Top
Image Alt

جمع المذكر السالم، والشروط الواجب توافرها فيما يجمع جمع مذكر سالمًا

  /  جمع المذكر السالم، والشروط الواجب توافرها فيما يجمع جمع مذكر سالمًا

جمع المذكر السالم، والشروط الواجب توافرها فيما يجمع جمع مذكر سالمًا

جمع المذكر السالم: ما دل على أكثر من اثنين بزيادة واوٍ مضمومٍ ما قبلها، أو ياءٍ مكسورٍ ما قبلها ونون مفتوحة.

قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مّثَلاً أَصْحَابَ القَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ} [يس: 13] وقال تعالى: {وَاللّهُ يُحِبّ الْمُطّهّرِينَ} [التوبة: 108] وقال عز وجل: {تَوَفّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ} [يوسف:101].

والذي يُجمع هذا الجمع شيئان: الاسم والصفة، ولهذا الجمع شروطٌ لا بد من توافرها فيما يجمع عليه، وهي ضربان -أي: نوعان-:

-ضرب عام للأسماء والصفات

-ضرب خاص بأحدهما.

أولًا: الضرب العام من الشروط الذي لا بد من توافرها في الأسماء والصفات التي تجمع جمع المذكر السالم، وهو شرطان:

الشرط الأول: التجرد عن تاء التأنيث أي: يشترط في الاسم والصفة، وهما ما يجمعان على هذا الجمع أن يكون كل منهما مجردًا عن تاء التأنيث، فلا يجمع جمع مذكرٍ سالمًا نحو: طلحة وأسامة، طلحةَ وأسامةَ في الأسماء، أو نحو: علامة ونسابة في الصفات، خلافًا للكوفيين، وابن كيسان من البغداديين.

أجاز الكوفيون أن يقال في نحو جمْع طلحة: طَلْحُون بسكون عين الكلمة، وابن كيسان أجاز أن يقال: طَلَحُون بفتح عين الكلمة قياسًا على جمعه بالألف والتاء -أي: على جمع هذا النوع بالألف والتاء- كالطلحات والحمزات، وإذا جاز جمع مذكرٍ سُمي بسلمى أو بصحراء ممّا ختم بألف التأنيث مقصورة أو ممدودة، فلأن يجوز هذا فيما آخره تاء التأنيث من باب أولى، هذه هي حجة من أجاز جمع نحو طلحة وعلامة على جمع المذكر السالم مع كون كل منهما مختومًا بتاء التأنيث، وإذا جاز جمع مذكرٍ سُمي بسلمى أو صحراء ممّا ختم بألف تأنيثٍ مقصورة أو ممدودة، فلا أن يجوز هذا فيما آخره تاء التأنيث من باب أولى، ذلك أن ما في آخره ألف التأنيث أشد تمكنًا في التأنيث ممّا في آخره تاء التأنيث؛ لأن ألف التأنيث صيغت الكلمة عليه، ولم تُخرج الكلمة من تذكيرٍ إلى تأنيثٍ بخلاف تاء التأنيث.

وابن كَيْسان رأى أن تحرّك العين؛ لأن نحو طلحة عن جمعه تسقط تاؤه كما سقطت في الجمع بالألف والتاء فقيل: طلحات، وبعد سقوط التاء نحو طلحة ينتهي إلى طلح كأرض؛ فيجمع على طَلَحُون كما جمع أرضٌ فقيل: أََرَضُون بفتح العين حملًا على أرضات؛ فلذلك حُرِّكَتْ العين في الطلَحون حملًا على الطلحات، ومنع ذلك البصريون؛ لأن نحو طلحة مختومٌ بعلامة التأنيث، وهي التاء، والواو النون في الجمع المذكر علامة التذكير، فلو جُمع بالواو والنون لأدى ذلك إلى أن يُجمع في اسمٍ واحدٍ علامتان متضادتان، وهما علامتا التأنيث والتذكير، وإنما اغتفر في التثنية الجمع بين تاء التأنيث وعلامة التثنية؛ لأنه ليس لتثنية ذي التاء سيرة تخصه، فلو حذفت التاء من تثنيته لالتبست بتثنية ما لا تاء فيه، وأما هنا فالجمع بين علامتين متضادتين لا يجوز، وإن حذفت التاء كما عملوه -أي: كما عملهم من أجاز جمع ذي التاء جمع مذكرٍ سالمًا- حذف الشيء مع عدم ما لا يدل عليه، وغلب على الظن أن الجمع إنما هو جمع المجرد عن التاء لكثرة جمع المجرد عنها بالواو والنون، وقياسهم المختومة بالتاء على المختوم بالألف المقصورة أو الممدودة غير سليم؛ لأن المختوم بالألف المقصورة إذا سُمي به مذكر وجمع هذا الجمع -أي: جمع مذكر السالم- حُذِفَتْ الألف، وبقيت الفتحة قبلها دليلًا عليها.

