Top
Image Alt

حاجة الناس إلى الكتب السماوية

  /  حاجة الناس إلى الكتب السماوية

حاجة الناس إلى الكتب السماوية

1. بيان أن الله تعالى أنزل الكتب تأييدًا لرسله, وهدًى للعالمين:

أولًا: حاجة الناس إلى الرسالة السماوية:

هذا الوحي هو النور الذي يُضيء سماء الدنيا حينما تشرق الرسالة السماوية، وتنبع حاجة الإنسان إلى بعثة الرسل من طبيعته البشرية التي فُطر عليها؛ لأن هذا الإنسان من أعظم المخلوقات شأنًا, فقد رزقه الله قوةً عقلية ميَّزته عن سائر المخلوقات الأرضية، ومكّنته من تسخير الحيوان، وتشكيل الجماد في معظم الأحيان حيث يشاء؛ إلا أن قدرات هذا الإنسان محدودة النطاق، وتوجيهها نحو الاتجاه السليم -الذي يرضاه رب السموات والأرض والآفاق- لا يتأتَّى إلا بتوجيهٍ من الرسل, الذين يبعثهم الله واسطةً بينه وبين هذا الإنسان؛ ليوقظوه بالرسالة السماوية من وَحَل الوثنيَّات التي سقَطَ فيها كثير من الأمم قبل بزوغ شمس الرسالة الإلهية، وليأخذوا بيدِه إلى الصراط المستقيم، ويعرِّفوه كيف يعبد خالقه العبادة الحقَّة الصحيحة؛ فتُصبح لقُدراته التي وهبه الله تعالى مع توجيه الرسل نتائجها السليمة لما أراده اللهُ من كرامة العاقل، وتشريف أفعاله، واستقامة أحواله، وانتظام مصالِحِه حين هيئه للحكمة، وطبعه على المعرفة؛ ليَجعَله حكيمًا وبالعواقب عليمًا. لأن الناس بنظرهم لا يُدركون مصالحهم بأنفسهم، ولا يشعرون لعواقب أمورهم بغرائزهم، ولا ينزجرون مع اختلاف أهوائهم دون أن تَرِد عليهم آداب المرسلين وأخبار القرون الماضين، فتكون آداب الله فيهم مستعملة، وحدوده فيهم متَّبعة، وأوامره فيهم ممتثلة، ووعده ووعيده فيهم زاجرًا، وقصص من غبر من الأمم واعظًا؛ فإن الأخبار العجيبة إذا طَرقت الأسماع، والمعاني الغريبة إذا أيقظت الأذهان -استمدتها العقول، فزاد علمها وصحّ فهمها، وأكثرُ الناس سماعًا أكثرهم خواطر، وأكثرهم خواطر أكثرهم تفكرًا، وأكثرهم تفكُّرًا أكثرهم علمًا، وأكثرهم علمًا أكثرهم عملًا، فلم يوجد عن بعثة الرسل معدِل، ولا منهم في انتظام الحق بدل.

ومن هنا يظهر بجلاء حاجة الناس إلى الرسالة السماوية، وتتلخص تلك الحاجة في النقاط التالية:

أ. تحقيق عبادة الله تعالى وحده، وإخلاص العمل له:

لما كان الغرض من خلق الإنسان والجانّ، وتسخير جنس الحيوان، وإبداع السموات والأرض والأكوان -هو عبادة الله تعالى وحده، ومعرفته بأسمائه وصفاته، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات: 56]، والحذر من الوقوع في الشرك والبدع، كما قال سبحانه: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36], ولما كان العقل البشري قاصرًا في ماهيته وحقيقته -إذ لا يتمكّن بدون الرسالة السماوية من عبادة الله تعالى, على الوجه الذي يُحبه ويرضاه- فإن هذا الغرض النبيل.

وهذه الغاية السامية لا تتم ولا تحصل إلا بالرسالة الإلهية، وذلك بإرسال وسائط من الله تعالى إلى خلقه؛ فكان من حكمة الله ورحمته أن أنزل كتبًا، وأرسل رسلًا مبشرين ومنذرين، واتفقت كلمتهم أجمعين على أمر أممهم بعبادة الله تعالى وحده، والكفر بعبادة ما سواه من مظاهر الكون التي وقع فيها الإنسان حينما غابت عنه شمس الرسالة، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

وقد حققت الرسالة المحمدية -وهي خاتمة الرسالات- هذه الغاية السامية، حينما دعت إلى تحرير الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى سعة الإسلام ورحمته.

