السوَر بالبسملة، وقيل: لقلة المنسوخ منه. واختلف في أوّله على اثني عشر قولًا، أرجحها: (ق)، للحديث الوارد في ذلك.

error: النص محمي !!