Top
Image Alt

جمع القرآن

  /  جمع القرآن

جمع القرآن

كلمة جمع القرآن تطلق تارة ويراد منها حفظه، واستظهاره في الصدور، وتطلق تارة أخرى ويراد منها كتابته كله، حروفًا وكلمات، وآيات وسور، هذا جمع في الصحائف والسطور، وذاك جمع في القلوب والصدور.

ثم إن جمع القرآن حدث في الصدر الأول، ثلاث مرات:

الأولى: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

الثانية: في خلافة أبي بكر.

الثالثة: على عهد عثمان، وفي هذه المرة الأخيرة وحدها نسخت المصاحف، وأرسلت إلى الآفاق.

أولًا: جمعه، بمعنى: حفظه في الصدور:

لم يَحْظَ كتابٌ -منذُ خَلَقَ الله السماواتِ والأرضَ- بما حَظِيَ به هذا القرآنُ، من الاهتمامِ، والحِفْظِ، والعنايةِ.

وتبدأُ مظاهِرُ حفظِه منذُ وقتِ نزوله، فقد كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا تَلَقّاه مِن جبريلَ، حَرَّكَ لسانَه يَعْجَلُ به؛ مخافةَ ألا يحفَظَه، وكان يَلقى من ذلكَ شدةً.

عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: “كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعالجُ من التنزيلِ شدةً، وكان مما يُحَرِّكُ شَفَتَيْه، قال ابنُ عباس: فأنا أحَرِّكُهما لكُم كما كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يحرِّكُهُما؛ فأنزل الله تعالى: {لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة:16، 17]، قال: جمعَه لكَ في صدرِكَ وتقرأَه، و{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة:18]، قال: فاستَمِعْ له وأنْصِتْ، و {ثُمّ إِنّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:19]، ثمَّ إن علينا أن تقرأه، فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعدَ ذلك إذا أتاه جبريلُ اسْتَمَعَ، فإذا انْطَلَقَ جبريلُ، قرأهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم كما قرأه”.

وقال له في سورة طه: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رّبّ زِدْنِي عِلْماً} [طه:114].

ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤه على الناس على مكث؛ ليحفظوه ويستظهروه، ضرورة أنه نبي أمي بعثه الله في الأميين {هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الاُمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ} [الجمعة:2]، ومن شأن الأمي أن يعول على حافظته فيما يهمه أمره، ويعنيه استحضاره، وجمعه خصوصًا إذا أوتي من قوة الحفظ، والاستظهار ما ييسر له هذا الجمع والاستحضار، وكذلك كانت الأمة العربية على عهد نزول القرآن، وهي متمتعة بخصائص، منها: سرعة الحفظ، وسيلان الأذهان حتى كانت قلوبهم أناجيلهم، وعقولهم سجلات أنسابهم وأيامهم، وحوافظهم دواوين أشعارهم ومفاخرهم.

ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم جامع القرآن في قلبه الشريف، وسيد الحفاظ في عصره المنيف، ومرجع المسلمين في كل ما يعنيهم من أمر القرآن، وعلومه، وكان يحيي به الليل، ويزين به الصلاة، حتى إنه ليقرأ في الركعة الواحدة العدد من السور الطوال.

ولزيادة التثبيت، كان جبريل عليه السلام يعارضه إيّاه في كل عام مرة، وعارضه إيّاه في العام الأخير مرتين، قالت عائشة، وفاطمة رضي الله عنها سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي)).

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: “كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن …”.

وقال أبو هريرة: “كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه …”.

ومن حفظه صلى الله عليه وسلم للقرآن، ننتقل إلى حفظ صحابته الكرام:

فقد كانت طريقةُ التَّلَقي المثلى بينَ الصحابةِ هي المشافهةُ، والحفظُ عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً.

عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: “أخذتُ من فِي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم سبعينَ سورةً، ولا ينازِعُني فيها أحدٌ”.

وقد توفرت للصحابة العوامل التي جعلتهم قادرين على حفظ القرآن، وسهلت عليهم هذه المهمة، ومن تلك العوامل:

  1. 1.  قوة ذاكرتهم الفذة التي عُرفوا بها واشتهروا، حتى كان الواحد منهم يحفظ القصيدة من الشعر بسماعها مرة واحدة.
  2. 2.  نزول القرآن منجمًا.
  3. 3.  لزوم قراءة شيء من القرآن في الصلاة، وقد كانوا يهجرون لذة النوم، وراحة الهجود؛ إيثارًا للذة القيام به في الليل، والتلاوة له في الأسحار، والصلاة به والناس نيام، حتى لقد كان الذي يمر ببيوت الصحابة في غسق الدجى، يسمع فيها دويًّا كدويّ النحل بالقرآن، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يذكي فيهم روح هذه العناية بالتنزيل، يبلغهم ما أنزل إليه من ربه، وكان يسمع لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخفضوا أصواتهم؛ لئلا يتغالطوا.
  4. 4.  وجوب العمل بالقرآن، فقد كان هو ينبوع عقيدتهم وعبادتهم، ووعظهم وتذكيرهم.
  5. 5.  حض النبي صلى الله عليه وسلم على قراءة القرآن، والترغيب بما أعد للقارئ من الثواب والأجر العظيم.
  6. 6.  حتى غدا كتاب الله في المحل الأول من عنايتهم، يتنافسون في استظهاره وحفظه، ويتسابقون إلى مدارسته وتفهمه، ويتفاضلون فيما بينهم على مقدار ما يحفظون منه، وربما كانت قرة عين المرأة منهم، أن يكون مهرها في زواجها سورة من القرآن، يعلمها إيّاها زوجها.
  7. 7.  تعاهد النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بتعليم القرآن؛ فكان الصحابة تلامذة للنبي صلى الله عليه وسلم يتعلّمون منه القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم شيخهم، يتعاهدهم بتعليم القرآن، فإذا أسلم أهل أفق أو قبيله، أرسل إليهم من القراء من يعلمهم القرآن، كما بعث مصعب بن عمير، وابن ام مكتوم إلى أهل المدينة -قبل هجرته- يعلمانهم الإسلام، ويقرئانهم القرآن، وكما أرسل معاذ بن جبل، إلى مكة -بعد هجرته- للتحفيظ والإقراء، وإن كان في المدينة ضمه إلى حلق التعليم، في جامعة القرآن النبوية.
  8. 8.  قال عبادة بن الصامت –رضي الله عنه-: كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل منا يعلمه القرآن.

ومن هنا، كان حفاظ القرآن في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم جمًّا غفيرًا، منهم: الأربعة الخلفاء، وطلحة وسعد، وابن مسعود، وحذيفة، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله، ومعاوية، وابن الزبير، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وهؤلاء كلهم من المهاجرين رضي الله عنهم.

وحفظ القرآن من الأنصار في حياته صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، ومجمع بن حارثة، وأنس بن مالك، وأبو زيد، الذي سُئل عنه أنس، فقال: إنه أحد عمومتي رضي الله عنهم.

وقيل: إن بعض هؤلاء؛ إنما أكمل حفظه للقرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

وأيّا ما تكن الحال، فإن الذين حفظوا القرآن من الصحابة كانوا كثيرين، حتى كان عدد القتلى منهم ببئر معونة، ويوم اليمامة، أربعين ومائة.

قال القرطبي: قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ببئر معونة، مثل هذا العدد.

قال المحقق ابن الجزري: ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، فقلت له: أي رب، إذن يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة، فقال: إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظانًا، فابعث جندًا أبعث مثلهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأنفق ينفق عليك.

فأخبر تعالى: أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء؛ بل يقرأ في كل حال، كما جاء في صفة أمته صلى الله عليه وسلم أناجيلهم صدورهم، وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب، ولا يقرؤونه كله إلا نظرًا، لا عن ظهر قلب.

وقد امتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة؛ لقوة حفظهم، وشدة ضبطهم، وأمر بأخذ القرآن عنهم:

روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبيّ بن كعب، أي: تعلموا منهم‏))‏.

والأربعة المذكورون: اثنان من المهاجرين، وهما المبدوء بهما، واثنان من الأنصار، وسالم هو ابن معقل، مولى أبي حذيفة، ومعاذ هو ابن جبل‏.‏

قال الكرماني‏:‏ يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد الإعلام بما يكون بعده‏،‏ أي: أن هؤلاء الأربعة يبقون حتى ينفردوا بذلك‏.‏

وتعقب بأنهم لم ينفردوا؛ بل الذين مهروا في تجويد القرآن بعد العصر النبوي أضعاف المذكورين، وقد قتل سالم مولى أبي حذيفة في وقعة اليمامة، ومات معاذ في خلافة عمر، ومات أبيّ، وابن مسعود في خلافة عثمان، وقد تأخر زيد بن ثابت، وانتهت إليه الرياسة في القراءة، وعاش بعدهم زمنًا طويلًا‏.‏

فالظاهر أنه أمر بالأخذ عنهم في الوقت الذي صدر فيه ذلك القول، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن؛ بل كان الذين يحفظون مثل الذين حفظوه وأزيد؛ جماعة من الصحابة‏.‏

ثانيًا: جمع القرآن، بمعنى: كتابته في السطور، أي: الصحائف التي تضمّ السور والآيات جميعها.