إذًا: كانت هذه الكتب السماوية توضِّح حاجة الناس إلى كيفية عبادة الله تعالى وحده على الوجه المطلوب؛ لأنه بدون هذا النور والوحي الذي يأتي به الرسل والأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- من لدن أولهم آدم إلى آخرهم خاتم النبيين محمد -صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين- هذا النور وهذا الوحي الذي يتمثل في الرسالات السماوية, لولاه لما عبدَ الإنسان خالقه العبادة الصحيحة وفق الشرع الذي يقبله الله عز وجل؛ ولذلك نُدرك أن الأمم والعصور التي غرَبت عنها شمس الرسالة الإلهية ظهرت فيها طقوسٌ وصور من العبادات المرفوضة، والتي ظنّ أصحابها أنهم يعبدون الله تعالى حق عبادته؛ ولذلك لما بزغت شمسُ الرسالة الإسلامية في مجتمع مكة ظهرت في مجتمعٍ يعبد الأوثان، فكانت تلك الأوثان تُعبَدُ عبادةً يظن عابدوها أنهم يتقربون بها إلى الله عز وجل, بحيث يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}.

ومن ثَمّ عبدوا الأحجار، والأخشابَ، والأشجارَ، وحتى التمر، كما يُروى عن أبي حفصٍ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في حاضر الإسلام, أنه تذكر يومًا من أيام الجاهلية فضحك، فقال رضي الله عنه: “إنه كان في ليلةٍ من الليالي يعبد صنمًا صنعه من التمر، فكان إذا جاع أكله”.

فهذا يدل على أنه بدون شمس الرسالة السماوية، وبدون نور الوحي الذي يأتي به الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- لا يعبد الناس ربهم عبادةً صحيحة، فكان مما يبين حاجة الناس إلى الرسالة السماوية هو كونهم يعبدون الله سبحانه وتعالى حق عبادته، ويخلصون له العبادات جميعها عكس الأمم التي لم يأتِها نذير، ولم تستضئ بنور الوحي؛ فإنها تعيش في جهالات وتصوُّرات بعيدة عن الحق المطلوب، فيتفشَّى الشرك، وتظهر البدع، ويبعد الناس عن دين الله سبحانه وتعالى.

ب. إقامة الحجة على الخلائق:

فالله سبحانه وتعالى حكيمٌ يضع الأمور في مواضعها، عليمٌ بأحوال عباده، فلو لم يبعث الرسل واسطةً، ويُنزِل الشرائع في الكتب، توضِّح المحجة والصراط المستقيم، وتقيم الحجة، وتقطع الشبهة -لحَسِبَت الأمم أن لها بين يدي حساب الله حجةً سائغة ومعذرةً مقبولة، قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: 134].

ولقد قطعَ الله هذه الشبهة من أساسِها، بإرسال الرسل وبعثة الأنبياء، من أولهم آدم إلى خاتمهم محمد -عليهم الصلاة والسلام- قال تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165].

كذلك قضى الله -وهو أحكم الحاكمين- ألّا يعذب أمةً لم تشرق عليها شمس الرسالة، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15]. فمن حكمة الله تعالى وعدالته ورحمته ألّا يعذِّب أحدًا من خلقه إلا بعد الإعذار إليه، وإرسال الرسل إليه، وقيام الحجة عليه.

إذًا: من هذه الحكم والتي تبيِّن حاجة الناس إلى الرسالات السماوية إقامة الحجة؛ لأنه لا أحد أعذر من الله، ولا يعذب إلا بعد قيام الحجة؛ لذلك قضى الله سبحانه وتعالى بألّا تعذيب على من لم تبلغه الرسالة؛ أي: إن الله سبحانه وتعالى أولًا يبعث رسله مبشرين ومنذرين, يبينون للناس طريق الخير وطريق الشر {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن}، فبهذه التعاليم السماوية، وبنور الوحي الذي يوضِّحه الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لأممهم تزول الشبهات، وتقوم عليهم الحجة التي لا يُعذَرون بعدها، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا}؛ لذلك ورد في الحديث: ((أن أربعةً يُبعثون يوم القيامة، فيرسل الله إليهم رسولًا)), واختُلف في هذا الرسول وهؤلاء الأربعة, مع أن يوم القيامة يوم حساب وجزاء وليس يوم عمل.

