Top
Image Alt

جمع المؤنث السالم

  /  جمع المؤنث السالم

جمع المؤنث السالم

هذا النوع من الجُموع من العلماء ما يسميه هذه التسمية: جمع المؤنث السالم، ومنهم -كابن مالك، وابن هشام-من يسميه: الجمع بتاء وألف، أو الجمع بتاء وألف مزيديتين، والتسمية الأخيرة هي الأدق والأشمل لجميع ما يجمع من الأسماء عليه، إذ لا فرق بين أن يكون ما يجمع هذا الجمع مؤنثًا بالمعنى فقط: كهندات ودعدات، أو بالتاء والمعنى معًا: كفاطمات ومسلمات، أو بالتاء دون المعنى: كطلحات وحمزات، أو بالألف المكسورة: كحبليات، أو الممدودة: كصحراوات، أو أن يكون مسماه مذكرًا: كاصطبلات.

كما أنه لا فرق بين أن تكون قد سلمت فيه بنية مفرده: كضخمة وضخمات، أو تغيرت فيه هذه البنية: كسجدة وسجدات، وبنت وبنات، وأخت وأخوات، وحُبلى وحبليات، وصحراء وصحراوات، وهذا كله سِر عدول بعض العلماء إلى تسمية هذا الجمع -الجمع بألف وتاء مزيدتين- ليعم ما جمع عليه مؤنثًا كان أو مذكرًا، سلم فيه بناء المفرد أو تغير، وإنما قيدت الألف والتاء بكونهما مزيدتين، يُخرج ما كانت الألف في آخره أصلية وكانت التاء زائدة: كقضاة في جمع قاض، يجمع كلمة قاض على قضاة، وغزاة في جمع غازٍ، فوزنهما: فُعَلاتٌ، وأصلهما: قُضَاياتٌ وغُزواتٌ، تحركت الياء والواو وانفتح ما قبلهما، فقلبتا ألفين.

فالألف في: قضاة وغزاة ونحوهما أصلية؛ لكونها منقلبة عن أصل، والتاء زائدة للتأنيث، ولا دخل للألف والتاء في الدلالة على الجمعية، وأيضًا ليخرجوا ما كانت التاء فيه أصلية، وكانت الألف قبلها زائدة: كأبيات في جمع بيت فالتاء لام الكلمة، وأبيات على وزن أَفْعَال، ولا دخل للألف والتاء في الدلالة على الجمعية، وهذه الجموع -قضاة، وغزاة، وأبيات، ونحوها- جموع تكسير، وليست من جمع المؤنث السالم، أي: ليست من المجموع بالألف والتاء المزيدتين كما هو التحقيق.

الأسماء التي يطَّرد فيها هذا الجمع:

يجمع بالألف والتاء المزيدتين؛ قياسًا مطَّردًا ما كان أحد الأنواع الآتية:

أولًا: ما كان عَلمًا لمؤنث، ظاهرة كانت فيه العلامة: كعزة، وسلمة، وخنساء، أو مقدرة: كهند، وزينب، وسعاد.

ثانيًا: ما كان علمًا لغير العاقل، مُصدرًا بإضافة كلمة ابن، أو كلمة ذي، نحو: ابن عِرس، وابن عرس هذا دُويبة تجمع على بنات عرس، ومثله: ابن مقرض وهو نوع من الفئران، يجمع على بنات مقرض، ومن ذلك: ذو القِعدة، وذو القَعدة بفتح القاف أو كسرها، وذو الحِجة -وهما الشهران المعروفان- يجمعان أيضًا على ذوات القِعدة أو القَعدة، وذوات الحِجة.

ثالثًا: ما كان مختومًا بتاء التأنيث الظاهرة مطلقًا، سواء أكان علمًا لمذكر: كطلحة وحمزة، أم صفة: كربعة، وعلَّامة، وضاربة، وقائمة، أم كان غير ذلك: كغرفة، وحجرة، وشجرة، وسجدة؛ قيل: يُستثنى من ذلك ألفاظ لا تجمع بالألف والتاء وهي: امرأة، وأَمَة، وشاة، وشَفة، وقُلة -والقلة: عود صغير، غليظ الوسط، دقيق الطرفين، يَلعب به الصبيان- وقيل: تجمع شَفة على شفهات أو شفوات.

