Top
Image Alt

جهود المحدثين بعد ذلك في مناهج التأليف في الحديث

  /  جهود المحدثين بعد ذلك في مناهج التأليف في الحديث

جهود المحدثين بعد ذلك في مناهج التأليف في الحديث

وقد أكثر المحدثون بعد ذلك من الاعتماد على المصنفات الحديثية، سواء كانت بحسب الموضوع أو كانت بحسب الأسانيد، أو كانت على طريقة المعاجم، ويطول بنا المقام لو تتبعنا مصنفًا مصنفًا، وجُمعت الأحاديث النبوية في هذه المصنفات على الوضع الذي ذكرناه بحسب الموضوع، أو بحسب الصحابة، أو بحسب الشيوخ، ثم اعتمدت الكتب التالية لذلك في رواية الحديث على ما في هذه الكتب، وتعليل بعض الأحاديث، أو بيان أحاديث تؤيد ما في هذه الكتب، أو نحو ذلك من مقاصد التأليف، كما في (سنن البيهقي) وكما في (المختارة) التي ذكرناها أيضًا، وغير ذلك من الكتب الكثيرة المتعددة, على أي ترتيب من الترتيب الذي ذكرناه.

فلما انتهى عصر الرواية بدأ العلماء في تأليف مفاتيح للتخريج من هذه الكتب، وجمع طرقها وإعادة ترتيب أسانيدها على أوضاع أخر كما في (تحفة الأشراف) للمزي الذي جمع فيه أسانيدَ الكتب الستة، وألفه الحافظ أبو الحجاج يوسف المزي، ولد سنة 654 وتوفي سنة 742، وشرع في تأليف كتابه (تحفة الأشراف) سنة ستمائة وستة وتسعين، وختمه سنة سبعمائة وثنتين وعشرين، واعتمد على الكتب الستة، وعلى كتاب أبي القاسم بن عساكر في كتب السنن، واعتمد على كتاب أبي مسعود الدمشقي وخلف الواسطي في أحاديث الصحيحين، ومصادره القريبة التي اعتمدت على هذه المصادر, واعتمد عليها (أطراف الصحيحين) لأبي مسعود الدمشقي، و(أطرافهما) لخلف و(الإشراف على معرفة الأطراف) لابن عساكر.

وفهرسَ للأحاديث وللأسانيد التي رويت بها، ووضع رموزًا تدل على الكتب، فعلامة ما اتفق عليه الجماعة الستة: “ع”، والبخاري: “خ” كما هو معروف في رموز هؤلاء الأئمة، وما في أوله من الكلام على الأحاديث: “ز” أي: مما زاده، وما قبالته: “ك” فهو مما استدركه على الحافظ أبي القاسم بن عساكر.

ويُفهم من كل ما قلناه أنه دمج بين (أطراف الصحيحين) و(الإشراف) لابن عساكر، وزاد على ذلك زيادات، واستدرك على ابن عساكر استدراكات، ونتج عن ذلك أن فاته ما سقط من هذه الكتب في الغالب. ومن أمثلة ذلك: أنه سقط منه حديث عمرو بن حريش بن عبد الله بن عمرو مرفوعًا في “بيع البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة” ورتب الأحاديث بحسب من رواها من الصحابة؛ فيذكر حديث صحابي ثم آخر كما فعل أصحاب المسانيد، ورتب الصحابة على حروف: “أ، ب، ت، ث” كما فعل الطبراني في معجمه الكبير، وإذا اتحد الاسم الأول للصحابة راعى في التقديم أسماءَ الآباء بحسب الحرف الأول ثم الثاني ثم الثالث، ولما انتهى من أسماء الصحابة ذكر الكنى بحسب ترتيب الأبناء.

وإذا انتهى من الكُنى ذكر من اشتهر بالنسبة إلى أبيه أو أمه أو جده أو نحو ذلك، ثم ذكر المبهمين من الصحابة، ثم ذكر أسماء النساء، ثم كنى النساء، ثم المبهمات من النساء، وحرَص على ترتيب أحاديث كل قسم من أقسام كتابه، فذكر أحاديث الصحابي الذي قلت روايتُه، وأحاديث التابعي عن الصحابي إذا قلت روايته عنه، وأحاديث تابعي التابعي عن التابعي عن الصحابي إذا قلت روايته عن التابعي، وأحاديث تابعي تابع التابعي أو تابع التبع إذا روى أحاديثَ متعددةً عن تابع التابعي.

وألفت كتبٌ كثيرة أيضًا فيما يتصل بخدمة السنة، ومن أجمعها (الجامع الكبير) للسيوطي، ولخصه في (الجامع الصغير) ووضع زيادة عليه، ورتب الكتاب على الموضوع كما في كتاب (كنز العمال), ومصادره كثيرة متعددة.

وفي العصر الحاضر واصل المحدثون نشاطَهم في التأليف في الحديث، لكن فيما يتعلق ببيان العلل أو وضع موسوعات للسنة كما نجد في (موسوعة التخريج) الآن, وهي موسوعة ضخمة كبيرة، وأيضًا في (ملتقى الحديث) نجد بحوثًا جيدة في مجال خدمة الحديث، وأيضًا أعدت “جامعة الأزهر” (موسوعة السنة) حيث وزعت أصولًا للسنة من الكتب الأصلية على الباحثين، كل باحث يدرس عددًا من الأحاديث لكشف عللها، وبيان ما فيها، وما يُستفاد من عرضها.

وظلت مدرسة الحديث في مجال جمع الحديث وتدوينه مستمرةً إلى أن جاء هذا العصر الذي جمعت الأحاديث فيه، وتيسر الوصول إلى كثير منها، كما يقوم المحدثون بجهد كبير في إحياء الكتب الأصلية في جميع العصور، وما يساعد على معرفة هذه الكتب الأصلية تحقيقًا ودراسةً؛ فظهر كثير من الكتب التي كانت في حكم المعدومة لعدم ظهورها، والأمل كبير في أن تواصل الأمة الإسلامية في جميع أقطارها وجميع التخصصات فيما يتصل بخدمة الحديث الشريف في إخراج المخطوطات للأئمة القدماء، ومتابعة الدراسات لفهم مناهجهم والتعرف على طرقهم.

كما أن دراسة الحديث موضوعيًّا -أي: بحسب الموضوع- الحاجة إليها ماسة والمسلمون في حاجة إليها؛ لأن السنة إذا عرضت متكاملةً في مجال واحد أو في موضوع واحد، لها من الأثر ولها من التأثير ما ليس لحديث واحد في موضوع يحتاج إلى أحاديث كثيرة، والأحاديث يغذي بعضها بعضًا، ويعرف بعضها ببعض، كما أن آيات القرآن الكريم يعرف بعضها ببعض، والقرآن والسنة أمران متكاملان يغذي بعضهما بعضًا.

وقد اتجه شُرَّاح الحديث قديمًا إلى شرح الحديث من الناحية التحليلية مع مزج ذلك بالدراسة الموضوعية؛ اكتفاءً بما فعله الفقهاء وعلماءُ العقيدة وغيرهم ممن تخصص في جانب من الجوانب الإسلامية، لكن الحاجة -الآن- ماسة إلى تدعيم وتقوية ومتابعة الدراسة الموضوعية للحديث في إطار ما تيسر من وسائل التخريج مما لم يتيسر مثله للقدماء، فيظهر من العلل ما لم يكن يظهر، ومن التكامل ما يفيد الجميع؛ وبذلك ظهر جهد المحدثين في مناهج التأليف في الحديث.

error: النص محمي !!