Top
Image Alt

جهود ابن حزم التربوية

  /  جهود ابن حزم التربوية

جهود ابن حزم التربوية

هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، وُلِدَ في منية المغيرة بقرطبة في رمضان عام أربع وثمانين وثلاثمائة، لأسرة موسرة،

وكانت اهتمامات ابن حزم العلمية واضحة منذ نشأته الأولى، فقد كان أبوه حريصًا على تنشئته على السلوك الإسلامي القويم، وكان يحيطه برقابة دائمة في سنوات الطفولة والصبا تلقى دروسه على جواري أبيه، فتعلم منهن القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم ورواية الشعر ولما بلغ الثالثة والعشرين من عمره اتجه إلى دراسة الفقه ومذاهبه، وزاد اهتمامه به، حتى صار له باع في الفقه، وأتباع يعرفون بالحزمية.

وهذا كله فضلًا عن آرائه التربوية التي حفلت بها مؤلفاته الكثيرة.

العوامل المؤثرة في فِكر ابن حزم:

كانت شخصية ابن حزم في تكوينها وليدة ظروف أحاطت بها وتركت آثارًا واضحة في سلوكه وفي اهتماماته الفكرية والتربوية، وقد أشرنا إليها سالفا عند الحديث عن نشأته. وربما كان أخطر المؤثرات في حياته الفكرية اتباعه المذهب الظاهري، ونبوغه فيه ودعوته إليه؛ فباتباعه هذا المذهب قد أغضب فقهاء الأندلس، فأثاروا العامة على ابن حزم، وحرَّضوا الأمراء على مباعدته وإحراق كتبه.

الحرية وتنشئة الفرد المتحرر عند ابن حزم:

إن مقصو  الحرية عنده هي حرية التفكير والتعبير، وفي رأيه أن المسلم لا يخضع إلا لربه، ولا قيود تقيده إلا ما يصدر عن المباديء الدينية والخلقية.  وحرية التفكير عند ابن حزم تدفع الإنسان إلى أن يحترم النتاج العقلي لغيره، والرأي الذي يجب أن يأخذ الإنسان به هو الرأي المعتمد على الأدلة والبراهين، وما سوى ذلك لا يَعتد به ابن حزم.

ويرى ابن حزم أن على المسلم أن يتصل بربه بلا واسطة، بعيدًا عن سطوة الفقهاء والأولياء والأئمة، فيتعامل مع النصوص الدينية مباشرة طالما ملك القدرة على فهم الدلالات اللغوية بعيدا عن الغموض، والرموز التي لا وجود لها في الدين، ووجب على الإنسان الانقياد لما أوجبه النص، أو الإجماع، فالنص كلام الله تعالى لا يختلف فهو حق والإجماع لا يأتي إلا بحق.

وكان ابن حزم يرى إن الإنسان تقيده نزوات الجسد إذا خضع لها، وظهر ذلك بوضوح في كتابه (طوق الحمامة) الذي حث فيه على العِفة، وسما فيه بالحب الطاهر داعيًا إلى التحرر من نزوات الجسد، ولم يجد -وهو عالم الشريعة- حرجًا في ذلك.

وخلاصة رأيه في الحرية:

أن ابن حزم يريد أن يحرر العقل من التقليد والخرافات، ويحرر النفس من الذلة والخضوع لغير الله، ويحرر الجسد من النزوات، وهي فضائل دعا إليها في كتاباته.

التربية الخلقية عند ابن حزم:

كان ابن حزم في منهجه لا يعتد بغير الواقع. اتجه ابن حزم في نظرته إلى الأخلاق اتجاهًا عمليًّا واقعيًّا مستمدًّا من تحليله للواقع الأندلسي ومعرفته عيوب قومه، وكان منهجه في تناول المشكلة الأخلاقية لا يعتد بغير الواقع؛ لذا كانت آراؤه في الإصلاح والتربية، تعبيرًا عن الواقع الأندلسي، ناقدًا له ومحاولًا علاجه.

وأصول الفضائل عند ابن حزم أربعة هي: النجدة، والجود، والعدل، والفهم.

وأصول الرذائل كلها أربعة هي: الجبن، والبخل، والظلم، والجهل.

ويرى أن الذي يميز بين الفضائل والرذائل هو ما نحن به من أنس إلى الفضيلة والطاعة، ونفور من الرذيلة والمعصية، فإن تحقيق من الإنسان ذلك. كان قادرا على خبط نفسه، والتحكم في ذاته.

الأسس العامة للمنهج:

لابن حزم متطلبات خمسة ينبغي مراعاتها في المنهج التعليمي الذي يقدم للتلاميذ، هناك مطلب ديني، ومطلب خُلقي، ومطلب يتصل بنفع المادة التعليمية للمسلمين في زمانهم الذي يعيشونه، ومطلب يتصل بنضج المتعلم، ومناسبة المادة له، ومطلب يتصل بطبيعة محتوى المادة التي نعلمها للتلاميذ.