هؤلاء الأربعة هم: الصغير الذي مات صغيرًا قبل الحلم، والمجنون الذي مات مجنونًا لا يعقل، والشيخ الهرم الذي لا يدرك.

ومن مات في الفترة –أي: في فترة بين رسولين؛ فلم يلحق برسالة الأول، ولم تبلغه رسالة الثاني- هؤلاء الأربع يعذر الله إليهم، فيرسل إليهم رسولًا، فورد أن الله سبحانه وتعالى يبعث إليهم نارًا، فيقول لهم: ((رِدُوها)) أي: ادخلوها، فإن دَخلوها وامتثلوا الأوامر كانت عليهم بردًا وسلامًا، فيكونون ناجحين في الامتحان.

ومن رفضها منهم فإنه يدخل النار، فهذا لابتلاء وامتحان هؤلاء الأربعة؛ لأنه لم تبلغهم الرسالة.

أما الصبي، فيقول: يا رب، أنا متّ ولم أبلغ الحلم، وأما المجنون فيقول: يا رب بعثتَ إليّ نبيًّا والناس يرمونني بالبعر، وأما الشيخ الهرِم فيقول: يا رب، بعثت رسولًا، ولكني لا أعقل، والذي مات في الفترة يقول: يا رب متُّ, ولم تبعث إليَّ بشيرًا ولا نذيرًا.

أما إذا بعث الله سبحانه وتعالى رسولًا وأنزل عليه كتابه، ووضح الرسول هذا الكتاب وهذا الوحي للأمة؛ عندها تقوم الحجة وتزول الشبهة، ولم تبقَ هناك معذرةً يعتذر بها الناس بين يدي حساب رب العالمين.

جـ. تعريف الناس بالعالم الغيبي وما أعده الله للمؤمنين به من جنانه، وللكافرين به من نيرانه:

تظل العقول والأفهام في درك القصور عن استطلاع ما وراء هذا الكون المادي المحسوس من عالم الغيب -حتى تأتيها رسالة الله، تدعوها للإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وترسيخ عقيدة القضاء والقدر، والإيمان بحقيقة الجنة والنار، والوقوف بين يدي العزيز الجبار؛ لتُناقَش على ما اكتسبت من خير أو شرٍّ.

وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن من حكمة الله في إرسال الرسل, أن رسولنا وواسطتنا محمدًا صلى الله عليه وسلم عرّفنا أسماء الله تعالى وصفاته، وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلا؛ تارة بما يُوضِّحه من ضرب الأمثال التي هي مقاييس عقلية، وتارة بما يخبرنا به من الأنباء الصادقة النبوية، وتارة بما يقُصّه علينا من قصص الأنبياء الذين هم خير البرية، وبه عرفنا الملائكة، والنبيين، والجنة، والنار، وأخبار الماضين، وأحداث الدنيا وملاحمها وفتنها، وأشراط الساعة وعلاماتها، وأخبار القيامة وتفاصيلها، إلى غير ذلك من الأمور الغيبية.

ويقول ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-:

“فمن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعثَ الرسل به معرِّفين، وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشِّرين، ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود -سبحانه- بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ إذ على هذه المعرفة تنبني مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها” انتهى كلامه.

د. توجيه الناس وإرشادهم لما فيه الخير والصلاح لهم, في دينهم ودنياهم:

لأن البشر مهما أُوتوا من الفهم والعقل والذكاء, لا يتأتى لعقولهم أن تستقل بالتنظيم العام المصلح للأمة بأكملها، كأمةٍ متماسكة متكافئة؛ وإنما الشريعة الإلهية بما اشتملت عليه من معاملاتٍ وأخلاق وعقوبات تستطيع أن تبيِّن للناس الحق من الباطل والخير من الشر؛ لأن هذا هو المنهج الرباني الذي وضعه خالق البشر العليم بمصالحهم، وتطبيق رسالة الله يهيّئ النفس الإنسانية أن تصفو من الكدر وفساد الأعمال, وأن تتوفر لها أسباب بناء المجتمع الأخوي القوي السليم، وتطمئن إلى صلاح أمورها الدينية والدنيوية.

