Top
Image Alt

حاجة الناس إلى بعث الأنبياء وإرسال الرسل

  /  حاجة الناس إلى بعث الأنبياء وإرسال الرسل

حاجة الناس إلى بعث الأنبياء وإرسال الرسل

1. حاجة الناس إلى بعث الأنبياء وإرسال الرسل:

تنبع حاجة الإنسان إلى بعثة الرسل من طبيعته البشرية التي فُطِرَ عليها؛ لأن هذا الإنسان من أعظم المخلوقات شأنًا، فقد رزقه الله قوةً عقليةً ميّزته عن سائر المخلوقات الأرضية، ومكنته من تسخير الجماد -في معظم الأحيان- حيث يشاء؛ إلا أن قدرات هذا الإنسان محدودة النطاق، وتوجيهها نحو الاتجاه السليم الذي يرضاه رب الأرض والسموات والآفاق لا يتأتى إلا بتوجيهٍ من الرسل, الذين يبعثهم الله واسطةً بينه وبين هذا الإنسان؛ ليوقظوه من وحل الوثنيات التي سقط فيها كثيرٌ من الأمم قبل بزوغ شمس الرسالة الإلهية, وليأخذوا بيده إلى الصراط المستقيم، ويعرِّفوه كيف يعبد ربه العبادة الصحيحة؛ فتصبح لقدراته التي وهبه الله تعالى مع توجيه الرسل نتائجها السليمة.

ويظهر بجلاء حاجة الناس إلى بعثة الرسل وإقامة الوسائط، وتتلخص تلك الحاجة في الأوجه التالية:

أولًا: تحقيق عبادة الله تعالى وحده, وإخلاص العمل له:

لما كان الغرض من خلق الإنسان والجانّ، وتسخير جنس الحيوان، وإبداع السموات والأرض والأكوان -هو عبادة الله تعالى وحده، ومعرفته بأسمائه وصفاته، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات: 56]، والحذر من الوقوع في الشرك والبدع، كما قال سبحانه: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36], ولما كان العقل البشري قاصرًا في ماهيته وحقيقته -إذ لا يتمكّن بدون الرسالة السماوية من عبادة الله تعالى, على الوجه الذي يُحبه ويرضاه- فإن هذا الغرض النبيل، وهذه الغاية السامية لا تتم ولا تحصل إلا بالرسالة الإلهية، وذلك بإرسال وسائط من الله تعالى إلى خلقه؛ فكان من حكمة الله ورحمته أن أنزل كتبًا، وأرسل رسلًا مبشرين ومنذرين، واتفقت كلمتهم أجمعين على أمر أممهم بعبادة الله تعالى وحده، والكفر بعبادة ما سواه من مظاهر الكون التي وقع فيها الإنسان حينما غابت عنه شمس الرسالة، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

وقد حققت الرسالة المحمدية -وهي خاتمة الرسالات- هذه الغاية السامية، حينما دعت إلى تحرير الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى سعة الإسلام ورحمته.

ثانيًا: إقامة الحجة على الخلائق:

فالله سبحانه وتعالى حكيمٌ يضع الأمور في مواضعها، عليمٌ بأحوال عباده، فلو لم يبعث الرسل واسطةً، ويُنزِل الشرائع في الكتب، توضِّح المحجة والصراط المستقيم، وتقيم الحجة، وتقطع الشبهة -لحَسِبَت الأمم أن لها بين يدي حساب الله حجةً سائغة ومعذرةً مقبولة، قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: 134].

ولقد قطعَ الله هذه الشبهة من أساسِها، بإرسال الرسل وبعثة الأنبياء، من أولهم آدم إلى خاتمهم محمد -عليهم الصلاة والسلام- قال تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165].

كذلك قضى الله -وهو أحكم الحاكمين- ألّا يعذب أمةً لم تشرق عليها شمس الرسالة، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15].

فمن حكمة الله تعالى وعدالته ورحمته ألّا يعذِّب أحدًا من خلقه إلا بعد الإعذار إليه، وإرسال الرسل إليه، وقيام الحجة عليه.