وأما المختوم بالألف الممدودة فعند جمعه هذا الجمع إذا سُمي به مذكر تُقلب همزته واوًًا؛ فتنمحي صورة علامة التأنيث، كما أن الاستعمال الوارد عن العرب يدل على أنه لم يُسمع من العرب في جمع نحو طلحة وهبيرة إلا بالألف والتاء، كقولهم في جمع طلحة: طلحات، وفي جمع هبيرة: هبيرات، قال الشاعر:

رحم الله أعظمًا دفنوها

*بسجستان طلحة الطلحات

والشاهد في قوله: الطلحات، وهو جمع طلحة، والبيت لعبد الله بن قيس الرقيّات في رثاء طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وقد اختُلف في تسميته طلحة الطلحات فقيل: كان كريمًا زوج مائة عربيٍّ بمائة عربية، وأمهرهن من ماله؛ فولد لكلِّ واحدٍ ولدًا، فسماه طلحة فأضيف إليهم، وقيل غير ذلك.

والصواب في الخلاف المتقدم: ما ذهب إليه البصريون لقوة أدلتهم وضعف أدلة مخالفيهم، ويؤكد صحة ما ذهب إليه البصريون أنه لم يُسمع طَلْحون، ولا طَلَحون، وإذا سُمي مذكرٌ عاقلٌ بسعاد وزينب وهند جُمِعَتْ بالواو والنون، كما يجمع نحو زيدٍ بالألف والتاء إذا سُمي به مؤنث، وكذلك إذا سُمي مذكرٌ عاقلٌ بصفة نحو أحمر قيل: أحمرون وأحامر، وإن سُمي به مؤنث قيل: أحمرات وأحامر.

الشرط الثاني: أن يكون ما يُجمع هذا الجمع اسمًًا كان أو صفة من ذوي العقل، أو كما قال بعض العلماء: من أولي العلم، وهذا أفضل لماذا؟ قالوا: إن الأولى في التعبير عن هذا الشرط أن يكون المفرد من ذوي العلم يشمل نحو قوله تعالى: {فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [الذاريات: 48] قال الرضي -رحمه الله-: لا يُطلق عليه تعالى أنه عاقل لإيهام العقل للمنع من القبائح الجائزة على صاحبه.

قالوا: والمراد بكون المفرد من ذوي العقل: أن يكون من أصحاب العقول ولو تنزيلًا، ومنه في الصفة: قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَأَبتِ إِنّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] ومنه قوله تعالى: {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] وقوله عز وجل: {فَظَلّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراءِ: 4].

ثانيًا: الضرب الخاص من الشروط الذي لا بد من توافرها في الأسماء والصفات التي تجمع جمع المذكر السالم:

أ. الشروط الخاصة بالاسم:

فهو أن يكون علمًا، فلا يجمع من الأسماء هذا الجمع ما كان غير علم: كرجل، وإنسان؛ وأن يكون لمذكر أي: لمذكر باعتبار المعنى لا باعتبار اللفظ، فدخل فيه نحو: زينب وسعدى، علمين لمذكرين، وخرج نحو: زيد وعمرو، علمين لمؤنثين، وأن يكون خاليًا من التركيب.

أما التركيب الإسنادي: نحو برق نحره علَمًا، فلا يجمع هذا الجمع باتفاق؛ لأن المحكي لا يُغير.

وأما المركب المزجي: نحو معدي كرب وسيبويه فلا يُجمع هذا الجمع أيضًا على الأصح؛ تشبيهًا بالمركب الإسنادي. وقيل: يجوز جمعه هذا الجمع مطلقًا، أي: سواء أكان مختومًا بـ”ويه” أم كان غير مختوم بـ”ويه”، وقيل: إن ختم بـ”ويه” جاز، وإلا فلا، وعلى الجواز في المختوم بـ”ويه” فمنهم: من يلحق العلامة بآخره، فيقول: جاء سيبويهون، ومنهم: من يحذف “ويه” ويقول: جاء سيبون. وعلى القول بعدم جواز جمع العلم المركب تركيبًا مزجيًّا كالمركب تركيبًا إسناديًّا، إذا أريد الدلالة على أكثر من اثنين ممن سُمي بأحد هذين المركبين -الإسنادي، والمزجي- قيل: ذوو كذا.

أما المركب الإضافي: فيجمع جزؤه الأول كما هو الحكم في تثنيته، فيقال في نحو غلام زيد علمًا: غلامو زيد في حال الرفع، وغلامي زيد في حالي الجر والنصب. وأجاز الكوفيون جمع الجزأين -أي: المضاف والمضاف إليه- فيقال على مذهبهم: غلامو الزيدين، وغلامي الزيدين، قال الروداني: لا أظن أن أحدًا يجترئ على مثل ذلك فيما فيه الإضافة إلى الله تعالى، إنما الله إله واحد.