وهو لون من الحفظ يدوم مع الزمان، لا يذهب بذهاب الإنسان، فلا بد أن يتحقق ما تكفل الله بحفظه: {إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجر:9].

ومع أن الكتابةَ في حواضِرِ الحجازِ زَمَنَ البعثةِ، لم تكنْ واسعةَ الانتشارِ، ومع أنَّ وسائلَها كانتْ بدائيةً وغيرَ ميسورةٍ؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على تسجيلِ ما ينْزِلُ عليه من القرآنِ، حتى إنه نهى في البدايةِ عن كتابةِ شيءٍ غيرِ القرآنِ؛ خشيةَ اختلاطِه بكتابِ الله.

عن أبى سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تكتبوا عني، ومن كَتَبَ عني غيرَ القرآنِ فلْيَمْحُهْ، وحدِّثوا عني ولا حَرَجَ، ومن كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا فلْيَتَبَوّأ مقعَدَه من النار))، وكان مِنْ كَتَبتِه صلى الله عليه وسلم زيدُ بنُ ثابتٍ رضي الله عنه.

فاعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن عناية بالغة، فكان كلما نزل عليه شيء منه دعا الكُتّاب – منهم: علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان- فأملاه عليهم، فكتبوه على ما يجدونه من أدوات الكتابة حينئذٍ، مثل: الرقاع، واللخاف، والأكتاف، والعسب.

فعنِ البراءِ رضي الله عنه قال: لما نَزَلَتْ: {لاّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ} [النساء:95]، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((ادْعُ لي زيدًا ولْيَجِئْ باللَّوحِ، والدَّواةِ، والكَتِفِ، ثم قال: اكتب {لاّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ}))، وخلفَ ظهر النبيِّ صلى الله عليه وسلم عمروُ بنُ أمِّ مكتومٍ الأعمى، فقال: يا رسولَ الله، فما تأمُرُني؟ فإني رجلٌ ضريرُ البَصَرِ، فنزَلَتْ مكانَها: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله.

وأوصلَ البعضُ كُتّابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثةِ وأربعينَ كاتبًا.

وقد نصَّ العلماءُ على أنَّ القرآنَ كلَّه قَدْ كُتِبَ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصُّحُفِ، والألواحِ، والعُسُبِ، لكنه لم يكن مجموعًا في موضِعٍ واحدٍ، ولا مُرَتَّبَ السُّوَرِ.

قال الديرعاقولي، في فوائده، بإسناده عن زيد بن ثابت، قال‏:‏ قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جمع في شيء‏.‏

قال السيوطي: أما ما أخرجه مسلم، من حديث أبي سعيد، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن…)) الحديث، فلا ينافي ذلك؛ لأن الكلام في كتابة مخصوصة، على صفة مخصوصة، وقد كان القرآن كتب كله في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور‏.

وقال الحاكم، في (المستدرك)‏:‏ جمع القرآن ثلاث مرات‏:

المرة الأولى‏:‏ بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع… الحديث‏.‏

وقال البيهقي‏:‏ يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم‏.

يقول الزرقاني: قلنا: إن همة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانت منصرفة أول الأمر إلى جمع القرآن في القلوب بحفظه واستظهاره؛ ضرورة أنه نبي أمي بعثه الله في الأميين، أضف إلى ذلك أن أدوات الكتابة لم تكن ميسورة لديهم في ذلك العهد، ومن هنا كان التعويل على الحفظ في الصدور، يفوق التعويل على الحفظ بين السطور على عادة العرب أيامئذٍ؛ من جعل صفحات صدورهم وقلوبهم دواوينًا لأشعارهم، وأنسابهم، ومفاخرهم، وأيامهم، لكن القرآن حظي بأوفى نصيب من عناية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فلم تصرفهم عنايتهم بحفظه واستظهاره، عن عنايتهم بكتابته ونقشه، ولكن بمقدار ما سمحت به وسائل الكتابة وأدواتها في عصرهم.

فها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اتخذ كتابًا للوحي، كلما نزل شيء من القرآن أمرهم بكتابته؛ مبالغة في تسجيله وتقييده، وزيادة في التوثق، والضبط، والاحتياط في كتاب الله –تعالى- حتى تظاهر الكتابة الحفظ، ويعاضد النقش اللفظ، وكان هؤلاء الكتاب من خيرة الصحابة، فيهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، وأبان بن سعيد، وخالد بن الوليد، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وثابت بن قيس وغيرهم، وكان صلى الله عليه وسلم يدلهم على موضع المكتوب من سورته، ويكتبونه فيما يسهل عليهم من العسب، واللخاف، والرقاع، وقطع الأديم، وعظام الأكتاف والأضلاع، ثم يوضع المكتوب في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا انقضى العهد النبوي السعيد، والقرآن مجموع على هذا النمط، بيد أنه لم يكتب في صحف، ولا في مصاحف؛ بل كتب منثورًا بين الرقاع، والعظام ونحوها.

