Top
Image Alt

جهاز النطق وأعضاؤه

  /  جهاز النطق وأعضاؤه

جهاز النطق وأعضاؤه

. مصطلح جهاز النطق:

كان الاهتمام الأكبر بالجانب النطقي؛ لأن آلته ومصدر إصداره لهما وجود حقيقي ملموس عند كل الناس بلا فرق، وهو جهاز النطق، يليه في الاهتمام، والوقوف على أبعاده، الجانب السمعي؛ لأن آلته وجهازه المستقبل له، يتمثل في الأذن بأعضائها الفاعلة، فكلها من نعم الله الممنوحة لكل إنسان سوي.

أما الجانب الأكوستيكي وهو غير منكر عندهم، فقد حرموا نوع حرمان من الدخول في تفاصيله، وكيفيات تفعيله على وجه يقرب من صنعهم في الجانبين الآخرين؛ ذلك لأنه جانب عزت عليهم آلاته وأجهزته الكاشفة عن طبيعته في هذا الوقت السحيق من الزمن، إنه جانب فيزيائي يبحث في الحلقة الوسطى- أي: الهواء- الحاملة للمنطوق إلى منتهاه، وهو الأذن، وهي مرحلة لم تكتشف أهميتها وطبيعتها وفاعليتها في مسيرة الصوت إلا حديثًا، الأمر الذي عاقهم.

جهاز النطق:

ونبدأ بعد ذلك بجهاز النطق، وليس من المبالغة في شيء أن يقرر منذ البداية: أن جهاز النطق هو الإنسان نفسه بكل أعضائه وأجهزته العضوية والبيولوجية والنفسية أيضًًا، ذلك أن هذه الأعضاء والأجهزة كلها لها دخل في عملية إصدار الكلام، وإن بصور مختلفة، بحسب العضو أو الجهاز المعين.

واللغويون أنفسهم يعرفون ذلك ويدركونه تمامًا، ولكنهم بحكم تخصصهم لا يستطيعون الدخول إلى هذا الجانب الواسع المعقد، ويكتفون بالنظر لهذا الجزء المعين والمحدد لاتفاقهم من الرئتين حتى نهاية الرأس، لما ينتظمه من أعضاء لها دخل مباشر في عملية إصدار الأصوات، كالأنف والفم بكل أعضائه؛ وبهذا النهج اللغوي نأخذ ونكتفي بجهاز النطق المتفق على تحديده وتعيينه من اللغويين جميعًا.

ويكفي- هنا- أن نلم إلمامًا مناسبًا بهذه الأعضاء، ووظائفها النطقية، وأن نشير- في إيجاز- إلى الدور الذي يقوم به كل عضو في إصدار الأصوات اللغوية.

تعريف موجز بأعضاء النطق:

وفيما يأتي توضيح ووصف لكل عضو من أعضاء هذا الجهاز، وتعريف بها موجز ينبئ عن دور كل منها في عملية النطق:

1. الشفاه.

2. الأسنان.

3. أصول الأسنان، ومقدم الحنك.

4. الحنك الصلب، وسط الحنك.

5. الحنك اللين، أقصى الحنك.

6. اللهاة.

7. طرف اللسان.

8. مقدم اللسان، وسط اللسان، مؤخر اللسان.

9. الحلق.

10. لسان المزمار.

11. موقع الأوتار الصوتية، أو موقع الوترين الصوتيين.

12. ذلق اللسان أو نهايته.

13. منطقة الحنجرة من الأمام، ثم القصبة الهوائية.

أما الحنجرة: فتقع في أسفل الفراغ الحلقي، وتكون الجزء الأعلى من القصبة الهوائية، وهي الممر المؤدي إلى الرئتين، وهي أشبه بحجرة ذات اتساع معين، ومكونة من عدد من الغضاريف، أحدها- وهو الجزء العلوي منها- ناقص الاستدارة من الخلف، وعريض بارز من الأمام، ويعرف الجزء الأمامي منه بتفاحة آدم.