رابعًا: ما كان مختومًا بألف التأنيث المقصورة أو الممدودة: كالبشرى، والحبلى، والصحراء، والنُّفساء، بشرط: ألا يسمَّى به المذكر الحقيقي: كزكرياء، وإلا جُمع بالواو والنون، وألا تكون الصفة المختومة بألف التأنيث على: فَعْلى فَعْلان، أو على فَعْلاء أَفْعَل: كسكرى، وحمراء؛ حملًا على مذكريهما اللذين لم يُجمعا بالواو والنون.

وأجاز ابن كيسان أن يقال: سكرانات، وحمراوات، كما أجاز من قبل في المذكر أن يقال: سكرانون، وأحمرون، نعم، لو غلبت الاسمية على فَعْلى فَعْلان، أو على فَعْلاء أَفْعَل جاز -اتفاقًا- جمع المؤنث السالم كالحديث الشريف: ((ليس في الخضراوات صدقة)).

خامسًا: صفة مذكر لا يَعقل، كجمع: الصافني، والصافن: هو الذكر من الخيل، والفرس القائم على ثلاث قوائم وترى في حافر الرابعة قال تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ الصّافِنَاتُ الْجِيَادُ} [ص: 31] وكجمع الراسي صفة الجبل ونحوه كقولهم: جبال راسيات، ومن ذلك: جِمال سِبَحْلاتٌ أي: ضخمات، واحده: سبحل كـ “قمطر”، وأيضًا: جمال سِبطرات أي: طويلات على وجه الأرض.

ومن صفة المذكر الذي لا يعقل ويجمع هذا الجمع: ما أضيف مما لا يعقل إلى كلمة ابن، أو كلمة ذي، كقولهم في جمع ابن اللبون: بنات اللبون، وابن اللبون: هو ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية، ودخل في الثالثة، وكقولهم: هذه جمال ذوات عُسنون في جمع: هذا جمل ذو عسنون، وهو الجمل المسن.

ومن صفة المذكر الذي لا يعقل: ما صغِّر مما لا يعقل؛ لأن التصغير وصف في المعنى: كجُميلات في جمع: جُميل تصغير جمل، وحُميِّرات في جمع حمير تصغير حمار.

كيفية جمع الاسم بالألف والتاء:

يسلم في هذا الجمع ما سلم في التثنية؛ لأن التثنية هو جمع السلامة أخوان، فتقول في جمع هند علمًا لمؤنث: هندات، كما تقول في تثنيتها: هندان، لكن عند جمع كلمة مختومة بتاء التأنيث يجب حذف التاء وتنحيتها، فإذا جمعت كلمة: مسلمة -مثلًا- قلت في الجمع: مسلمات، ولا تقل: مسلمتات؛ لئلا تَجمعَ بين علامتي تأنيث، ويُعامل الاسم بعد حذف تائه معاملة العاري منها، وإنما تبقَى تاء المفرد في التثنية حينما تقول: مسلمتان؛ لئلا يلتبس بتثنية المذكر لو حذفت التاء وقلت: مسلمان في تثنية: مسلمة.

وحكم جمع المقصور والممدود هذا الجمع حكمهما في التثنية، فتنقلب الألف المقصور ياءً في مواضع قلبها ياء في التثنية، وتقلب واوًا فيما قُلبت فيه في التثنية واوًا، وكذلك تفعل في الممدود، فما قلبت فيه همزته واوًا تقلبها هنا واوًا، وما يجوز فيها الوجهان مع ترجيح أحدهما يحدث فيه هنا كذلك، وما وجب فيه تصحيح الهمزة تصحح الهمزة هنا وجوبًا كذلك، وهكذا.

فتقول -مثلًا- في جمع حُبلى: حبليات، بقلب الألف ياءً كما قلت في تثنيتها: حبليان، وتقول في جمع صحراء: صحراوات، كما قلت في تثنيتها: صحراوان.