ثانيًا: الحكمة من إنزال الكتب السماوية:

الرسالة السماوية أو النبوة: هي خبرٌ خاص يكرم الله عز وجل به أحدًا من عباده، فيميزه بإلقائه إليه، ويوقفه به على شريعته بما فيها من أمرٍ ونهي, ووعظ وإرشاد, ووعد ووعيد.

قال الإمام الماوردي -رحمه الله- في تعريفه للرسالة أو النبوة مبينًا منزلتها العالية، ومقامها الرفيع:

“لا منزلة في العالم أعلى من النبوة التي هي سفارة بين الله تعالى وعباده، تبعث على مصالح الخلق وطاعة الخالق؛ فكان أفضل الخلق بها أخص، وأكملهم بشروطها أحق بها وأمس” انتهى.

وعرّف الفيروزآبادي -رحمه الله- الرسالة بقوله:

“النبوة: سفارة بين الله وبين ذوي العقول؛ لإزاحة عللهم في أمر معادهم ومعاشهم” انتهى.

إذا تبين معنى الرسالة السماوية -أو النبوة كما تُوصف أيضًا- فنقول: إن الحكمة من إنزالها على الرسول الواسطة الذي ينشرها في قومه, تكمُن في كونها تأييدًا للرسول الذي أُنزلت عليه، وهي محضُ فضلٍ من الله تعالى للرسول المصطفى الذي يؤيده الله بهذه الرسالة.

إذًا: النبوة فضل من الله، ورحمة، وموهبة, ونعمة، يمنّ الله تعالى بها ويعطيها من يشاء من خلقه ممن أكرمه بالنبوة، فلا يبلُغها مجتهد بعمله، ولا يستحقها عاقلٌ بكسبه، ولا ينالها باستعداد ولايته، بل يخص المولى عز وجل بها من يشاء من عباده المصطفين.

يقول السفاريني -رحمه الله-: “إن إرسال الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع مِنَّة من الله تعالى وفضل، لا واجب عليه ذلك، وإنما هو على سبيل اللُّطف بالخلق والفضل عليهم، فبعثُه تعالى جميع الرسل من آدم إلى محمد -صلى الله عليهم وسلم أجمعين- إلى المكلفين لطفٌ من الله بهم؛ ليبلغوهم عنه -سبحانه- أمره ونهيه ووعده ووعيده، ويبينوا لهم عنه سبحانه ما يحتاجون إليه من أمور المعاش والمعاد, مما جاءوا به من شرائعهم وأحكامهم التي أنزلها الله تعالى في كتبه عليهم؛ اختصاصًا كالقرآن العظيم، واشتراكًا كالتوراة لموسى وهارون ويوشع، ومَن بعدهم إلى عيسى -عليه وعليهم السلام- حتى تقوم الحجة عليهم بالبينات، وينقطع عنهم سائر التعللات كما قال تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}.

فلولا إعذاره تعالى إليهم على ألسنة الرسل، وإقامة الحجة عليهم ببعثه أهل خيرته من ذوي النبوة والفضل -لتوهموا أن لهم حجة سائغة ومعذرة بالغة” انتهى كلامه.

والرسالة الإلهية تأييدٌ من الله تعالى لرسوله، الذي يبعثه إلى الناس واسطة بينهم وبين الله تعالى؛ حيث يردّ بها على الشبهات التي يوجِّهها الأمم إلى أنبيائهم، قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33].

وقد أيّد الله تعالى أنبياءه ورسله بالكتب المنزّلة عليهم، فأيّد داود عليه السلام بالزبور، قال تعالى: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء: 55]، وأيد إبراهيم وموسى -عليهما السلام- بالصحف، كما قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: 18، 19]، وأيّد عيسى عليه السلام بالإنجيل، فقال تعالى: {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ} [الحديد: 27] كما وصف الله تعالى الإنجيل بالبيِّنات فقال: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 253]، وقال تعالى واصفًا التوراة التي أيد بها كليمه موسى عليه السلام بأن فيها حكم الله: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ} [المائدة: 43]، وأما عن تأييد الله تعالى لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم بالقرآن فذلك أمر لا يحتاج إلى دليل؛ إذ القرآن كله تأييدٌ وتثبيتٌ للمصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن أدلته قوله تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان: 32].