ويقع فوق الحنجرة شيء أشبه باللسان يسمى: لسان المزمار أو الغلصمة، ووظيفة هذا اللسان حماية الحنجرة، وطريق التنفس كله في أثناء عملية بلع الطعام، ويبدو على كل حال أنه لا دخل للسان المزمار، في تكوين الأصوات بصورة مباشرة.

أما الوتران الصوتيان “Vocal cords”: وهما أشبه شيء بشفتين يمتدان أفقيًّا بالحنجرة من الخلف إلى الإمام، وللوترين الصوتيين قدرة على الحركة، وعلى اتخاذ أوضاع مختلفة تؤثر في الأصوات أو في طريقة نطق الصوت، وأهم هذه الأوضاع أربعة:

الوضع الأول: وهو الوضع الخاص بالتنفس.

الوضع الثاني: فهو وضع الوترين الصوتيين في حالة تكوين نغمة موسيقية.

الوضع الثالث: فهو وضعهما في حالة الوشوشة.

الوضع الرابع: فهو وضعهما في حالة تكوين الهمزة، أو ما يعرف بهمزة القطع عند البعض.

كذلك من بين أعضاء النطق “الحلق” وهو الجزء الواقع بين الحنجرة والفم، وقد يسمى هذا الجزء “بالفراغ الحلقي” أو “التجويف الحلقي” وهو الفراغ الواقع بين أقصى اللسان والجدار الخلفي للحلق، ثم هذا الحلق مخرج مجموعة من الأصوات التي تنسب إليه، فتعرف بأصوات الحلق وهي: الهمزة، والعين، والحاء، والهاء، والغين، والخاء، على اختلاف في المدارج في هذا الحلق.

أما العضو الذي تسمى اللغة به فهو اللسان: وهو من أهم أعضاء النطق، ولأهميته سميت اللغات به، فيقال في العربية: اللسان العربي، أو لسان العرب، ويقصدون بذلك اللغة العربية، وكذلك الحال مثلا في اللغة الإنجليزية، حيث تطلق الكلمة “Tongue” لسان ويقصدون اللغة، وهو عضو مرن قابل للحركة إلى حد كبير، يستطيع أن يتخذ أوضاعًا مختلفة، وأشكالًا متعددة؛ ولذلك يقسمه علماء الأصوات عادة إلى أقسام.

والمهم هنا في الدرس الصوتي- بوجه خاص- ثلاثة، وهي:

القسم الأول: أقصى اللسان أو مؤخره، وهو الجزء المقابل للحنك اللين، أو ما يسمى بأقصى الحنك، أي: الجزء هنا المقصود به أقصى اللسان أو مؤخر اللسان.

القسم الثاني: وسط اللسان أو مقدم اللسان، وهو الجزء الذي يقابل الحنك الصلب، أو ما يسمى بوسط الحنك.

القسم الثالث: فهو طرف اللسان، وهو الجزء الذي يقابل اللثة، وهناك أجزاء أخرى للسان هي نهايته أو ذلقه، ولكن هذا الجزء في الواقع يعد داخلًا فيما يسمى بطرف اللسان، وهناك جزء آخر يسمى: أصل اللسان، إذ معنى ذلك: أن هناك ثلاثة أجزاء هي: أقصى اللسان، ووسط اللسان، وطرف اللسان، ثم الأجزاء الأخرى المتصلة بهذه الأجزاء الثلاثة نهاية اللسان أو ذلقه، ويتصل بالجزء المعروف بطرف اللسان، ثم هناك الجزء الآخر الذي يسمى أصل اللسان.

أما العضو الآخر من أعضاء جهاز النطق عند الإنسان فهو “الحنك” ويشار إليه أحيانًا بالأسماء الآتية: الحنك الأعلى، أو سقف الحنك، أو سقف الفم، وهذا العضو يتصل به اللسان في أوضاع مختلفة، ومع كل وضع من هذه الأوضاع بالنسبة لأي جزء منه تخرج أصوات مختلفة، لذلك يقسم الحنك عادة- في الدراسات الصوتية- إلى ثلاثة أجزاء- كما مر في تقسيم اللسان.

