Top
Image Alt

جواز التفاضل والنسيئة في غير المكيل والموزون، ومن باع سلعة بنسيئة لا يشتريها بأقل مما باعها

  /  جواز التفاضل والنسيئة في غير المكيل والموزون، ومن باع سلعة بنسيئة لا يشتريها بأقل مما باعها

جواز التفاضل والنسيئة في غير المكيل والموزون، ومن باع سلعة بنسيئة لا يشتريها بأقل مما باعها

. جواز التفاضل والنسيئة في غير المكيل والموزون:

الحديث الأول: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((اشترى عبدًا بعبدين))؛ لأن العبد لا يُكال ولا يُوزن. هذا الحديث رواه الخمسة، وصححه الترمذي، ولمسلم معناه.

الحديث الثاني: وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((اشترى صفيَّة بسبعة رءوس، أو بسبعة أرأُس من دحية الكلبي)) رواه أحمد، ومسلم، وابن ماجه.

 قوله: ولمسلم معناه، ولفظ: عن جابر قال: ((جاء عبد، فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيِّده يريده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بعنيه. واشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدًا بَعْدُ حتى يسأله أَعَبْدٌ هو؟))، وفي الحديثين دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا، إذا كان يدًا بيدٍ، وهذا مِمَّا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً.

الحديث الثالث: عن عبد الله عمرو رضي الله عنهما قال: ((أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبعث جيشًا على إبل كانت عندي، قال: فحملت الناس عليها حتى نَفِدَتْ الإبل، وبقيت بقية من الناس، قال: فقلت: يا رسول الله، الإبل قد نفدت، وقد بقيت بقية من الناس لا ظهرَ لهم. فقال له: ابتع علينا إبلًا بقلائص من إبل الصدقة إلى محلِّها، حتى تنفذ هذا البعث. قال: وكنت أبتاع البعير بقلوصين، وثلاث قلائص من إبل الصدقة -والقلوص: هو البعير الصغير- إلى محلِّها حتى نفذت ذلك البعث، فلما جاءت إبلُ الصدقة أدَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم)) رواه أحمد، وأبو داود، والدراقطني بمعناه.

الحديث الرابع: وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “أنه باع جملًا يُدعى “عصيفيرًا” بعشرين بعيرًا إلى أجل”، رواه مالك في (الموطأ)، والشافعي في مسنده.

الحديث الخامس: وعن الحسن عن سمرة قال: ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بَيْع الحيوان بالحيوان نسيئةً)) رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وروى عبد الله بن أحمد مثلَه من رواية جابر بن سمُرة.

وفي الباب: عن ابن عباس عند البزار، والطحاوي، وابن حبان، والدارقطني بنحو حديث سمرة. قال في (الفتح): ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في وصله وإرساله، فرجَّح البخاري، وغير واحد إرساله. قال البخاري: حديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً من طريق عِكرمة، عن ابن عباس رواه الثقاتُ عن ابن عباس موقوفًا، وعن عِكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.

وفي الباب أيضًا: عن ابن عمر عند الطحاوي والطبراني، وعنه أيضًا عند مالك في (الموطأ)، والشافعي: أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة يوفيها صاحبها بالرَّبذة، وذكره البخاري تعليقًا، وعنه أيضًا عند عبد الرزاق، وابن أبي شيبة: أنه سُئل عن بيع ببعيرين فكرهه. وروى البخاري تعليقًا عن ابن عباس، ووصله الشافعي أنه قال: “قد يكون البعير خيرًا من البعيرين”. وروى البخاري تعليقًا أيضًا عن رافع بن خديج، ووصله عبد الرزاق: “أنه اشترى بعيرًا ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غدًا”.

وروى البخاري أيضًا، ومالك، وابن أبي شيبة عن المسيب أنه قال: لا ربا في الحيوان. وروى البخاري أيضًا، وعبد الرزاق عن ابن سيرين أنه قال: لا بأس ببعير ببعيرين.

قوله: “حتى نفدت الإبل” بفتح النون، وكسر الفاء، وفتح الدال، نَفِدَتْ وفتح الدال المهملة، وآخره تاء التأنيث.

قوله: “بقلائص” قال ابن رسلان: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة، أي: الصغيرة.

قوله: “حتى نفذت ذلك البعث” بفتح النون، وتشديد الفاء، بعدها ذال معجمة، ثم تاء المتكلم أي: حتى تجهز ذلك الجيش، وذهب إلى قصده.

والأحاديث والآثار المذكورة في الباب متعارضة كما ترى، فذهب الجمهور إلى جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة متفاضلة مطلقة، وشرط مالك: أن يختلف الجنس، ومنع من ذلك مطلقًا مع النسيئة أحمد بن حنبل، وأبو حنيفة، وغيرُه من الكوفيين، والهادوية، وتمسَّك الأولون بحديث ابن عمر، وما ورد في معناه من الآثار.

