Top
Image Alt

حادثة الإسراء والمعراج وحكمتها

  /  حادثة الإسراء والمعراج وحكمتها

حادثة الإسراء والمعراج وحكمتها

ثبوت الإسراء والمعراج بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة:

قصة الإسراء والمعراج ثابتة بكتاب الله -تبارك وتعالى- وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم وبما شهد به أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم:

الكتاب: قول الله عز وجل: {سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ البَصِيرُ} [الإسراء: 1] وقال -جل من قائل: {فَأَوْحَىَ إِلَىَ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىَ (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىَ (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىَ مَا يَرَىَ} [النجم: 10 – 12].

السنة: الأحاديث كثيرة، من ذلك: ما روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتيت بالبراق -وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافرة عند منتهى طرفه- قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء -والمقصود بتلك الحلقة باب مسجد بيت المقدس- قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن؛ فاخترت اللبن؛ فقال جبريل: اخترت الفطرة. ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففُتِح لنا؛ فإذا أنا بآدم عليه السلام فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففُتِح لنا؛ فإذا أنا بابني الخالة: عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا -صلوات الله عليهم- فرحبوا ودعوا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الثالثة؛ فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففُتِح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام إذا هو قد أعطي شطر الحسن؛ فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة؛ فاستفتح جبريل عليه السلام قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففُتِح لنا؛ فإذا أنا بإدريس؛ فرحب ودعا لي بخير. قال الله عز وجل: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} [مريم: 57].

ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة؛ فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففُتِح لنا؛ فإذا أنا بهارون عليه السلام فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة؛ فاستفتح جبريل عليه السلام قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففُتِح لنا؛ فإذا أنا بموسى عليه السلام فرحب ودعا لنا بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففُتِح لنا؛ فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.

ثم ذُهِب بي إلى سدرة المنتهى؛ وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال؛ فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت؛ فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها؛ فأوحى الله إليَّ ما أوحى؛ ففرض عليَّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة.

فنزلت إلى موسى عليه السلام فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال موسى عليه السلام: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا يطيقون ذلك! فإني قد بلغت بني إسرائيل وخبرتهم. فرجعت إلى ربي، فقلت: يا ربِّ خفف على أمتي. فحَط عني خمسًا. فرجعت إلى موسى فقلت: حُط عني خمسًا. قال موسى عليه السلام: إن أمتك لا يطيقون ذلك؛ فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. يقول صلى الله عليه وسلم: فلم أزل أرجع بين ربي -تبارك وتعالى- وبين موسى حتى قال الله -تعالى: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر؛ فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها؛ كتبت له حسنة؛ فإن عملها كتبت له عشرًا؛ ومن هم بسيئة فلما يعملها لم تكتب شيئًا؛ فإن عملها كتبت سيئة واحدة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى عليه السلام فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه)).

أقوال الصحابة: رَوَى حديث الإسراء والمعراج 38 صحابيًّا وصحابية، بعضهم ذكره مطولًا، وبعضهم ذكره مختصرًا، وبعضهم زاد جوانب لم تذكر، وبعضهم وقع في كلامه اختلاف.

الغاية من رحلة الإسراء والمعراج:

الهدف من هذه المعجزة يتمثل في أمور، من أهمها:

  1. أن الله -تبارك وتعالى- أراد أن يتيح لرسوله صلى الله عليه وسلم فرصة اطلاع على المظاهر الكبرى لقدرته؛ حتى يملأ قلبه ثقة بربه واستنادًا إليه.
  2. أن الله -تبارك وتعالى- أطلع نبيه على هذه الآيات الكبرى؛ بلسمًا لقلبه، وشفاءً لجراح نفسه، وتوثيقًا وتثبيتًا لفؤاده وجنانه.
  3. في الإسراء والمعراج علومٌ وأسرارٌ ودقائق ودروسٌ وعبرٌ -كما قال الأستاذ أبو الحسن الندوي، رحمه الله -تعالى: لم يكن الإسراء مجرد حادث فرديٍّ بسيط رأى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات الكبرى وتجلى له ملكوت السموات والأرض مشاهدة وعيانًا؛ بل زيادة إلى ذلك اشتملت هذه الرحلة النبوية الغيبية على معانٍ دقيقة كثيرة، وإشارات حكيمة بعيدة المدى.