وإذا كان ما قبل التاء الدالة على التأنيث في المفرد حرف علة أو همزة، فبعد حذف تاء المفرد تجري على حرف العلة أو الهمزة ما يستحقه من تصحيح وإعلال، لو كان آخرًا في أصل الوضع قبل مجيء تاء التأنيث، فتقول في جمع نحو ظبية وغزوة: ظبايات وغَزوات، بسلامة حرفي العلة الياء والواو من القلب لكل منهما ألفًا؛ لسكون ما بعدهما، وتقول في الجمع: مصطفاة وفتاة: مصطفيات وفتيات، بقلب الألف فيهما ياء، رجوعًا إلى الأصل في فتاة، ولزيادتها على الثلاثة في مصطفاة؛ لأنها من الصفوة وهكذا تفعل فيما بقي.

خواص الاسم الثلاثي إذا جُمِعَ جمعَ مؤنث سالمًا:

إذا كان المجموع بالألف والتاء اسمًا ثلاثيًّا ساكنَ العين، غير معتلها ولا مُدْغَمِها؛ فإما أن تكون فاؤه مفتوحةً أو مضمومةً أو مكسورة؛ فإن توافرت الشروط الخمسة المذكورة: الاسمية، والثلاثية، وسكون العين، وعدم اعتلالها وعدم إدغامها، وكانت فاؤه مفتوحةً؛ وَجَبَ فَتْحُ عينه؛ إتْبَاعًا لفتح فائه في الجمع بالألف والتاء، يستوي في ذلك العاقل وغيره، صحيح الفاء واللام أو أحدهما فقط هو صحيح، مؤنث بتاءٍ ظاهرةٍ أو مقدرة وذلك نحو: سجدة، ودعد.

تكون في جمعهما بالألف والتاء “سَجَدَاتٌ” و”دَعَدَاتٌ”، بفتح عينهما على سبيل الوجوب، قال الله تعالى: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 167] فكلمة “حَسَرَاتٍ” في الآية الكريمة -بفتح السين- وهي جمع “حسْرة” بسكونها وقال الشاعر:

بالله يا ظبيات القاع قلنَ لنا

*ليلايَ منكنَّ أم ليلى من البشرِ

“ظبيات” في البيت -بفتح الباء- وهو جمع “ظبْيةٍ” بسكونها، والقاع: هو المستوَى من الأرض، وليلايَ -بالإضافة إلى ياء المتكلم- مبتدأ سَقَطَ منه همزة الاستفهام بدليل معادلتها بـ”أم” و”منكن” خبر المبتدأ، وعدل من الإضمار إلى التصريح باسمها للتلذذ -كما قال البلاغيون.

وأما قول عروة ابن حزامٍ العزري:

وحملت زفرات الضحى فأطقتها

*وما لي بزفرات العشي يدانِ

بتسكين الفاء في “زفراتٍ” في الصدر والعجز معًا فضرورة حسنة، قالوا: وهي من أسهل الضرورات؛ لأن العين المفتوحة قد تسكن في الضرورة أو للضرورة وإن لم تكن في جمعٍ ولا ساكنةً في الأصل، فَلَأَنْ تسكن إذا كانت في جمعٍ وكانت ساكنةً في الأصل أحق وأولى، ومن تسكينها مع كونها غير جمعٍ وغير ساكنةٍ في الأصل قول الشاعر:

وعربة أرض ما يحل حرامها

*من الناس إلا اللوزعي الحلاحل

أراد عَرَبَة، وهي -كما في (القاموس المحيط)-: ناحية قرب المدينة، وأقامت قريش بِعَرَبَةَ فَنُسِبَتِ العرب إليها وهي باحة العرب وباحة دار أبي الفصاحة -إسماعيل عليه السلام واضطر الشاعر إلى تسكين رائها فقال: و”عَرْبَةُ” وقول الشاعر: ما يحل حرامها من الناس إلا اللوزعيّ الحلاحلُ، يعني -كما ذكر صاحب القاموس-: النبي صلى الله عليه  وسلم واللوزعي هو الحديد الفؤاد والنفس وهو اللسن الفصيح، والحلاحل هو السيد في عشيرته والشجاع الركين في مجلسه.

وقال آخر:

الموت تأتي لميقاتٍ خواطفه

*وليس يعجزه هلْكٌ ولا لوحُ

أراد هلكًا بالتحريك، و”الهلك” ما بين كل أرضٍ إلى التي تحتها إلى الأرض السابعة، واللوح -بضم اللام- هو الهواء بين السماء والأرض.