وأجابوا عن حديث سمرة بما فيه من المقال، وقال الشافعي: المراد به النسيئة من الطرفين؛ لأن اللفظ يحتمل ذلك، كما يحتمل النسيئة من طرف، وإذا كانت النسيئة من الطرفين فهي من بيع الكالئ بالكالئ، وهو لا يصحُّ عند الجمهور، واحتجَّ المانعون بحديث سمرة، وجابر بن سمرة، وابن عباس، وما في معناها من الآثار.

وأجابوا عن حديث بن عمرو بأنه منسوخ، ولا يخفى أن النسخ لا يثبت إلا بعد تكرُّر تأخر الناسخ، ولم ينقل ذلك، فلم يبقَ هنا إلا الطلب بطريق الجمع إن أمكن ذلك، أو المصير إلى التعارض، قيل: وقد أمكن الجمع بما سلف عن الشافعي، ولكنه متوقف على صحَّة إطلاق النسيئة على بيع المعدوم بالمعدوم، فإن ثبت ذلك في لغة العرب، أو في اصطلاح الشرع؛ فذاك، وإلا فلا شك أن أحاديث النهي، وإن كان كل واحد منها لا يخلو عما قال، لكنها ثبتت من طريق ثلاثة من الصحابة: سمرة، وجابر بن سمرة، وابن عباس، وبعضها يقوِّي بعضًا، فهي أرجح من حديث واحد غير خالٍٍ عن المقال، وهو حديث عبد الله بن عمرو، ولا سيما وقد صحَّ الترمذي وابن الجارود حديث سمرة، فإن ذلك مرجِّح آخر، وأيضًا قد تقرَّر في الأصول: أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة، وهذا أيضًا مرجح ثالث. وأما الآثار الواردة عن الصحابة فلا حُجةَ فيها، وعلى فَرْض ذلك فهي مختلفة كما عرفتَ.

من باع سلعة بنسيئة لا يشتريها بأقل ممَّا باعها: معنى هذا الحديث أن الرجل يبيع سلعة لرجل، ثم يشتريها من الذي باعها له بأقل من ثمنها. هذه حيلة: هو بيع حرام لا يصح، ولونٌ من ألوان الربا. بعض الناس يتبايعون بمثل هذا البيع، وهو أن يبيع الرجل سلعة، ثم يشتريها من المشتري بأقلَّ مما باعها له، هذا تحايل لأكل أموال الناس بالباطل.

الحديث في ذلك: عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة رضي الله عنها فدخلت معها أم ولدٍ لزيد بن أرقم، فقالت: “يا أم المؤمنين، إني بِعت غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئةً، وإني ابتعته منه بستمائة نقدًا، فقالت لها عائشة: بئس ما اشتريتِ، وبئس ما شَرَيت، إن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بَطَلَ إلا أن يتوب”. رواه الدارقطني.

انظر إلى هذا البيع المحرم الذي هو لون من ألوان الربا، أبطل جهادَ زيد بن أرقم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يعود زيد عن البيع بهذه الصورة؛ فرجع عن ذلك رضي الله عنه كما سترى في شرح ذلك الحديث.

الحديث: يقول الشوكاني: في إسناده الغالية بنت أيفع، وقد رُوي عن الشافعي أنه لا يصحّ، وأقر كلامَه ابنُ كثير في إرشاده، وفيه دليل على أنه لا يجوز لِمَن باع شيئًا بثمن نسيئة، يعني: الثمن متأخر أن يشتريه من المشتري بدون ذلك الثمن نقدًا قبل قبض الثمن الأول. أما إذا كان المقصود التحايل لأخذ النقد في الحال، وردّ أكثر منه بعد أيام؛ فلا شكَّ أن ذلك من الربا المحرم، الذي لا ينفع في تحليله الحيل الباطلة، وسيأتي الخلاف في بيع العينة في الباب الذي بعدها.

والصورة المذكورة هي صورة بيع العينة، وليس في حديث الباب ما يدلُّ على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا البيع، ولكن تصريح عائشة بأن مثل هذا الفعل موجبٌ لبطلان الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلُّ على أنها قد علمت تحريم ذلك بنصٍّ من الشارع، إما على جهة العموم كالأحاديث القاضية بتحريم الربا، الشامل بمثل هذه الصورة، أو على جهة الخصوص كحديث العينة -الآتي- ولا ينبغي أن يُظن بها أنها قالت هذه المقالة من دون أن تعلم بدليل يدلُّ على التحريم؛ لأن مخالفة الصحابي لرأي صاحبي آخر لا يكون من الموجبات للإسقاط.

error: النص محمي !!