تجلية التعارض الواقع بين ظاهر بعض الروايات:

بالتأمل في أحاديث الإسراء والمعراج؛ وجدنا ثمة تعارض يسير يحتاج إلى فهم وتفهم: فقد رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي إبراهيم في السماء السابعة، ولقي موسى في السادسة، وفي بعض الروايات: أنه صلى الله عليه وسلم رأى إبراهيم في السادسة ولقي موسى في السابعة -عليهما صلوات الله وسلامه- وفي رواية ابن إسحاق: ((أنه صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بثلاث أوانٍ في أحدهما ماء فقال قائل: إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته)) وفي إحدى روايات البخاري: ((أنه أُتي بثلاث أوانٍ)) ولم يذكر فيها الماء.

وفي قول الله -تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىَ} [النجم: 11] ما يدل على أن الرؤية كانت قلبية، وأن عين النبي صلى الله عليه وسلم كانت نائمة، وأما في الآية الثانية فقال: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىَ مَا يَرَىَ} [النجم: 12] فجاءت الرؤية بصيغة المضارع، ولم يقل “على ما رأى” كالآية الأولى، فدل ذلك على أن الرؤيا الثانية ليست هي الرؤيا الأولى. وفي قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىَ} [النجم: 11] ما يدل على أنها رؤية قلبية، وفي قوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىَ} [النجم: 17] دلالة على أنها رؤية بالعين؛ ولذلك رأى فيها من آيات ربه الكبرى؛ أما الآيات التي ترى في النوم؛ فليست بهذا القدر من العظمة والفخامة.

وفي تفسير قوله تعالى: {إِذْ يَغْشَىَ السّدْرَةَ مَا يَغْشَىَ} [النجم: 16] قال بعض المفسرين في رواية: “يغشاها فراش من ذهب” وفي رواية أخرى قالوا: “ينتثر منها الياقوت وثمرها مثل قلال هجر”.

كما جاء في أحاديث الإسراء: أنه صلى الله عليه وسلم رأى عند سدرة المنتهى نهرين ظاهرين، ونهرين باطنين، وأخبره جبريل عليه السلام بأن الظاهرين: هما النيل، والفرات، وذكر حديث أنس: أن هذين النهرين في السماء الدنيا، وقال له الملك: هما النيل والفرات أصلهما وعنصرهما، ولا شك أن هنا ثمة تعارض ظاهري يحتاج إلى أن يوفق بينه وأن يجمع بين هذه الروايات والآراء.

نظر العلماء إلى هذا التعارض الظاهري؛ فذهبوا إلى أن الإسراء وقع مرتين: مرة في المنام، ومرة أخرى في اليقظة، وقد جزم بذلك بعض أهل العلم كالبغوي والنووي، وغير هؤلاء من العلماء؛ حيث قالوا: إنه قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مرة في المنام؛ فكانت بمثابة التوطئة له والتمهيد له، وكانت بمثابة التيسير عليه؛ كما وقع له في بدء نبوته صلى الله عليه وسلم من العلامات والأمارات؛ كالرؤيا الصادقة، وغير ذلك من المبشرات ومن الإرهاصات التي دلت على قرب نبوته، وكذا رأى الإسراء والمعراج منامًا قبل أن يتحقق له في عين الحقيقة.

وتلك حكمة الله -تبارك وتعالى- في تثبيته، وتسديده، وتقوية قلبه على عظيم ما سيلقى من الحقائق الكبيرة التي وصفها الله -تعالى- بقوله: {لَقَدْ رَأَىَ مِنْ آيَاتِ رَبّهِ الْكُبْرَىَ} [النجم: 18].

وعلى هذا؛ فإن حدوث الإسراء مرتين: مرة على صورة، ومرة أخرى على صورة أخرى، لا تعارض فيه؛ وبذلك ينتفي هذا التعارض الذي يُتَوهم في هذه الروايات.

كيفية وقوع الإسراء والمعراج:

وقع اختلاف بين العلماء أولًا في كيفية وقوع الإسراء والمعراج؛ حيث ذهبوا في تحديد كيفيته إلى ثلاثة آراء:

الرأي الأول: ويذهب أصحابه إلى أن الإسراء كان رؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم رآها وهو نائم. وقد قالت بذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه واستدلوا على ذلك بما ورد في رواية أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((واستيقظت من منامي وأنا في المسجد الحرام)) وذلك يدل على وقوع الإسراء في أثناء نومه صلى الله عليه وسلم.