الجزء الأول: مقدم الحنك أو اللثة، بما في ذلك أصول الأسنان العليا.

الجزء الثاني: وسط الحنك، أو الحنك الصلب، ويسميه بعضهم “بالغار”.

الجزء الثالث: أقصى الحنك أو الحنك اللين ويسميه بعضهم “بالطبق” ومقدم الحنك هو ذلك الجزء من سقف الحنك الواقع خلف الأسنان العليا مباشرة، وهو محدّب ومحزز، أما الحد الفاصل بين اللثة وما يليها من الحنك الصلب، فهو ذلك الجزء من سقف الحنك الذي ينتهي فيه التحدب، ويبدأ التقعر، واللثة من أعضاء النطق الثابتة، أي: غير المتحركة، أما بقية الحنك فهو يقسم إلى: وسط الحنك، أو الحنك الصلب، وأقصى الحنك، أو الحنك اللين.

ويمكن أن يدرك الفرق بين صلابة الجزء الصلب وليونة الجزء اللين، بالنظر في مرآة أو باللمس باللسان أو الإصبع، والحنك الصلب ثابت لا يتحرك، أما الحنك اللين فهو قابل للحركة، فقد يرفع الحنك اللين، وقد يخفض فإذا رفع إلى أقصى ما يمكن فإنه يمس الجدار الخلفي للفراغ الحلقي، ومن ثم يمنع مرور الهواء الخارجي من الرئتين عن طريق الأنف، وكثير من أصوات اللغة العربية يتكون عندما يتخذ الحنك اللين هذا الوضع، مثل أصوات: الباء، والتاء، والسين، والصاد، وغيرها.

أما إذا خفض الحنك اللين فإن الطريق أمام الهواء الخارج من الرئتين يكون مفتوحًا، لكي ينفذ من الأنف، ولا يتم نطق النون والميم العربيتين إلا عندما يتخذ الحنك اللين هذا الوضع.

من أعضاء النطق أيضًًا “اللهاة”؛ فهي نهاية الحنك اللين له دخل- أي: للهاة أو لهذا العضو- في نطق القاف العربية الفصيحة كما ينطقها مُجِيدو القراءات في مصر اليوم، كذلك من الأصوات التي تنسب إلى اللهاة: صوت الكاف، فالقاف والكاف لهويتان.

أما التجويف الأنفي فهو تجويف يندفع الهواء من خلاله عندما ينخفض الحنك اللين فيفتح الطريق أمام الهواء الخارج من الرئتين ليمر من طريق الأنف، وهذه هي الحال عند النطق بالنون والميم العربيتين.

كذلك من أعضاء النطق أيضًًا: الشفتان، والشفاه من أعضاء النطق المهمة، وهي أيضًًا من الأعضاء المتحركة، وهي تتخذ أوضاعًا مختلفةً حالَ النطق، ويؤثر ذلك في نوع الأصوات وصفاتها، ويظهر هذا التأثير بوجه خاص في نطق الأصوات المسماة بالحركات، وقد تنطبق الشفتان انطباقًا تامًّا، كما قد تنفرجان ويتباعد ما بينهما إلى أقصى حد ممكن، وبين هاتين الدرجتين من الانطباق والانفتاح درجات مختلفة، ويحدث الانطباق التام في نطاق الباء مثلًا، ويحدث الانفراج الكبير لكثير من الأصوات كالكسرة العربية مثلًا مع بعض الأصوات الأخرى.

كذلك من أعضاء النطق الإنسانية الأسنان: فالأسنان من أعضاء النطق الثابتة، أي: غير المتحركة، ويقسمها- أي: يقسم الأسنان علماء الأصوات- إلى قسمين: أسنان عليا وأسنان سفلى، وللأسنان وظائف مهمة في عدد من الأصوات اللغوية، فقد يعتمد عليها اللسان مثلًا كما في نطق الدال والتاء عند بعض الناس، كما تقع الأسنان العليا فوق الشفة السفلى حال النطق بالفاء.