ب. الشروط الخاصة بالصفة:

فهي: أن تكون صفة لمذكر من ذي العِلم:

فلا يجمع هذا الجمع ما كان صفة لمؤنث كحائض، أو صفة لمذكر من غير ذوي العِلم: كسابق صفة فرس، ولا يرد على هذا الشرط الجمع المطلق عليه سبحانه وتعالى كما في قوله عز وجل: {وَإِنّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47] وقوله: {فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [الذاريات: 48] وقوله -تبارك وتعالى-: {وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} [الحجر: 23] لأنه جمع سماعي؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، وكلامُنا في جمع المقيس.

قال الدماميني: معنى الجمعية في أسماء الله تعالى ممتنع، وما ورد منها بلفظ الجمع فهو للتعظيم، يقتصر فيه على محل وروده، ولا يُتعدى، فلا يقال: الله رحيمون؛ قياسًا على ما ورد، معنى: أننا علينا أن نقف عند حد المسموع بالنسبة لصفات المولى عز وجل.

كما يشترط في الصفة: أن تكون قابلة لتاء التأنيث، فيخرج بهذا الشرط ثلاثة أبواب من الصفات لا تجمع هذا الجمع:

الباب الأول: باب “أفعَل”، الذي مؤنثه “فَعْلاء”، أي: الباب الذي الوصف المذكر منه على وزن “أفعَل”، ووزن مؤنثه على وزن “فعْلاء”، كأحمر وحمراء، وأعور وعوراء.

الباب الثاني: باب “فَعْلان” الذي مؤنثه “فَعْلا” كسكران، الذي مؤنثه سكرى.

الباب الثالث: ما يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث، كقولك: رجل صبور، وامرأة صبورٌ، فالصفات المؤنثة في الأبواب الثلاثة المذكورة لا تقبل تاء التأنيث، فلا يجمع مذكرها جمع مذكر سالمًا فلا يقال: أحمرون؛ لأن مؤنثه حمراء، فلا يقبل التاء، ولا يقال:  كرانون؛ لأن مؤنثه سكرى، فلا يقبل التاء، ولا يقال: صبورون؛ لأن مؤنثه صبور، فهو لا يقبل التاء.

وإنما شرط في الصفة لهذا الجمع قبول التاء؛ لأن الغالب في الصفات أن يفرق بين مذكرها ومؤنثها بالتاء؛ لتأديتها معنى الفعل، والفعل يفرق فيه بين المذكر والمؤنث بالتاء، تقول: الرجل قام، والرجل يقوم، والمرأة قامت، والمرأة تقوم، فكل صفة لا تقبل التاء فكأنها خرجت عن الصفات وصارت من قبيل الأسماء، فتعامل معاملة الأسماء، ولا يجمع على هذا الجمع من الأسماء إلا الأعلام، وهي ليست من الأعلام، فكأنها خرجت من النوعين اللذين يجمعان على هذا الجمع.

وقد شذ من هذا الأصل أفعلُ التفضيل، فهو صفة لا تقبل التاء، ومع ذلك يجمع هذا الجمع، فتقول: الأفضلون، والأكثرون، والأكبرون، وأفضل ما قيل في تعليل ذلك ما قاله العلامة الرضي من أن ذلك لعله جبر لما فاته من العمل في فاعل المظهر، والمفعول مطلقًا، مع أن معناه في الصفة أبلغ وأتم من اسم الفاعل، الذي إنما يعمل فيهما، أي: في الفاعل المظهر، والمفعول مطلقًا لأجل ما فيه من معنى الصفة.

وأجاز ابن كيسان أن يقال: أحمرون، وسكرانون، وهذا مخالف لاشتراط الجمهور في الصفة أن تكون مما يقبل تاء التأنيث، واستدل ابن كيسان على ما أجازه بقول الشاعر:

فما ولدت بنات بني نِذار

*حلائل أسودينا وأحمرينا

ويروى صدره بلفظ: “فما وجدت نساء بني تميم” وهو عند غير ابن كيسان شاذ لا يقاس عليه.

مذهب الكوفيين في جمع الصفة:

فقد أجازوا جمع الصفة الذي يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث، وذلك مخالف أيضًا -لاشتراط الجمهور في الصفة- أن تكون قابلة لتاء التأنيث، وقد استدل الكوفيون على هذا بقول الشاعر:

منا الذي هو ماء طرَّى شاربه

*والعانسون ومنا المرضو والشيب

قوله: “ماء طرى شاربه” يريد أنه لم ينبت شاربه مع بلوغه أوان الإنبات، ويروى بضم الطاء أيضًا أي: بلفظ “ماء طُرى شاربه” والشاهد في قوله: “العانسون” وهو جمع العانس، والعانس: من بلغ أوان التزوج ولم يتزوج، ذكرًا كان أو أنثى، وهو من الصفات المشتركة التي لا تقبل التاء عند قصد التأنيث؛ لأنها تقع للمذكر والمؤنث بلفظ واحد، والبيت لا حجة للكوفيين فيه لحكم الجمهور عليه بالشذوذ.

error: النص محمي !!