Top
Image Alt

جوانب العملية الكلامية

  /  جوانب العملية الكلامية

جوانب العملية الكلامية

هناك تقسيمات مختلفة يتمُّ على أساسِها تقسيم علم الأصوات من جوانبه المختلفة:

التقسيم الأول: تنتظم عملية الكلام خمس أحداث متتالية مترابطة، يقود بعضُها إلى بعض؛ حتى تتمَّ الدائرة بين المتكلم والسامع في أبسط موقف من المواقف اللغوية، وهذه المراحل أو الأحداث بترتيب وقوعِها هي:

  1. الأحداثُ النفسية والعمليات العقلية التي تجري في ذهن المتكلم قبل الكلام أو في أثناء الكلام.
  2. عمليةُ إصدار الكلام الممثّل في أصوات ينتجها ذلك الجهاز المسمّى جهاز النطق.
  3. الموجات والذبذبات الصوتية الواقعة بين فم المتكلم وأذن السامع، بوصفها ناتجة عن حركات أعضاء الجهاز النطقي، وبوصفها أثرًا مباشرًا من آثار هذه الحركات.
  4. العمليات العضوية التي يخضع لها الجهاز السمعي لدى السامع، والتي وقعتْ بوصفها رد فعل مباشرٍ للموجات والذبذبات المنتشرة في الهواء.
  5. الأحداث النفسية والعمليات التي تجري في ذهن السامع عند سماعه للكلام, واستقباله للموجات والذبذبات الصوتية, المنقولة إليه بواسطة الهواء.

ويقتضي منطقُ الأمور أن يَنظرَ اللغوي في هذه الخُطوات الخمس؛ حتى يقفَ على حقيقة مادته، ويتعرفَ على طبيعتها وجوانبها المختلفة، غير أنّ الأمرَ قد استقر لدى غالبية المحدَثين من اللغويين على إهمال الجانبين الأول والخامس، وعدم التعرض لهما تعرضًا مباشرًا في البحث اللغوي، وقد اعتمدوا في ذلك على مجموعة من الأسباب، أوجزها الدكتور بِشْر في أمرين اثنين:

الأمر الأول: أنّ هذين الجانبين المشار إليهما جانبان نفسيّان عقليّان، واللغويُّ معنيٌّ أول الأمر وآخره بالأحداث اللغوية المنطوقةِ بالفعل، لا بمصادرها أو آثارها النفسيَّة العقليِّة.

الأمر الثاني: أنّ هذه العمليات النفسية العقلية عمليات معقدة وغامضة إلى حدٍّ يجعل الحُكمَ عليها من وجهةِ النظر اللغوية حكمًا تعوزه الدقة والوضوح، هذا إلى جانب أن اللغوي بطبيعة حرفته أو مهنته ليس مؤهلًا للنظر في هذه الأمور، وليس مُطالَبًا بذلك؛ ولكن مَنْ إذن؟ إنه عالم النفس.

“بلومفيلد” الأمريكي:

يرى العالم اللغوي الأمريكي “بلومفيلد” رائد المدرسة السلوكية “Behaviorstice School”، أنّ العمليةَ اللغوية وما تنتظمها من أحداث في أبسط موقفٍ لغوي، وهذا الموقف البسيط يحلله “بلومفيلد” إلى ثلاثة أقسام أساسية:

الأول: الأحداث العملية السابقة للكلام، وهي بمثابة المثير أو الدافع الذي يحملُ المتكلمَ على أن يتكلم.

الثاني: الكلام نفسُه.

الثالث: الأحداث العملية التالية للكلام، وهي بمثابة رد فعل واقعي يقوم به السامع.

فهاهنا يضع “بلومفيلد” في الحسبان شيئين بدلًا من شيئين آخرين؛ إنه ينظرُ إلى المثيرِ العملي السابق للكلام بدلًا من العمليات النفسية والعقلية التي يخضع لها المتكلم، ويراعي ردّ فعل المتكلم العملي من جانب السامع مقابل العمليات النفسية والعقلية التي تجري في ذهن السامع عند استقباله الكلام، وبالطبع ما يثيره “بلومفيلد” هنا ليس مقبولًا؛ لأن ذلك يعني: أنّ الإنسان لا يتصرف لغويّا إلا عند وجود دافع مادي يدفعه إلى الكلام، وهو بهذا يجعلُ الإنسانَ أشبه بالآلة التي لا تعمل إلا بتقديم الوقود.