هذه هي أعضاء النطق التي ينبغي الإلمام بها، وبوظائفها، على كل دارسي الأصوات، وبغير هذه الإلمامة لا يمكنه استيعاب ميكانيكية جهاز النطق، وسيتضح لنا كثير من وظائف هذه الأعضاء في أماكن متناثرة من هذه المحاضرات عند الكلام على الأصوات اللغوية بالتفصيل، ووصف الأصوات العربية.

وهناك عضو تجدر الإشارة إليه في هذا المقام، ونعني بذلك: الرئتين، فالرئتان لا تقل أهميتهما عن أهمية أي عضو من أعضاء النطق، بل إنهما أهم منها جميعًا، فبغير الرئتين لا تتم عملية التنفس، من ثم لا تتم عملية النطق، بل لا تكون الحياة ذاتها.

وبذلك يتضح أن هذه الأعضاء التي يبلغ عددها كما مر خمسة عشر عضوًًا: الشفاه، والأسنان، وأصول الأسنان، والحنك الصلب، والحنك اللين، واللهاة، وطرف اللسان، ومقدم اللسان، ومؤخر اللسان، والحلق، ولسان المزمار، وموقع الوترين الصوتيين، وذلق اللسان، ومنطقة الحنجرة من الأمام، والقصبة الهوائية، هذه الأعضاء تتعاون جميعًا لإنتاج وإصدار الأصوات اللغوية المختلفة، ولكل عضو وظيفته الأساسية في إنتاج صوت ما دون صوت آخر، وبعض الأعضاء تشترك في نطق كثير من الأصوات.

ولمزيد من الإيضاح أشار بعض الدارسين إلى مناطق أخرى في جهاز النطق لها أثر ودور مهم في العملية النطقية للأصوات، ومنحها صفات معينة تميز بعضها من بعض، كما يظهر ذلك في المناطق الأربع التي أطلقوا عليها جميعًا مصطلح التجاويف، وهي: الحلق، والفم، والتجويف الأنفي، والتجويف الشفوي عند استدارة الشفتين، فهذه المناطق الأربعة هي الأجهزة الأساسية في إحداث الوضوح السمعي للكلام، وبها يتم تشكيل الأصوات بصور مختلفة ومنحها صفات تميز بعضها من بعض.

بعض هذه التجاويف ثابت لا يتحرك كالتجويفين: الحلقي والأنفي في حين أن التجويف الفموي متغير بلا نهاية بشكله وحجمه في كل الحالات غالبًًا؛ بسبب حركات اللسان الذي يملأ الفم، ويشكل الجزء الأسفل منه، وكذلك الشفاه قابلة للحركة في شكلها وحجمها بصورة كبيرة، من شأنها أن تعدل وتؤثر في تأثير التجويف الفموي تأثيرًًا كبيرًا.

فهذه التجاويف الأربعة تجويف الحلق أو الفم أو التجويف الأنفي أو التجويف الشفوي، فعند النطق بالأصوات الشفوية- مثلًًا- ينطلق الهواء الخارج من الرئتين إلى أن يصل إلى تجويف الفم، وهنا يتجمع الهواء خلف الشفتين المطبقتين تمامًًا، والشفتان هنا تنطبقان، وتمنعان تسرب الهواء، ثم تنفرج الشفتان فجأةً، فيخرج صوت الباء، أما عند النطق بالفاء فهنا تنطبقان، ولكن لا تمنعان تسرب الهواء، وإنما يكون هناك احتكاك بينهما عند نطق الفاء، هذا الاحتكاك من شأنه أن يجعل بعض الهواء يتسرب مما يحدث حفيفًا أو احتكاكًا، لذلك يطلق على صوت الفاء أنه “صوت مهموس” فهذا تجويف هنا يفيد في تجمع الهواء الخارج من الرئتين، وإطلاق أصوات الفم، أو الأصوات الشفوية. والله أعلم.

error: النص محمي !!