والمقصود أن هذه الكتب السماوية أيّد الله تعالى بها رسله، وبيّن لهم فيها كل شيء يحتاجون إليه في مسيرة الدعوة إلى الله تعالى؛ حيث اشتملت هذه الكتب على أمور العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق، وكانت هذه الكتب متفقة في الأصل الذي أجمعت عليه، وهو التوحيد؛ أي: الدعوة إلى عبادة الله وحده ونبذ الشرك، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ}.

أما فيما يتعلق بالفروع وهي العبادات والمعاملات والأخلاق والمنهج, فكانت تلك الرسالات تختلف من رسالة إلى أخرى، حتى جاءت خاتمة الرسالات وهي الرسالة المحمدية، فهيمنت على جميع الرسالات السماوية السابقة.

يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله-:

“جمع الله فيها محاسن ما قبلها من الرسالات، وزادها من الكمالات ما ليس في غيرها؛ فلهذا جعلها الله شاهدةً، وأمينةً، وحاكمةً على الرسالات كلها” انتهى كلامه.

إذًا: جاءت الرسالات الإلهية مؤيدة للمرسلين، وهداية للأمم المخاطبين، ونورًا وهدى للعالمين.

ثالثًا: الكتب السماوية مصابيح تضيء للناس حياتهم:

ما من شك في أن الكتب السماوية هي التي تضيء للناس حياتهم؛ لأنهم بدونها يعيشون حياةً بهيميةً؛ لأن العالم يظل في ظلام دامس حتى تشرق عليه شمس الرسالة السماوية، فتضيء للناس حياتهم؛ لأن تعاليم الرسالة السماوية مُنزّلة من خالق البشر الخبير بأحوالهم، العليم بشئونهم، فما فيه صلاحهم يبينه لهم ويدلهم عليه ويأمرهم به، وما فيه شرهم وفساد أمرهم يوضِّحه لهم وينهاهم عنه، فبيّنت لهم رسالةُ الله النجدين -طريقي الخير والشر- وذلك عن طريق الوحي الإلهي الوارد في تلك الرسالات، سواء المتعلق منه بالجانب العقدي، أو الجانب الفقهي العملي، أو السلوكي، أو الأخلاقي.

عمومًا، قد جاءت الرسالات السماوية بكل خير يضيء للناس حياتهم، ونهت عن كل شرٍّ يؤلب على الناس دنياهم، فالرسالة السماوية ضرورية للعباد في معاشهم ومعادهم، ولا غنى لهم عنها مهما أُوتوا من العقول السليمة، والقوانين المدنية والوضعية.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:

“الرسالة ضرورية للعباد ولا بد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟! والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تُشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها، فهو في ظلمة، وهو من الأموات، قال الله تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأنعام: 122]، فهذا وصف المؤمن كان ميّتًا في ظلمة الجهل، فأحياه الله بنور الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في ظلمات الكفر” انتهى.

كما بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا أن الإنسان في حاجة إلى الرسالة السماوية، ليس لإصلاح آخرته والتزوُّد لها فحسب؛ وإنما هو محتاجٌ لها أيضًا لإصلاح معاشه وجميع شئونه في دنياه، وأن تمييز الإنسان بين النافع والضارّ بعقله لا يكفي لتسيير شئونه في حياته كلها؛ فإن هذا القدر من التمييز تشترك فيه معه العجماوات.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:

“الرسالة ضرورية للعباد، الرسالة ضرورية في صلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة، فالإنسان مضطرّ إلى الشرع؛ فإنه بين حركتين: حركةٍ يجلب بها ما ينفعه، وحركة يدفع بها ما يضره، والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره، فهو نور الله في أرضه، وعدله بين عباده، وحصنه الذي مَن دخله كان آمنًا، وليس المراد بالشرع التمييز بين النافع والضار بالحس.

فإن ذلك يحصل للحيوانات العُجم؛ فإن الحمار والجمل يفرق ويميز بين الشعير والتراب، بل التمييز بين الأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده، والأفعال التي تنفعه في معاشه ومعاده، كنفع الإيمان، والتوحيد، والعدل، والبر، والصدق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته” انتهى كلامه.