وقال آخر:

يا عمرو يا ابن الأقربين نسْبًا

*قد نحب المجد عليك نحبًا

أراد نسبًا فاضطر إلى تسكين السين، وقال الآخر:

وما كل مبتاعٍ ولو سَلْفَ صَفقهُ

*براجع ما قد فاته بردادي

أراد ولو “سَلَفَ” فسكن اللام للضرورة، وسلف صفقه: وجب بيعه ومضى، ويروى: “وما كل مغبونٍ” والمبتاع: هو المشترى، والمغبون: هو المنقوص في الثمن وغيره، والضمير في “سلف صفقه” للمبتاع أو المغبون، والرداد -بكسر الراء- مصدر: رادّ البائع صاحبه مرادَّة وردادًا إذا فاسخه البيع.

وخلاصة هذا الموضع: أن ما توافرت فيه الشروط الخمسة؛ الاسمية والثلاثية وسكون العين وعدم اعتلالها وعدم إدغامها؛ فإن كانت فاؤه مفتوحة وَجَبَ في الجمع بالألف والتاء المزيدتين فتح عينه أيضًا، ويجوز في الشعر تسكينها للضرورة.

ما اجتمع فيه الشروط الخمسة وكان مضموم الفاء أو مكسورها وأردنا أن نجمعه بالألف والتاء: وذلك مثل: خُطْوَةٍ وجُمْلٍ -بضم الجيم- وهو علم امرأة، ومكسور الفاء مثل كِسْرةٍ وهِنْدٍ، فإذا كان الاسم المؤنث جاز لك في جمعه جمع مؤنثٍ سالمًا فتح عينه وإسكانها من غير شروط زائدةٍ على الشروط الخمسة.

ويجوز لك وجه ثالث وهو إتباع حركة العين لحركة الفاء، لكن بشرط أن لا تكون الفاء مضمومةً، واللام ياء وأن لا تكون الفاء مكسورةً واللام واو، وإلا امتنع الإتباع فيهما؛ فمثلًا إذا أردنا أن نجمع كلمة “دمية” بالدال المهملة والياء المثناة التحتية، وهي الصورة من العاج وغيرها؛ كما نلاحظ: الفاء مضمومة، واللام ياء “دمية” فلا يجوز لنا في جمع هذه الكلمة جمع مؤنثٍ سالمًا غير فتح العين أو إسكان العين؛ نقول: دُمَيَاتٌ ودُمْيَاتٌ ولا يجوز دُمُيَاتٌ -بضم الميم- وهي عين الكلمة؛ إتباعًا لحركة الفاء ومثلها كلمة “زُبْيَة” بالزاي والباء الموحدة والياء المثناة التحتية، و”الزُّبْيَةُ” هي حفرة للأسد أو غيره.

وإنما امتنع الاتباع في جمع الكلمتين -دميةٍ وزبيةٍ- ونحوهما؛ لثقل الياء بعد الضمة، وإذا قلنا: دُمَيَاتٌ وَزُبَيَاتٌ -بفتح العين- لا تُقْلَب الياء ألفًا مع تحركها وانفتاح ما قبلها، وذلك لئلا يلتقي ساكنان.

يمتنع الإتباع أيضًا في جمع “ذِرْوُة ورِشْوَة” والذروة بكسر الذال المعجمة وقد تضم وبسكون الراء، وهي أعلى السنام، والرشوة -بكسر الراء، على إحدى اللغات الثلاث- فلا يقال في جمعهما “ذِرِوَات” و”رِشِوَات” بكسر عينهما إتباعًا لكسر فائهما؛ لماذا؟

لثقل الواو بعد الكسرة، ومن هنا حُكِمَ بالشذوذ على قولهم: “جِرِوَات”. بكسر الراء إتباعًا لكسر الجيم في جمع “جِرْوَةٍ بكسر الجيم على إحدى اللغات الثلاث وسكون الراء، و”الجِرْوَة” الأنثى من ولد الكلب والسَّبُع، والصغيرة من القِثَّاءِ شُبِّهَتْ بصغار أولاد الكلاب والسباع للينها ونعومتها.