روي عن ابن عباس، أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلت عليه سورة، دعا بعض من يكتب، فقال: ((ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا))، وعن زيد بن ثابت، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع، وكان هذا التأليف عبارة عن ترتيب الآيات حسب إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هذا الترتيب بتوقيف من جبريل عليه السلام فقد ورد أن جبريل عليه السلام كان يقول: ((ضعوا كذا في موضع كذا))، ولا ريب أن جبريل كان لا يصدر في ذلك إلا عن أمر الله عز وجل.

أما الصحابة -رضوان الله عليهم- فقد كان منهم من يكتبون القرآن، ولكن فيما تيسر لهم من قرطاس، أو كتف، أو عظم أو نحو ذلك، بالمقدار الذي يبلغ الواحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلتزموا توالي السور وترتيبها؛ وذلك لأن أحدهم كان إذا حفظ سورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كتبها ثم خرج في سرية مثلًا، فنزلت في وقت غيابه سورة؛ فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته، ثم يستدرك ما كان قد فاته في غيابه، فيجمعه ويتتبعه على حسب ما يسهل له؛ فيقع فيما يكتبه تقديم وتأخير بسبب ذلك، وقد كان من الصحابة من يعتمد على حفظه، فلا يكتب جريًا على عادة العرب في حفظ أنسابها، واستظهار مفاخرها وأشعارها من غير كتابة.   

وصفوة المقال: أن القرآن كان مكتوبًا كله على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت كتابته ملحوظًا فيها أنها تشمل الأحرف السبعة التي نزل عليها، غير أن بعض الصحابة كان قد كتب بعض منسوخ التلاوة، وبعض ما هو ثابت بخبر الواحد، وربما كتبه غير مرتّب، ولم يكن القرآن على ذلك العهد مجموعًا في صحف، ولا مصاحف عامة.

وهنا نطرح سؤالا: لماذا لم يجمع القرآن أيامئذٍ في صحف، ولا مصاحف؟

قال الخطابي‏:‏ إنما لم يجمع صلى الله عليه وسلم القرآن في المصحف؛ لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه، أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك؛ وفاءً بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر‏.

ويجيب على ذلك الزرقاني -رحمه الله- فيقول: إنما لم يجمع القرآن في صحف، ولا مصاحف؛ لاعتبارات كثيرة:

أولها: أنه لم يوجد من دواعي كتابته في صحف، أو مصاحف مثل ما وجد على عهد أبي بكر حتى كتبه في صحف، ولا مثل ما وجد على عهد عثمان حتى نسخه في مصاحف؛ فالمسلمون وقتئذٍ بخير، والقراء كثيرون، والإسلام لم يستبحر عمرانه بعدُ، والفتنة مأمونة، والتعويل لا يزال على الحفظ أكثر من الكتابة، وأدوات الكتابة غير ميسورة، وعناية الرسول باستظهار القرآن تفوق الوصف، وتوفي على الغاية حتى في طريقة أدائه على حروفه السبعة التي نزل عليها.

ثانيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بصدد أن ينزل عليه الوحي بنسخ ما شاء الله من آية، أو آيات.

ثالثها: أن القرآن لم ينزل مرة واحدة؛ بل نزل منجّمًا في مدى عشرين سنة، أو أكثر.

رابعها: أن ترتيب آياته وسوره ليس على ترتيب نزوله؛ فقد علمت أن نزوله كان على حسب الأسباب، أما ترتيبه فكان لغير ذلك من الاعتبارات،  ولو جمع القرآن في صحف، أو مصاحف، والحال على ما شرحنا؛ لكان عرضة للتغيير كلما وقع نسخ، أو حدث سبب، كما أن أدوات الكتابة ليست ميسورة، والتعويل كان على الحفظ قبل كل شيء، ولكن لما استقر الأمر بختام التنزيل، ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمن النسخ، وتقرر الترتيب، ووجد من الدواعي ما يقتضي نسخه في صحف، أو مصاحف، وفق الله الخلفاء الراشدين؛ فقاموا بهذا الواجب؛ حفظًا للقرآن، وحياطة لأصل التشريع الأول، مصداقا لقوله سبحانه: {إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

error: النص محمي !!