2. الكتب السماوية سعادة للبشرية، وهي حق وصدق:

أولًا: اشتمال الكتب السماوية على سعادة الناس, في الدنيا والآخرة:

يجب الإيمان الجازم بأن الله تعالى أرسل رسلًا إلى الناس يبشرونهم وينذرونهم، وأنه أنزل على هؤلاء الأنبياء والرسل كتبًا عن طريق الوحي؛ تُبين للناس ما نزل إليهم، وتشتمل على العقائد والشرائع والأخلاق والمعاملات، بل وتشتمل على كل ما يصلح معاشهم ومعادهم، وقد ذكرت تلك الكتب والرسالات كلَّ خيرٍ ورغبت الناس فيه، كما ذكرت كلَّ شرٍّ وحذرت الناس منه.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ-:

“وهذا مما اتفقت عليه الكتب المنزلة من السماء، وبعثت به جميع الرسل المرسلة، فالرسالة ضروريةٌ في صلاحِ العبدِ، في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة.

فالإنسان مضطرٌّ إلى الشرع، فإنه بين حركتين؛ حركةٍ يجلب بها ما ينفعه، وحركةٍ يدفع بها ما يضره، والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره، فهو نور الله في أرضه، وعدله بين عباده، وحصنه الذي من دخله كان آمنًا، وليس المراد بالشرع التمييز بين النافع والضار بالحس، فإن ذلك يحصل للحيوانات العجم؛ فإن الحمار والجمل يفرق ويميز بين الشعير والتراب, بل التمييز بين الأفعال التي تضرُّ فاعلها في معاشه ومعاده، والأفعال التي تنفعه في معاشه ومعاده، كنفع الإيمان والتوحيد” انتهى كلامه -رحمه الله.

والكتب السماوية أُنْزِلَت؛ لتأخذ بأيدي الأمم إلى الطريق المستقيم، وتُوقظهم من مهالك الشرك وسيطرة الخرافة، ولتخرجهم من الظلمات إلى النور، وتبين لهم كلَّ طرقِ السعادة التي يطلبها الناس قديمًا وحديثًا في الحياة الدنيا, وفي الآخرة.

يقول صاحب (مباحث في علوم القرآن):

“من فضْلِ اللهِ على الإنسان أنه لم يتركه في الحياة يستهدي بما أودعه الله فيه من فطرةٍ سليمةٍ، تَقُودُهُ إلى الخير وترشده إلى البرِّ فحسب؛ بل بعث إليه بين فترةٍ وأخرى رسولًا يحمل من الله كتابًا، يدعوه إلى عبادة الله وحده، ويبشر وينذر؛ لتقوم عليه الحجة، قال تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165].

وظلت الإنسانية في تطورها ورقيها الفكري، والوحي يعاودها بما يناسبها ويحل مشاكلها الوقتية في نطاق قومِ كلِّ رسولٍ، حتى اكتمل نضجها، وأرادَ اللهُ لرسالةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم أن تشرقَ على الوجود، فبعثه على فترة من الرسل؛ ليكمل صرحَ إخوانِهِ الرسلِ السابقين بشريعته العامة الخالدة، وكتابه المُنَزَّلِ عليِهِ وهو القرآن الكريم، فلا غرو من أن يأتي القرآن الكريم وافيًا بجميع مطالب الحياة الإنسانية على الأسس الأولى للأديان السماوية: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].

والقرآن بتلك الخصائص يعالج المشكلاتِ الإنسانيةَ في شتى مرافق الحياة الروحية، والعقلية، والبدنية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية علاجًا حكيمًا.

لأنه تنزيل الحكيم الحميد، ويضع لكلِّ مشكلةٍ بلسمها الشافي على أسس عامة تترسم الإنسانية خُطَاهَا، وتبني عليها في كل عصر ما يلائمها، فاكتسب بذلك صلاحيته لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، فهو دِينُ الخلود.

والإنسانية المعذبة اليوم في ضميرها، المضطربة في أنظمتها، المتداعية في أخلاقها، لا عاصم لها من الهاوية التي تتردى فيها إلا القرآن: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123، 124].

والمسلمون هم وحدهم الذين يحملون المشعل وسط ميادين النظم والمبادئ الأخرى، فحريٌّ بهم أن ينفّضوا أيديهم من كل بهرج زائف.