والخلاصة: في جمع مضموم الفاء أو مكسورها مما توافرت فيه الشروط الخمسة جمع مؤنثًا سالمًا: جواز فتح العين وإسكانها مطلقًا بلا شروطٍ أخرى، وجواز إتباع العين لحركة الفاء، لكن بشرط أن لا تكون اللام ياءً والفاء مضمومة، أو واوًا والفاء مكسورة، وإلى ما سبق بيانه أشار الناظم بقوله:

وسَالِمَ الْعين الثلاثي اسمًا أنلْ

*إتباع عين فاءه بما شكلْ

إن ساكن العين مؤنثًا بدا

*مختتمًا بالتاء أو مجردا

وشكل التالية غير الفتح أو

*خففه بالفتح فكلًا قد رووا

ومنعوا اتباع نحو ذروةْ

*وزبيةٍ وشذ كسر جروةْ

يمتنع التغيير في خمسة أنواع لم تستوفِ الشروط الخمسة وهي:

النوع الأول: فاقد الثلاثة؛ فإذا أردنا أن نجمع مثل: “زَيْنَب وسعاد” قلنا في الجمع “زَيْنَبَات وسُعَادَات” من غير تغيير؛ لأنهما رباعيان.

النوع الثاني: فاقد الاسمية المقابلة للوصفية؛ ففي جمع نحو “صخمة”: بالضاد والخاء المعجمتين نقول: ضخمات، وفي الجمع “عبلةٍ” بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وهي: التامة للخلق “عبلاتٌ” لأنهما وصفان.

والتزمَ في جمع لجبةٍ -وهي الشاة التي جف لبنها بعد زمنٍ من ولادتها- لَجَبَاتٌ بفتح العين مع كونها صفة؛ لأن في لجبةٍ لغتين؛ فتح العين وإسكانها، والفتح أكثر، فَحُمِلَ الجمع على المفرد المشهود، وقيل: لما لَزِمَتِ التاء في لجبةٍ لكونها صفةً للمؤنث، ولا مذكر لها، صار كالأسماء في لزوم التاء، نحو: جَفْنَةٍ وقَصْعَةٍ، وأجاز المبرد إسكان عين لجباتٍ؛ قياسًا لا سماعًا، وغَلَبَ فتح العين في جمع ربعةٍ مع كونه صفةً أيضًا وقالوا: رَبَعَاتٍ؛ لتجويز بعضهم فتح عين الواحد -أي: رَبَعَة- وقيل: إنه كان في الأصل اسمًا ثم وُصِفَ به فلوحظ فيه الأصل، وأهل في الأصل اسم دخله معنى الوصف، فقيل -في جمعه-: أهلونَ، قال تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلّفُونَ مِنَ الأعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا} [الفتح: 11]. وأدخلوا التاء فيه فقالوا “أهلة” قال الشاعر:

وأهلتي ودٍ قد تبرَّيت ودهم

*وأبليتهم في الحمد جهدي ونائلي

يريد: رب من هو أهلٌ للود، قد تبريت: أي تعرضت له بالود، وبذلت له طاقتي من عطاءٍ ونائلٍ، وجمعو “أهلةً” على “أَهْلَاتٍ وَأَهَلَاتٍ” فمن جمعها على “أهْلاتٍ” بسكون العين -وهي الهاء- اعتد بالوصف الطارئ، ومن جمعها على “أَهَلاتٍ” -بفتح الهاء- راعى أصلها، وهو الاسمية كما قال الشاعر:

فهم أهلات حول قيس ابن عاصمٍ

*إذا أدلجوا يدعون بالليل كوثرًا

جمع الشاعر أهلةً على أهَلاتٍ بفتح الهاء -وهي العين- باعتبار اسميته في الأصل، ولذلك فتح عينه، وصف الشاعر: الاجتماع أحياء سعدٍ من بني منقرٍ وغيرهم إلى قيس ابن عاصم المنقري سيدهم، ووصف تعويلهم عليه في أمورهم، والكوثر: هو الجواد الكريم الكثير العطاء -أي: أنهم إذا أدلجوا أي: ساروا من أول الليل- حدوا الإبل بمدحه وذكره.

