Top
Image Alt

جمع التكسير، وأوزان جمع القلة الأربعة

  /  جمع التكسير، وأوزان جمع القلة الأربعة

جمع التكسير، وأوزان جمع القلة الأربعة

ما يُفَارِقُ فيه جمع التكسير جمع السلامة لمذكر، قالوا: يفارقه في أربعة أشياء:

أحدها: أن جمع السلامة مختص بالعقلاء، أما جمع التكسير فهو للعقلاء وغيرهم.

الثاني: أن جمع السلامة يسلم فيه بناء الواحد، أما جمع التكثير فلا يسلم.

الثالث: أن جمع المذكر السالم يُعْرَب بالحروف، أما جمع التكسير فَيُعْرَبُ بالحركات.

الرابع: أن الفعل المسند إلى جمع المذكر السالم لا يؤنث، ويؤنث الفعل المسند إلى جمع التكسير، جمع التكسير هو ما تكسرت فيه صيغة الواحد -أي: ما تغيرت فيه بنية المفرد- وهذا التغير قسمان: قسم لفظيٌّ، وقسم تقديري.

فالتغير اللفظي ستة أنواع:

النوع الأول: أن يكون بزيادةٍ ليست عوضًا من شيء من غير أن يصحبها تغيير في الشكل -أي: هي- أي تغير زيادة فقط، ومن أمثلته “صِنْوٌ” للمفرد و”صِنْوَانِ” للجمع، قال الجوهري في الصحاح: إذا خرجت نخلتان أو ثلاث من أصل واحد، فكل واحدةٍ منهن صنوٌ، والاثنان صنوانِ، والجمع: صِنْوَانِ.

النوع الثاني: أن يكون التغيير بنقصٍ من غير أن يصحبه تبديل في الشكل، كتُخَمَةٍ بضم التاء وفتح الخاء المعجمة للمفرد، وجمعه تُخَمٌ.

النوع الثالث: أن يكون بتبديل شكلٍ فقط، من غير زيادةٍ ولا نقصٍ -كأسدٍ للمفرد، وأُسْدٍ بضم الهمزة وسكون السين لجمعه.

النوع الرابع: أن يكون -أي: التغيير- بزيادةٍ وتبديل شكلٍ معًا، كرجلٍ ورجال.

النوع الخامس: أن يكون بنقصٍ وتبديل شكلٍ معًا “كَرَسُولٍ ورُسُلٍ”.

النوع السادس: أن يكون بنقصٍ وزيادةٍ وتبديل شكلٍ جميعًا “كَغُلَامٍٍ وغِلْمَانٍ” فإن غلمانًا زِيدَ في آخره ألف ونون، ونقص منه الألف الواقعة قبل الميم وبعد اللام في غلام، وتَبَدَّلَ شكله بكسر فائه وإسكان عينه.

أما التغيير التقديري:

فهو: أن يأتي المفرد والمجموع على صيغةٍ واحدة، ولكنهما يختلفان في التقدير، وقد ورد ذلك في سبعة ألفاظ وهي:

الأول: فُلْك -بضمٍ فسكون، والفلك السفينة واحد وجمع، قال تعالى: {وَآيَةٌ لّهُمْ أَنّا حَمَلْنَا ذُرّيّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [يس: 41] فأفرد، وقال عز وجل: {وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} [فاطر: 12] فجمع، قالوا إن الفلك في حال الإفراد ك”قُفْل” -فُلْك قُفْل- وهو في حال الجمع كبُدْن الذي هو جمع بَدَنَةِ، والبدنة: هي الناقة أو البقرة التي تُنْحَر بمكة.

الثاني: “دلاص” قالوا: درع دلاص. أي: براقة، وأدرع دلاصٌ.

الثالث: هِجَانٌ -بكسر الهاء- والهجان: هو الكريم الخالص، تقول: هذا هجانٌ، وهؤلاء هجان.

الرابع: كِنَازٌ بكسر الكاف -المكتنز اللحم- نحو: جمل كنازٌ، وجمال كنازٌ.

الخامس: شمالٌ بكسر الشين المعجمة، وهو الْخُلُقُ والطبع، تقول: هذا كريم الشِّمال وهؤلاء كريمو الشمال.