ثالثًا: تعريف الناس بالعالم الغيبي، وما أعده الله للمؤمنين به من جنانه وللكافرين به من نيرانه:

تظل العقول والأفهام في درك القصور عن استطلاع ما وراء هذا الكون المادي المحسوس من عالم الغيب -حتى تأتيها رسالة الله، تدعوها للإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وترسيخ عقيدة القضاء والقدر، والإيمان بحقيقة الجنة والنار، والوقوف بين يدي العزيز الجبار؛ لتُناقَش على ما اكتسبت من خير أو شرٍّ في دار العمل, ولتجزى على عمل الخير بالخير, والشر بالشر في دار الجزاء والمحاسبة.

وقد مدح الله سبحانه وتعالى أتباع الرسل, الذين يصدقون رسلهم فيما يخبرونهم به من أنباء الغيب، قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون * أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [البقرة: 2-5].

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:

“فبالرسول عُرِفَتْ أسماءُ الله تعالى وصفاتُه، وما يستحقُّه من الأسماء الحسنى والصفات العلا؛ تارة بما بيّنه من الأمثال التي هي مقاييس عقلية، وتارة بما يُخبر به من الأنباء الصادقة النبوية، وتارة بما يقصه عن الأنبياء الذين هم خير البرية، وبه عُرِفَت الملائكة والنبيون والجنة والنار، وقصص الأنبياء، وأخبار الدنيا وملاحمها وفتنها، وأشراط الساعة وعلاماتها, وأخبار القيامة وتفاصيلها، وغير ذلك” انتهى كلامه.

وعمومًا, فإن أمور الغيب المتعلقة بالله وملائكته وكتبه, وأمور الآخرة وتفاصيلها والجنة والنار؛ كل ذلك طريق معرفته متوقفٌ على تعاليم الرسل وبعثتهم.

رابعًا: القدوة الصالحة, والأسوة الحسنة:

لقد اصطفى الله سبحانه رسله -عليهم السلام- من بين أممهم، فقال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير} [الحج: 75]، وأدبهم تأديبًا رائعًا؛ فسموا إلى ذرا الأخلاق، وترفعوا عن الأطماع الدنيئة والشهوات المحرمة الرديئة، وتحلوا بأفضل الكمالات الخلقية بأعلى مستوياتها رغم بشريتهم، فكانوا بذلك قدوةً حسنةً للناس؛ يقتدون بهم ويحذون حذوهم، قال تعالى: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].

ولا شك أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم قد ضرب الله به أروع المثل في القدوة الحسنة؛ بما آتاه الله من الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة، حتى وصفه الله تعالى بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم: 4]؛ ولهذا لما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ((كان خلقه القرآن))؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أدبه ربه فأحسن تأديبه، حتى كان مثالًا فريدًا للأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، وكان متمثلًا لما يأتي به من تعاليم في القرآن الكريم، ولقد أحسن القائل:

نبي عظيم خلقه الخلق الذي

*له عظم الرحمن في سيد الكتب

خامسًا: جمع الأمة على دين واحد, ورجل واحد:

لأن انقياد الناس لما يشاهدونه من الآيات المؤيدة للأنبياء أسرع وأقوى وأشد تماسكًا، فإنهم يجتمعون عليهم بقناعةٍ من أنفسهم، وعقيدة راسخة، وإيمانٍ ثابت؛ فيحصل بذلك الصلاح والإصلاح، قال الله تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} [التوبة: 128].

فلو لم يكن الرسول يجمع شمل الأمة التي أُرسل إليهم بعد التفرق, ويوحدهم على الدين الجديد بعد الاختلاف؛ لما قامت للدعوة قائمة، ولما وصلت الرسالة إلى الناس كما ينبغي. 

2. ضرورة الخلق إلى الرسالة:

لا شك أن النبوة اصطفاء من الله تعالى، فالله تعالى يختار من عباده من يرسله إلى خلقه؛ ليكون بشيرًا ونذيرًا من الله تعالى إلى الخلق، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، والناس لولا عناية الله تعالى بهم، وبعثه إليهم الأنبياء والرسل؛ لظلوا في الجاهلية الجهلاء والضلال البعيد، وكانوا كالبهائم والأنعام من دون شمس الرسالة، فالخلق مضطرون للرسالة السماوية.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:

“الرسالة ضرورية للعباد، ولا بد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور، والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها، فهو في ظلمةٍ وهو من الأموات، قال الله تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأنعام: 122]، فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل، فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في ظلمات الكفر” انتهى كلامه.