الرأي الثاني: أن الإسراء كان بالجسد، وأما المعراج؛ فقد كان بالروح، ويذهبون إلى ذلك مستدلين بقول الله: {سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1].

الرأي الثالث: أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح معًا؛ فذهب جمهور علماء السلف والخلف من الفقهاء والمفسرين والمحدثين إلى أن الإسراء والمعراج كانا يقظة بالروح والجسد معًا، واستدلوا على ذلك بقول الله: {سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] وذكرت الآية أن الإسراء كان بعبده، والعبد مكون من جسد وروح؛ فهما حقيقة العبد.

رد الجمهور أدلة الرأي الثاني:

وقد رد الجمهور أدلة الرأي الثاني الذي قال بأن الإسراء كان بالجسد وأن المعراج كان بالروح، فقالوا: إن آية الإسراء ذكرت الغاية بالمسجد الأقصى مراعاة لحال المستمعين؛ حتى يؤمنوا بالإسراء؛ لأنه الأقرب إلى عقولهم والأيسر لهم في التصور عن المعراج؛ لأنهم إذا صدقوا بالإسراء وسلموا بصدق محمدٍ صلى الله عليه وسلم أخبرهم بعد ذلك بما هو أعظم منه وهو المعراج؛ ولذا نزلت آية المعراج في سورة “النجم” بعد آية الإسراء، وبهذا يدل السياق وتدل الأدلة على رجحان قول ومذهب الجمهور.

ويجب أن نشير مرة أخرى إلى أن ابن كثير -رحمه الله تعالى- قال: نحن لا ننكر وقوع منام قبل الإسراء، فيه صورة ما وقع بعد ذلك؛ فإنه صلى الله عليه وسلم ((كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)) وقد تقدم من ذلك من حديث بدء الوحي: أنه رأى في منامه مثل ما وقع له يقظة بعد ذلك من باب الإرهاص والتوطئة والتثبيت والإيناس.

تبيين كيفية الصلاة وأوقاتها:

ولما أصبح نبينا صلى الله عليه وسلم من صبيحة ليلة الإسراء؛ جاء جبريل عند الزوال؛ فبين له كيفية الصلاة وأوقاتها، وأمر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة، وأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فاجتمعوا، وصلى به جبريل في ذلك اليوم إلى الغد، والمسلمون يأتمون بالنبي وهو يقتدي بجبريل، كما جاء في الحديث عن ابن عباس وجابر قال: ((أمَّني جبريل عند البيت مرتين)) فبين له الوقتين؛ فهما الأول والآخر وما بينهما الوقت الموسع، ولم يذكر توسعة في وقت المغرب، وقد ثبت ذلك في حديث أبي موسى وبريدة وعبد الله بن عمرو وكلها في (صحيح مسلم).

وفي (صحيح البخاري) عن عائشة قالت: ((فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر)) فلعلها رضي الله عنها أرادات أن الصلاة كانت قبل الإسراء ركعتين ركعتين، ثم لما فرضت الخمس؛ فرضت حضرًا على ما هي عليه، ورخص في السفر أن يصلى ركعتين كما كان الأمر عليه قديمًا، وعلى هذا لا يبقى إشكال، بحمد الله -تعالى.

دروس وعبر من حادثة الإسراء والمعراج:

  1. منحة بعد محنة.
  2. الاجتماع مع الأنبياء والرسل السابقين.
  3. تخليص الصف من الضعفاء والمتمردين.
  4. تبليغ الحق، وإقامة الحجة على المشركين.
  5. فضل أبي بكر رضي الله عنه وتلقيبه بـ”الصِّدِّيق”.
  6. الدين الإسلامي دين الفطرة.

وفي شُربِه صلى الله عليه وسلم اللبن حين خير بينه وبين الخمر بشارة من جبريل عليه السلام لنبينا بأنه هُدِي للفطرة.

  • شريعة الإسلام لها القيادة والسيادة على الشرائع السابقة.
  • أهمية المسجد الأقصى، وامتلاك المسلمين له ومسئوليتهم تجاهه.
  • أهمية الصلاة وعظيم منزلتها.
  • مخاطر الأمراض الاجتماعية وبيان عقوبتها.
  • مكانة المجاهدين في سبيل الله:

كما يبين ثواب المجاهدين؛ فإنهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ((مر على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم؛ كلما حصدوا عاد كما كان)) فأخبر جبريل ((فقال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنات بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيءٍ؛ فهو يخلفه)).

error: النص محمي !!