السادس: إمام بكسر الهمزة، تقول: هذا إمام، وهؤلاء إمام. والألفاظ دلاص ولجان وكناز وشمال وإمامٌ، كلها على وزنٍ واحد، وهو فِعَالٌ، قالوا: هي في الإفراد كلجامٍ، وفي الجمع ككرام.

السابع: عِفْتَانُ” بكسر العين و”العفتان” هو القوي الجافي، قال أبو الحسن الأشموني، و”عِفْتَانٌ” إذا كان مفردًا “كَسِرْحَانٍ” وإذا كان جمعًا كـ”غِلْمَانٍ” والذي دعا العلماء إلى إخراج هذه الألفاظ مما يشترك فيه الواحد وغيره -أي: مما يُسْتَعْمَلُ” للمفرد والمثنى والجمع بلفظٍ واحدٍ كـ”جنبٍ” حين قالوا: “هذا جُنُبٌ”، وهذان جُنُب وهؤلاء جُنُب، أنهم وجدوا هذه الألفاظ تُثَنَّى، نحو: “هذان فلكان” و”دلاصان” و”هجانان” و”شمالان” ولا تكون بلفظ واحدٍ إلا في حالتي الإفراد والجمع.

وقال ابن مالكٍ -في باب أمثلة الجمع من التسهيل-: والأصح كونه -يعني: باب فُلْكٍ- اسم جمعٍ مستغنيًا عن تقدير التغيير، والتغيير اللفظيّ له سبعة وعشرون بناءً، منها: أربعة موضوعة للعدد القليل، وهو من الثلاثة إلى العشرة بدخول العشرة على القول بدخول الغاية في المغيَّا، وهي أفعلٌ كَأَكْلُبٍ جمع “كَلْبٍ” وأَفْعَال كأجمالٍ جمع “جَمَل” و”أَفْعِلَة” كَأَحْمِرَةٍ جمع “حِمَار” وفعلة “كصِبْيَة” جمع صبي.

أوزان جمع القلة الأربعة:

وقد أشار إليها الناظم بقوله:

أفعِلَةٌ أفعُلُ ثُمَّ فِعله

*ثُمَّتَ أفعَالٌ جُمُوعُ قِلَّه

وخصت هذه الأوزان الأربعة بالقلة لأنها تصغر على لفظها، نحو: أكيلبٍ وأجيمالٍ وأحيمرةٍ وصبيةٍ، بخلاف غيرها من الجموع فإنها ترد إلى المفرد ويصغر مفردها كما يرى الجمهور.

وقد يستغنى ببعض أبنية القلة عن بناء الكثرة، وهذا الاستغناء نوعان؛ لأنه إما أن يكون استغناءً في أصل الوضع، بمعنى: أن العرب لم تضع له بناء كثرة استغناءً عنه بما وضعوه له من بناء القلة، وهذا الاستغناء يسمى استغناءً وضعًا، وإما أن يكون الاستغناء استغناءً في الاستعمال، بمعنى: أن العرب قد وضعوا البناءين معًا لكنهم استغنوا في بعض المواضع عن أحدهما بالآخر اعتمادًا على القرينة، وهذا النوع من الاستغناء يسمى الاستغناء استعمالًا.

ومن أمثلة النوع الأول -وهو الاستغناء وضعًا-: جمع “رجلٍ” على “أرجل”ٍ وجمع “عنقٍ” على “أعناقٍ”، وجمع “فؤادٍ” على “أفئدةٍ”، فأرجل وأعناق وأفئدة من جموع القلة، قال تعالى: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة: 6] وقال تعالى {فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأعْنَاقِ} [الأنفال: 12] وقال عز وجل: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} [إبراهيم: 43] فالجموع الثلاثة: أرجل وأعناق وأفئدة استغني فيها ببناء القلة عن الكثرة؛ لأنها لم يوضع لها بناء كثرة.

ومن أمثلة النوع الثاني -وهو الاستغناء استعمالًا-: “أقلام” في جمع “قلم” في نحو قوله تعالى: {وَلَوْ أَنّمَا فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} [لقمان: 27] ومنه “أعين” في نحو: قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ} [المائدة: 83] ومثله قول المولى -تبارك وتعالى-: {تَوَلّوْا وّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ} [التوبة: 92] فأقلام وهو جمع قلم، والمقام مقام مبالغةٍ وتكثير قطعًا، وقد استعمل فيه بناء القلة، مع أنه سمع له وزن الكثرة وهو “أقلام”، و”أعين” في الآيتين الكريمتين السابقتين من أوزان القلة، وقد سمع لها بناء كثرةٍ وهو “عيون” والمعنى يدل على الكثرة، والعدول إلى بناء القلة مع وجود بناء كثرة إنما هو لنكتٍ بلاغية.