وهذه النظرية السلوكية تُسمّى أيضًا بالنظرية الميكانيكية؛ لما تتضمنُه من تشبيه سلوك الإنسان وتصرفاته اللغوية بحركية الآلة، وقد نقلها “بلومفيلد” من ميدان علم النفس إلى ميدان علم اللغة، متأثرًا بأستاذه “فايس” وهي نظرية إن صح تطبيقُها فإنّما يكون ذلك على الحيوان الأعجم والصغار من الأناسي، وبالرغم من هذا التحليل الجديد الذي أثاره “بلومفيلد” إلا أنه- كغيره من اللغويين- يركّز اهتمامه اللغوي على الكلام نفسِه, بوصفه المجال الحقيقي لدارسي اللغة.

أما القسمان الآخران: ما يسبق الكلام، وما يتبعه من عمليات فلا يعنيان طالب اللغة لذاتهما، وإنما لارتباطهما بحقل عمله الرسمي، ونعني بذلك: اللغة نفسَها، أو الكلامَ الذي يقع في المحل الأول لدى اللغويين جميعًا.

“فيرث” الإنجليزي:

أما “فيرث” الإنجليزي فإنه لا يُهمل الجانب النفسي من أيّ طرف كان، بل يقررُ أنه ليس في استطاعتنا إهمال هذا الجانب أو التنكر له، وإنما علينا- نحن اللغويين- معالجتُه بطريق اللغوي، ولا بد أن نستطيع ذلك، فالجانب النفسي العقلي لدى المتكلم مُضمّن في كلامه، ومستقرٌّ بداخله أو به، ونحن بتحليلنا هذا الكلام نكون قد حللنا هذا الجانب، ولكن بطريقة لغوية بحتة، أي: دون افتراض أو تخمين لما يجري في نفس المتكلم أو في ذهنه كما يفعل علماء النفس.

أما الجانب النفسي العقلي من جهة السامع: فالموقف اللغوي بكل ظروفه وملابساته كفيلٌ بتفسيره وتوضيحه، بوصفه الإطار العام والرئيسي، كذلك في تحليل العملية اللغوية كلِّها، بما في ذلك المتكلم والسامع، وما يَرتبطُ بكلٍّ منهما من أحداث عقلية أو غير عقلية.

التركيز على الجانب اللغوي:

ومهما يكن من أمر فقد اتفق هؤلاء اللغويون جميعًا على التركيز على الجانب اللغوي، ذلك الجانب الذي يَتمثل في الكلام المنطوق بالفعل في الموقف المعين، والتي يُمكن تحليلها من وجهات نظر عدة، أي: من ناحية خواصها الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدِّلالية، أي: من جوانب اللغة.

أما من ناحية الأصوات- وهي المجال هنا- :

فقد تبين من هذه المجموعة من العمليات الخمس التي قدّمها لنا “بلومفيلد” أن أصوات الكلام لها ثلاثة جوانب متصلة لا يمكن تصوّر أحدها بدون الآخر، وهذه الجوانب هي:

  1. جانب إصدار الصوت اللغوي، أو الجانب النطقي، وهو ما يُشَار إليه كذلك بالجانب الفسيولوجي أو العضوي للأصوات، ويَتمثلُ هذا الجانب في عملية النطق من جانب المتكلم، وما تنتظمه هذه العملية من حركات أعضاء الجهاز النطقي.
  2. جانب الانتشار في الهواء، أو الجانب الفيزيائي، ويتمثل هذا الجانب في الموجات الصوتية المنتشرة في الهواء نتيجةً لحركات أعضاء هذا الجهاز النطقي.
  3. جانب استقبال الصوت، أو الجانب السمعي، ويتمثل ذلك الجانب في تلك الذبذبات المقابلة للموجات الصوتية، والتي تؤثر على طبلة أذن السامع وتعمل عملها في ميكانيكية أذنه الداخلية, وفي أعصاب سمعه؛ حتى يُدركَ الأصوات.

هذه الجوانب الثلاثة تقعُ- كما يتضح- في مجال علم الأصوات، وهذا العلم هو المختص بدراستِها دون غيره من فروع علم اللغة، غير أن تعددَ هذه الجوانب وتنوّعها يستلزم تفريعه إلى فروع يقابل كل فرع منها جانبًا من جوانب الصوت، ويقوم بدرسه وتحليله, وفقًا لطبيعته ومكوناته، وهذا ما يحدث بالفعل.

error: النص محمي !!