وشذ “كَهَلَاتٌ” بالفتح بالهاء جمع “كَهْلَة” وهي التي جاوزت الثلاثين سنة، وكان حقه الإسكان؛ خلافًا لقطرب فإنه أجاز الفتح في جميع جمع “فَعْلَةٍ” وذلك نحو “صَعَبَاتٍ” قياسًا على ما سُمِعَ من كهلةٍ على كهَلاتٍ بالفتح، وكهْلات بالسكون أشهر، وإنما سَكَنتْ عين الصفة، وفتحت عين الاسم في جميع ما كان على وزن “ضخمةٍ وعبلةٍ” ونحوهما؛ فرقًا بين الاسم والصفة، وكانت الصفة بالسكون أليق؛ لثقلها باقتضائها الموصوف ومشابهتها للفعل، ولذلك كانت إحدى علل منع الصرف.

النوع الثالث: فاقد سكون العين، وذلك نحو “شَجَرَات” و”ثَمُرَات” بضم الميم، ونَمِرَات” بكسر الميم، ومفرداتها “شجَرة” و”ثمُرة” و”نمِرة” وهي أنثى النمر.

نعم يجوز الإسكان تخفيفًا في نحو: ثمُرات مما كانت عينه مضمومة، ونمِراتٍ مما كانت عينه مكسورة، كما كان إسكان العين جائزًا تخفيفًا للمفرد، وذلك نحو: ثَمْرةٍ ونمرة بإسكان الميم فيهما، فاستُصحب مع الجمع لا أن ذلك الإسكان للعين حُكْمٌ تجدد له حالة الجمع حتى يقال: إن التغيير حاصل بسبب الجمع.

النوع الرابع: فاقد صحة العين، فيقال في جمع نحو “جَوْزَةٍ وبيضةٍ” مما اعتلت عينه بالواو أو الياء، وقبل حرف العين فيه فتحة: جَوْزَاتٌ وبيضاتٌ؛ لاحظ اعتلال العين وسبقها بحرفٍ مفتوح، فلا يُغَيَّرُ في الجمع قال تعالى: {فِي رَوْضَاتِ الْجَنّاتِ} [الشورى: 22] بسكون الواو في الجمع، وتفتح هُزَيْلٌ العين المعتلة في هذا الجمع، ولم تستثقِل فتحة عين المعتل -أي: هزيل- لعروضها عندهم. وبلغتها جاءت قراءة الأعمش: “ثَلَاثُ عَوَرَاتٍ لَكُمْ” بفتح الواو من الآية الثامنة والخمسين من سورة النور.

وبلغتهم قول الشاعر الهزلي -في مدح جمَلِه-:

أخو بَيَضَاتٍ رائحٌ متأوِّب

*رفيق بمسح المَنْكِبين سبوحُ

بفتح الياء من “بَيَضَات” ويروى بلفظ: “أبو بَيَضَات” يقول: جملي في سرعة سيره كالظليم -وهو ذكر النعام- الذي له بيضات يسير ليلًا ونهارًا في الذهاب والإياب، وهو رفيق بمسح المنكبين، عالم بتحريكهما في السير سبوح -أي: حسن الجري- قال ابن جني: وعذره في ذلك -أي: في فتح العين المعتلة في الجمع- أن هذه الحركة إنما وجبت في الجمع، وقد سَبَقَ العلم بكونها في الواحد ساكنة، فصارت الحركة في الجمع عارضةً فلم تحفل -يريد: فلم تُسْتَثْقَل- وإذا كانت العين المعتلة في المفرد ساكنة وقبلها حركة تجانسها، ويقال للعين حينئذٍ: إنها حرف مد وذلك نحو “تارةٍ” و”جارةٍ” و”دولةٍ” وهي الغلبة والشيء المتداول من مالٍ ونحوه، ونحو “ديمةٍ” والديمة -بكسر الدال-: مطر يدوم في سكونٍ بلا رعدٍ ولا برقٍ، إذا كانت العين كذلك جُمِعَتِ الكلمة بلا تغيير، فيقال: تاراتٌ في جمع تارة وجاراتٌ في جمع جارة ودولاتٌ في جمع دولةٍ وديماتٌ في جمع ديمةٍ.