وفي موضعٍ آخر يبين شيخ الإسلام أن الإنسان في حاجة إلى الرسالة السماوية ليس فقط لإصلاح آخرته والتزود لها, وإنما هو محتاج لها أيضًا لإصلاح معاشه وجميع شئونه في دنياه، وأن تمييز الإنسان بين النافع والضار بعقله لا يكفي لتسيير شئونه في حياته كلها؛ فإن هذا القدر من التمييز تشترك فيه معه العجماوات.

ويقول العلامة ابن القيم -رحمه الله-:

“ومن هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر؛ فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح, لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل.

ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله ألبتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به؛ فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال.

فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجةٍ فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة؛ فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي:

وما لِجَرحٍ بِمَيتٍ إيلامُ”.

انتهى كلامه -رحمه الله.

وجملة القول: أن ضرورة العبد إلى إرسال الرسل, وبعث الأنبياء تفوق كل ضرورات العبد التي بها تستقيم حياته, فتَفُوق الطعام والشراب وكل ملذات الدنيا؛ لأن العبد ينشد السعادة، ولا سعادة إلا باتباع الرسل -عليهم الصلاة والسلام.

3. الغايةُ والهدفُ الأسمى من إرسال الرسل: دعوةُ الناس إلى عبادة الله:

لقد خلق الله تعالى الخلق لعبادته وللانقياد لطاعته، فلم يخلقهم سدى ولم يتركهم هملًا، وإنما خلقهم ربهم -تبارك وتعالى- لهذه الغاية الواضحة والهدف النّبيل, قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات: 56].

يقول الإمام ابن جرير الطبري -رحمه الله-:

“اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات: 56] فقال بعضهم: معنى ذلك: وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم لمعصيتي. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليذعنوا لي بالعبودية.

ثم قال: وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرنا عن ابن عباس، وهو: ما خلقت الجن والإنس إلا لعبادتنا، والتذلل لأمرنا.

فإن قال قائل: فكيف كفروا، وقد خلقهم للتذلل لأمره؟ قيل: إنهم قد تذلّلوا لقضائه الذي قضاه عليهم؛ لأن قضاءه جارٍ عليهم, لا يقدرون من الامتناع منه إذا نزل بهم، وإنما خالفه من كفر به في العمل بما أمره به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه” انتهى كلام الطبري، رحمه الله.

وقال الإمام القرطبي -رحمه الله-:

“قيل: إن هذا خاصّ فيمن سبق في علم الله أنه يعبده، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص، والمعنى: وما خلقت أهل السعادة من الجن والإنس إلا ليوحدون. قال القشيري: والآية دخلها التخصيص عن القطع؛ لأن المجانين والصبيان ما أُمروا بالعبادة، حتى يقال: أراد منهم العبادة. وقال عكرمة: إلا ليعبدون، ويطيعون؛ فأُثيب العابد وأعاقب الجاحد. وقيل: المعنى: إلا لأستعبدهم، والمعنى متقارب, تقول: عبد بيّن العبودة والعبودية، وأصل العبودية الخضوع والذّلّ، والتعبيد: التذليل” انتهى كلام القرطبي -رحمه الله.

ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله-:

“هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته المتضمّنة لمعرفته، ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والإعراض عمّا سواه، وذلك يتضمّن معرفته تعالى؛ فإن تمام العبادة متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربة كانت عبادته أكمل, فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم” انتهى كلامه.

فثبت إذًا أن الله تعالى لم يخلق الخلق في هذه الدار عبثًا، ولم يتركهم سدًى، وإنما خلقهم لهدف واضح، وغاية وضحتها الرسالات السماوية؛ هذه الغاية هي عبادة الله تعالى وحده، وإخلاص العمل لوجهه سبحانه وتعالى. 

error: النص محمي !!