وأن يقودوا الإنسانية الحائرة بالقرآن الكريم؛ حتى يأخذوا بيدها إلى شاطئ السلام.

وكما كانت لهم الدولة بالقرآن في الماضي، فإنها كذلك لن تكون لهم إلا به في الحاضر” انتهى كلامه.

ثانيًا: بيان اشتمال الكتب السماوية على كل صدق وحق:

لما كانت الكتب السماوية هي وحيٌّ من اللهِ سبحانه وتعالى إلى أنبيائه ورسله، وفيها تعاليم للأمم المخاطبين بتلك الرسالات، وفيها بيان للعقيدة والشريعة، وقد أرشد اللهُ فيها الأمم إلى ما يسعدهم في معاشهم ومعادهم -فإن الله سبحانه وتعالى ضَمّنَ هذه الكتب السماوية كلَّ صدقٍ وحقٍّ، فكانت التعاليم الواردة في هذه الرسالات السماوية كلها صدقٍ وحقّ، فلم يَرِدْ في كتابٍ سماويّ صحيحٍ أمر كذب، أو خطأٌ علمي، أو أمرٌ يخالف حقيقةً تاريخيةً؛ بل كانت الشرائع الواردة في كُتب الله المنزَّلة شرائع صدق وحق.

وكذلك العقائد والمعاملات والأخلاق والقصص، ولا غرو في ذلك؛ فإنها وحي أوحاه الله سبحانه وتعالى إلى رسله المصطفين، فلم يتطرق إليه الكذب والجور والظلم، فهذه صفات تمتنع في حق الخالق سبحانه وتعالى.

وإذا أخذنا القرآن الكريم نموذجًا للكتب السماوية؛ فإنه سيظهر لنا واضحًا الحق والصدق كما صرحت بذلك كثيرٌ من آيَاتِهِ، وذلك دليلٌ عَلَى أن كل ما ورد فيه فهو صدقٌ وحقٌّ ومعقولٌ، فمن ذلك قوله تعالى: {وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِين} [الأنفال: 7]، وقوله تعالى: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُون} [الأنفال: 8] وقوله: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} [الشورى: 24].

وقال تعالى مبينًا أن المؤمنين الصادقين المهتدين هم الذين يعلمون أن كل ما في القرآن حقٌّ وصدقٌ لا باطلَ فيهِ، بعكس المكذبين به؛ فإنهم يشككون في تعاليمه ويطعنون فيها: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً} [البقرة: 26] وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ} [النساء: 105] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ} [النساء: 170].

وقد أقسم الله عز وجل في القرآن الكريم بأنه حقٌّ، كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون} [البقرة: 149].

يقول ابن أبي العز الحنفي -رَحِمَهُ اللهُ-:

“فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله أتتهم من عند الله، وأنها حقٌّ وهدًى ونورٌ وبيانٌ وشفاءٌ، قال تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا} إلى قوله: {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ} [البقرة: 136], {الم * اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم} إلى قوله: {وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: 1-4]، {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} [البقرة: 285] {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تَكَلَّمَ بِهَا، وأنها نزلت من عندِهِ، وفي ذلك إثبات صفة الكلام والعلو، وقال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [البقرة: 213] {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيز * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد} [فصلت: 41-42] {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [سبأ: 6] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين} [يونس: 57] {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء} [فصلت: 44] {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا} [التغابن: 8]، وأمثال ذلك في القرآن كثيرة” انتهى كلامه -رحمه الله.

وقد بيّن الشيخ عطية محمد سالم -رَحِمَهُ اللهُ- في كتابه (آيات الهداية والاستقامة في كتاب الله تعالى) في كثير من تلك الآيات التي تناولها في هذا الكتاب، وذلك في معرض بيانه لهدي القرآن الكريم -أن هذا القرآن الذي اشتمل على هذه الهداية والاستقامة، اشتمل عليها بحكم كونه وحيًا من الله سبحانه وتعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الواسطة الملكي جبريل عليه السلام, وأن هذا الكتاب الذي اشتمل على الهداية بأنواعها، والاستقامة التي طلبها من أتباع هذا الدين، حصل له ذلك بسبب أن كلَّ ما ورد في هذا القرآن الكريم فهو حقٌّ وصدقٌ وهدًى واستقامةٌ ونورٌ.

error: النص محمي !!