ومن الاستغناء بجمع القلة عن الكثرة في الاستعمال ما قيل من أن جمعي التصحيح -وهو جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم- من قبيل ما يدل على القلة العددية، لكنهما قد يردان مرادًا بهما الكثرة بقرينة المعنى مع قرينة لفظية معًا.

والقرينة اللفظية هي الاقتران بأل التي للاستغراق أو بالإضافة إلى ما يدل على الكثرة -وهو المعرفة- مفردًا كان أو جمعًا؛ لأن المعرفة تعم ما لم توجد قرينة تخصص.

ومن أمثلة ذلك قوله عز وجل: {إِنّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقَاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدّقِينَ وَالْمُتَصَدّقَاتِ والصّائِمِينَ والصّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِـظَاتِ وَالذّاكِـرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَالذّاكِرَاتِ} [الأحزاب: 35] والغرض في الجميع الكثرة، لا من الثلاثة إلى العشرة، كما هو مدلول جمع القلة، ومن ذلك قول الله عز وجل: {مّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللّهِ} [لقمان: 27] وكلمات الله أجل من أن يحصيها عدد أو يحصرها جمع، وقول المولى عز وجل {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: 37] ولا يجوز أن تكون الغرف في الجنة من الثلاث إلى العشر كما هو مفهوم جموع القلة، قالوا: وقد جمع الأمرين أو القرينتين اللفظيتين، أي: الاقتران بأل الجنسية والإضافة إلى معرفة، وهما اللذان يحولان جمعي التصحيح من الدلالة على القلة إلى الدلالة على الكثرة بضميمة المعنى، قد جمع ذلك بيت حسان:

لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى

*وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دمًا

ونشير إلى أنه قد يحدث العكس، فيستغنى ببعض أبنية الكثرة عن بناء القلة -وضعًا أو استعمالًا- اعتمادًا على القرينة كذلك.

فمن الأول -وهو الاستغناء بالكثرة عن القلة وضعًا-: “رجال” وهو جمع “رجل” و”قلوب” وهو جمع “قلب” و”صردان” وهو جمع “صرد” و”صرد” هو اسم لطائر معروف، تقول: خمسة رجالٍ بخمسة قلوبٍ، ما هم خمسة “صردانٍ” فيستغنى بجمع الكثرة عن القلة؛ لعدم وضعه.

وإن الناظم قد أشار إلى الاستغناء وضعًا بين البناءين فقال بعد إيراده أبنية القلة:

وَبَعضٌ ذِى بِكَثرةٍ وَضعَا يَفِى

*كَأَرجُلِ وَالعَكسُ جَاءَ كَالصُّفِى

 فمثل للاستغناء وضعًا ببناء الكثرة عن القلة بالصفي، والصفي وزنه فعول وأصله “صفوي” اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءً وأدغمت الياء في الياء وأبدلت ضمة الصاد كسرة لمناسبة الياء، وهو جمع صفاةٍ، والصفاة هي الصخرة الملساء.

ولما مثل الناظم وتبعه ابنه بدر الدين في شرحه على الألفية بهذا الجمع الصوفي استدرك عليهما ابن هشامٍ في (أوضح المسالك) ذاكرًا أن هذا الجمع -وهو الصوفي- ليس مما استغنى فيه العرب ببناء الكثرة عن القلة وضعًا، وإنما هو من الاستغناء استعمالًا؛ لأن الجوهري في (الصحاح) -وغير الجوهري- من أصحاب المعاجم قد حكوا عن العرب قولهم: أصفاء، وهو جمع قلةٍ لصفاةٍ، فالصفي إذن: إذا ورد للقليل يكون من قبيل الاستغناء ببناء الكثرة عن القلة استعمالًا.

ومن هذا القسم قوله تعالى: {يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228] ففسر -في هذا القول الكريم- فسر فيه ثلاثة بجمع الكثرة “قروء” مع وجود جمع القلة وهو “أقراء”.

error: النص محمي !!