Top
Image Alt

جهود القابسي التربوية

  /  جهود القابسي التربوية

جهود القابسي التربوية

ثانيًا: القابسي، وآراؤه التربوية:

هو: أبو الحسن علي بن محمد خلف المعافري، المعروف بالقابسي، وُلِدَ بالقيروان سنة ثلاثمائة وأربع وعشرين، وبها تربّى وتعلم وعلَّمَ، وبها مات، ودُفِنَ سنة ثلاث وأربعمائة.

وكان القابسي عالمًا ضريرًا، فقيهًا ورِعًا، وله مؤلفات كثيرة أفرد واحدا منها في التربية الإسلامية وهو “أحكام المعلمين والمتعلمين”.

آراء القابسي التربوية:

تصدى القابسي في رسالته إلى الكلام عن تعليم الصبيان من حيث أغراضه ومناهجه وطرق تدريسه وأماكنه ومراحله، كما تحدث عن بعض الأحكام الخاصة بالمعلم، والغرض من التعليم معرفة الدين علمًا وعملًا، ويجعل القابسي من تعليم القرآن غرضًا هامًّا لتعليم الصبيان، فالقرآن ضرورة لمعرفة الدين وهو يتفق مع غيره من علماء المسلمين في أن الغرض الأول من تعليم الصبيان هو معرفة الدين علمًا وعملًا.

وجوب تعليم الصبيان:

فتعليمهم واجب وجوبًا شرعيًّا، و يدلل على هذا بوجوب معرفة القرآن والعبادات، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ لذا كان التعليم واجبًا؛ لأنه شرط معرفة القرآن والعبادات.

وقد استقر هذا المبدأ عند علماء المسلمين فيما بعد عندما أصبح طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

تعليم البنت حقٌّ:

يعترف القابسي بحق البنت في التعليم انطلاقًا من أن التكاليف الدينية واجبة على الرجل والمرأة، وهو بهذا يتفق مع روح الإسلام الحقيقية التي جعلت من طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة على حد سواء، إلا أنه ذهب إلى عدم الخلط بين الصبيان والإناث، وهو مبدأ سبق أن أكده ابن سحنون لاعتبارات أخلاقية، وينبغي أن تُعلَّم البنت ما فيه صلاحها ويبعدها عن الفتنة.

منهج الدراسة:

يذهب القابسي إلى أن الغاية الدينية هي التي تحدد العلوم التي يدرسها الصبيان، وأول هذه العلوم: حفظ القرآن وقراءته وكتابته ونطقه وتجويده، وتعليم الحساب والمواد الأخرى -في نظره- ليس بشرط لازم.

الدين أصل الأخلاق:

يعتبر القابسي الدين أصل الأخلاق فالدين أساس التربية الخلقية في الإسلام؛ لذلك يجب أن يعمل التعليم على تهذيب الأخلاق، وأساس الأخلاق عنده الضمير الخلقي الحي المستمد من الدين الذي يعتمد على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك» ويكون اكتساب الأخلاق عن طريق التعليم والقدوة؛ ولذلك كانت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ذات فائدة تعليمية خلقية عظيمة قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} [الأحزاب: 21].

الفضائل والرذائل:

إن الفضائل من تمام كمال الإنسان، وقد نبه القابسي إلى أثر تكوين العادة في اكتساب الفضائل لدى الإنسان؛ ولذا يوصي المعلم بتوجيه الصبيان إلى العادات الحسنة وإبعادهم عن العادات الرذيلة، وأول الصفات الطيبة التي يتحلى بها الصبيان في نظره، الطاعة وهي ليست واجبة عليهم نحو المعلم فحسب، بل هي واجبة نحو الله والرسول –صلى الله عليه وسلم- وأولي الأمر كما جاء في القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59].

ومن الصفات الطيبة النظام، فالفوضى مفسدة للصبيان، وذلك يقتضي  الانتظام في الحضور وعند الانصراف من الدرس، والتحلي بالنظام من العبادات الاسلامية. الواجب ممارستها، وعلى المعلم أن يعلمها للصبيان باعتبارها أصل الفضائل، وعصمة من الرذائل.

الرفق بالصبيان:

إن العقوبة مشروعة في الإسلام وقد أقر القابسي مبدأ عقاب الصبيان، لكنه يترفق معهم تمشيًا مع روح الإسلام التي تتسم بالرحمة والعفو، وينزل المعلم من الصبي منزلة الوالد وطالبه بأن يكون رفيقًا به، عادلًا في عقابه غير متشدد فيه وقد نهى القابسي عن استخدام أسلوب الحِرمان من الطعام والشراب في العقاب.

نهى المعلم عن ضرب الصبيان في حالة الغضب؛ وأشار القابسي إلى اتباع أسلوب الترغيب والترهيب في معاملة الصبيان.

نظام الدراسة:

إن نظام الدراسة عنده يقوم على أساس الدراسة طول أيام الأسبوع باستثناء يوم الجمعة والنصف الثاني من يوم الخميس، وتكون من أول النهار .ويخصص مساء الأربعاء وأول يوم الخميس للمراجعة والتدقيق من جانب المعلم للصبيان، وتكون أول النهار حتى الضحى مخصصة للقرآن الكريم، ومن الضحى إلى الظهر لتعليم الكتابة، وعند الظهر ينصرف التلاميذ لتناول الغذاء، ثم يعودون بعد صلاة الظهر؛ حيث يدرس الصبيان فيما يتبقى من نهار بقية العلوم كالنحو والحساب والشعر، ويخصص مساء الأربعاء للصبيان.

النهي عن تعليم غير المسلمين:

لقد نهى القابسي عن تعليم غير المسلمين في الكتاتيب، ونهي أيضًا عن تعليم أبناء المسلمين في المدارس النصرانية.

المعلم:

لم تكن هناك شروط يسمح للمعلم بناء عليها بمزاولة المهنة، بل كان الأمر يعتمد على الشعور بالقدرة، فَمَن آنس في نفسه المقدرة على التعليم جاز له ذلك، وقد اشترط القابسي في المعلم معرفة القرآن، والنحو، والشعر، وأيام العرب، إلى جانب شخصيته الدينية وسمعته الطيبة من ذلك يتضح وجد الاتفاق والشبه الكبير بين ما يقوله القابسي وما ذهب إليه ابن سحنون. ورغم أن القابسي أعطى للمعلم سلطة كبيرة على الصبي تساوي سلطة الوالد، إلا أن حمله المسئولية والنتيجة النهائية لعمله وليس له أن يعتذر عن فساد النتيجة بالقاء اللوم على الصبيان. فيستحق بذلك العقاب، والمحاسبة على التقصير في علمه، وقد يصل العقاب إلى منعه من الاشتغال بالتعليم.

error: النص محمي !!