وظاهر كلام بعض الصرفيين أن قبيلة ُهزيل تُحَرِّك في جمع المؤنث السالم العين في هذه الكلمات ونحوها بالفتحة أيضًا، فتقول: تَوَرَاتٌ وجَوَرَاتٌ ودَوَلات ودينات.

وننتقل إلى اسمٍ ثلاثيٍ معتل العين اتفق جميع العرب على فتح عينه في الجمع بالألف والتاء، واختلف العلماء في حركة سائر الجمع وفي أصل حركة فاء المفرد ونوعه ومعناه؛ فقد اتفق جميع العرب على فتح العين في “عِيَراتٍ” جمع عيرٍ بكسر العين المهملة وسكون الياء المثناة التحتية وبالراء، والعيرات: هي الإبل التي تحمل الميرة -أي: الطعام- قال العلماء: وهذا الجمع -عيرات- شاذ؛ لمخالفته القياس؛ لأن مفرده مؤنث بدليل قوله تعالى: {وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ} [يوسف: 94] فحق جمعه في القياس سكون العين كـ”بيعةٍ وبيعاتٍ” لكنهم -أي: العرب- اتفقوا على فتح عينه في جمع المؤنث السالم، واختلف العلماء في ضبط حركة فاءِهِ بين الكسر والفتح -أَيُقَال: عِيَرات؛ أم يقال: عَيَرات؟ أيقال بكسرةٍ ففتحةٍ أو يقال بفتحتين؟

على قولين: الجمهور على القول الأول، كما اختلفوا في المفرد، فقال أكثرهم: عِيرٌ بكسرةٍ أصليةٍ للفاء، وهو اسم جمعٍ للإبل التي تَحْمِلُ الميرة -أي: الطعام- لأنها تُعِيرُ -أي: تذهب وتجيء- وقيل: عير، كسرته ليست أصلية، بل هي منقلبة عن ضمة، وهو جمع تكسير، مفرده “عَيْرٌ” والعير هو الحمار كـ”سَقْفٍ” وجمعه “سُقْفٌ” ثم فُعِلَ به مَا فُعِلَ ببيضٍ من قلب الضمة كسرة، فبيض جمع كسرةٍ لأبيض، وأصله “بُيضٌ” فقلبت الضمة كسرةً؛ لتسلم الياء؛ لئلا يثقل الجمع لو قلبت الياء واوًا إذا كانت الضمة باقيةً قبلها.

وفي الوقت نفسه ليكون ذلك فرقًا بين جمع صحيح العين من “أفعل” الذي مؤنثه “فعلاء” كـ”أحمر” الذي يُجْمَعُ على “حُمْر” لاحظ هذا الاسم صحيح العين، ولذلك جمع على “حُمْر” بضم الفاء، أما نحو: أبيض، لكون عينه حرف علة تُقْلِبُ فِيهِ ضمة فاء الجمع كسرة، لا يقال: بُوضٌ، وإنما يقال: بِيض.

قال أصحاب هذا الرأي: وأصل القافلة: قافلة الحمير ثم توسعوا حتى قيل لكل قافلةٍ عِيرٌ.

ومن القائلين بأن كلمة عيرٍ جمع تكسير على فُعْلٍ وأن مفرده عير رأى أن العير -وهو المفرد- معناه: عَيْرُ الكتف أو القدم، وهو العظم الناتئ في وسطهما فقيل له: أذلك مؤنث؟ قال: نعم، فإن يونس قال: إن كل شيئين منفصلين في الإنسان مؤنثان كاليدين والرجلين.

والنوع الخامس: فاقدُ عدم إدغام العينين؛ فالاسم المدغم العين لا تتغير عينه في هذا الجمع، وذلك نحو: حَجَّاتٍ جمع: حَجَّة بفتح الحاء -وهي المرة من الحج- وحِجَّاتٍ جمع حجةٍ بكسر الحاء -للهيئة من الحج- وحُجَّاتٍ جمع حُجَّةٍ بضم الحاء؛ للدليل، فلا تُغَيَّر العين عن سكونها في ذلك كله؛ لإدغام عينه، فلو حُرِّكَ انفك إدغامه فكان يثقل فتفوت فائدة الإدغام.

error: النص محمي !!