أما ما يتصل بالمطلب الديني: فإن تعليم أمور الدين للتلاميذ مطلب رئيس، وفيما يتصل بالمطلب الخلقي: يجب أن تساعد المواد الدراسية المتعلم على تكوين القواعد الخلقية التي تؤدي إلى تهذيبه وتمسكه بالفضائل.

وأما فيما يتصل بنفع المادة التعليمية: يوجب ابن حزم الاهتمام بالعلوم النافعة للمسلمين في زمانهم، فيقدمها على غيرها.

وفيما يتصل بنضج المتعلم ومناسبة المادة التعليمية له: نجد سن بدء التعليم عند ابن حزم هي الخامسة؛ فالطفل عند هذه السن يكون قد حصّل نوعًا من النضج يساعده على التخاطب.

أما فيما يتصل بطبيعة المادة التي نعلمها ومحتواها: فإنه يرى أن تكون المواد خاضعة لبراهين العقل، ولملاحظة الحواس، وقابلة للتجريب فيما يستدعي ذلك، لذا رفَضَ علم أحكام النجوم؛ لأنه ليس برهانيًّا.

محتوى المنهج وأهدافه الخاصة:

قدم ابن حزم مواد الدراسة وفقًا لتدرجها في نظره، فبدأ بما يناسب طفل الخامسة، ثم انطلق مع نمو المتعلم دون أن يحدد مراحل دراسية بطريقة مباشرة عند عرض محتوى المنهج:

  • الكتابة: دعا ابن حزم إلى بدء تعليم الصبية عندما نجد منهم الاستعداد والجسمي والعقلي للكتابة والفهم لما يقال لهم، وذلك يكون في نحو الخامسة من مولد الصبي.
  • القراءة والقرآن: ومستوى تعلم القراءة هو المهارة في قراءة ما تصل إليه يد المتعلم باللهجة التي تناسب بلده، ويرتبط بإجادة القراءة حفظ القرآن الكريم؛ ليتدرب بقراءته على جودة النطق، وليستفيد المبادئ السامية التي يحتويها في تقوية إرادته لمواجهة مشكلاته الحاضرة والمستقبلة.
  • النحو واللغة: ينتقل المعلم إذا أجاد المواد السابقة إلى تعلم النحو الذي يشمل قواعد الصرف، وضبط أواخر الكلمات ليستعين به في مخاطبة الناس وفهم كتبهم، ومع النحو يدرس علم اللغة الذي يقوم على دراسة الألفاظ ودلالتها اللغوية.
  • العدد: يأتي علم العدد بعد تعلم النحو واللغة، ويدرس المتعلم في هذه المادة الضرب والطرح والقسمة والجمع ويأخذ طرفًا من المساحة.
  • المنطق والطبيعيات: وبعد أن يدرس المتعلم المواد السابقة يدرس المنطق والعلوم الطبيعية، فيدرس في المنطق الأجناس والأنواع والقضايا والمقدمات والنتائج والقرائن وأساليب التفكير السليم؛ ليعرف ماهية البراهين، وما يتوهم أنه برهان وليس ببرهان، ويدرس الطبيعيات وأحوال الجو وتركيب الصناعات في المعادن والنبات والحيوان، ويقرأ كتب التشريح ليقف على محكم الصنعة وتأثير الصانع وتأليف الأعضاء واختيار المدبر وحكمته.
  • علم الأخبار: اهتم ابن حزم بالتاريخ فوجه المتعلم إلى دراسة أخبار الأمم الماضية والحاضرة وأخبار الملوك سواء الظالمون أم العادلون، وهذه الدراسة ترغب المتعلم في الفضائل وتنفره من الرذائل.
  • ما بعد الطبيعة: إذا أتقن المتعلم العلوم السابقة اللسانية، فالرياضية فالطبيعية فالاجتماعية، كان مهيئًا للبحث في العقائد وما وراء الطبيعة، فيتناول البحث في علة وجوده في الحياة ويبحث في الآخرة، ويقيم الأدلة على أن العالم مخلوق لله وليس قديمًا، كما يتناول النبوات حتى يقر في النهاية بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

أساليب التعليم:

لقد أشار ابن حزم إلى أن لكل من المعلم والمتعلم دور هام، فالمعلم يجب عليه أن تكون المادة التي تدرس للمتعلم مقبولة لدية، لتلقي استجابة منه، ويجب أن تكون وسيلة المعلم التشويق والتدرج وسيلة المعلم التشويق والتدرج، لا القسر والإرغام.

ويجب على المعلم أن يكون قدوة لطلابه في سلوكه وتطبيقه للمبادئ التي يعلمها، وعليه أن يمارس الفضائل؛ وعلى المعلم ألا يذم ما يجهل من العلوم، وأن لا يحسد غيره ولا يحتقر من هم دونه، وعلى المتعلم أن يقبل برغبة ونشاط على طلب العلم، وأن يهتم بالسماع والقراءة ومصاحبة الكتاب.  

error: النص محمي !!