Top
Image Alt

حافظ إبراهيم

  /  حافظ إبراهيم

حافظ إبراهيم

ولد عام ألف وثمانمائة وتسعة وستين، وكان أبوه يعمل مهندسًا للري، ويشرف على القناطر الخيرية على نيل مصر، وأمه من أسرة تركية، توفي أبوه وهو في الرابعة من عمره، فذاق منذ طفولته المبكرة مرارة اليتم وطعم الحرمان، وانتقلت به أمه إلى القاهرة؛ حيث كفله خاله الذي كان يعمل مهندسًا أيضًا.

التحقَ حافظ بالمدرسة الابتدائية، ثم تحوّل إلى المدرسة الخديوية في المرحلة الثانوية، وانتقل بعد ذلك مع خاله إلى طنطا، فأخذ يختلف إلى الدروس الدينية في المعهد الأحمدي الديني هناك، ولم ينتظم حافظ انتظامًا تامًّا في نوع معين من التعليم.

لكنه مع ذلك قادته أقداره إلى الالتحاق بالمدرسة الحربية، فتخرج فيها سنة ألفٍ وثمانمائة وإحدى وتسعين، وعُيّن في وزارة الحربية وظل فيها نحو ثلاث سنوات، ثم تركها إلى وزارة الداخلية ومكث بها نحو عام، عاد بعد ذلك إلى الحربية، وانضم إلى الحملة المتوجهة إلى السودان أثناء الاحتلال الإنجليزي لمصر والسودان.

ولم يسترحْ حافظ في الحياة العسكرية ولم يستسغها، ولم يقدر على أعبائها، وكتب إلى الشيخ محمد عبده ليتوسط له في الرجوع إلى مصر، وبعد أن حدث تزمر في الجيش المصري، وكان من ضمن المتزمرين حافظ، فحوكم وأحيل إلى الاستيداع -أي: إلى التقاعد- عام ألف وتسعمائة من الميلاد، وهكذا -كما يقول الدكتور شوقي ضيف- لم يكن حافظ سعيدًا في مولده ولا في تلمذته ولا في وظيفته، بل كان شقيًّا بذلك كله، فالتئم في نفسه شقاؤه بشقاء أمته.

لكن هذا الشقاء لم يحل بينه وبين تثقيف نفسه ثقافةً أدبيةً رفيعةً، عن طريق القراءة في كتب التراث العربي وما أتيح له من مصادر الثقافة الغربية، وكان الشعر العربي القديم هو المصدر الأكثر تأثيرًا ووضوحًا في شعره؛ لكثرة حفظه منه وتمثله له، وكان شديد الإعجاب بالبارودي باعث الشعر ورائد نهضته، كما أعجب بشخصية الشيخ محمد عبده، وكان من مريديه وتلاميذه، وعن طريقه اقترب من رواد النهضة الأدبية والفكرية ودعاة التحرر الوطني.

فتأثر بهم وبأفكارهم، وراح يصوغ آمال الشعب المصري في الحرية والاستقلال، ويعبر عنها في شعره، ويصور آلام الفقراء والمنكوبين، ويسهم في إزكاء روح الجهاد ومقاومة الاحتلال في قصائد عديدة من شعره، وظل حافظ إبراهيم إلى أن تُوفي سنة ألف وتسعمائة واثنتين وثلاثين واحدًا من عامّة الشعب، لم يبرح صفوفها التي أرهقها أعباء العيش في بلدٍ أحكم الاحتلال الأجنبي سيطرته عليه؛ فساءت أحواله وكثرت أهواله.

وحافظ إبراهيم أحد كبار الشعراء المحافظين، الذين حملوا لواء الشعر بعد البارودي، وأكثر شعره يدور حول المعاني الوطنية والاجتماعية، وشدَا بشعره في العديد من المناسبات والأحداث، كما صوّر في شعره جوانب المجد الإسلامي والعربي، وطرفًا من أمجاد مصر القديمة، يريد بذلك تنبيه أمته وإيقاظها من غفلتها.

وشعره في الوطنيات وفي التاريخ الإسلامي كثير، منه قصيدته الطويلة المسماة بالعمرية، وقد تتبع فيها حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومواقفه العظيمة في خدمة الإسلام والمسلمين.

ومن هذه القصيدة مثلًا يقول مخاطبًا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

رَأَيتَ في الدينِ آراءً مُوَفَّقَةً

*فَأَنزَلَ اللَهُ قُرآنًا يُزَكّيها

وَكُنتَ أَوَّلَ مَن قَرَّت بِصُحبَتِهِ

*عَينُ الحَنيفَةِ وَاِجتازَت أَمانيها

قَد كُنتَ أَعدى أَعاديها فَصِرتَ لَها

*بِنِعمَةِ اللَهِ حِصنًا مِن أَعاديها

خَرَجتَ تَبغي أَذاها في مُحَمَّدِها

*وَلِلحَنيفَةِ جَبّارٌ يُواليها

فَلَم تَكَد تَسمَعُ الآياتِ بالِغَةً

*حَتّى اِنكَفَأتَ تُناوي مَن يُناويها

سَمِعتَ سورَةَ طَهَ مِن مُرَتِّلِها

*فَزَلزَلَت نِيَّةً قَد كُنتَ تَنويها

وَقُلتَ فيها مَقالًا لا يُطاوِلُهُ

*قَولُ المُحِبِّ الَّذي قَد باتَ يُطريها

وبعد أن يعرض حافظ لأمثلة من حياة عمر ومواقفه الإسلامية الخالدة، يقول:

هَذي مَناقِبُهُ في عَهدِ دَولَتِهِ

*لِلشاهِدينَ وَلِلأَعقابِ أَحكيها

في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ نابِلَةٌ

*مِنَ الطَبائِعِ تَغذو نَفسَ واعيها

لَعَلَّ في أُمَّةِ الإِسلامِ نابِتَةً

*تَجلو لِحاضِرِها مِرآةَ ماضيها

حَتّى تَرى بَعضَ ما شادَت أَوائِلُها*مِنَ الصُروحِ وَما عاناهُ بانيها

وَحَسبُها أَن تَرى ما كانَ مِن عُمَر

*حَتّى يُنَبِّهَ مِنها عَينَ غافيها

ومن شعره الذي تناول فيه أمجاد مصر القديمة، وأراد به أن ينبه أذهان المصريين، وأن يشحذ هممهم، وأن يدعوهم إلى البناء في الحاضر كما بنَى أسلافهم الفراعنة من قبل؛ من هذا الشعر الوطني قصيدته “مصر تتحدث عن نفسها” وفيها يقول على لسان مصر:

وَقَفَ الخَلقُ يَنظُرونَ جَميعًا

*كَيفَ أَبني قَواعِدَ المَجدِ وَحدي

وَبُناةُ الأَهرامِ في سالِفِ الدَهـ

*رِ كَفَوني الكَلامَ عِندَ التَحَدّي

أَنا تاجُ العَلاءِ في مَفرِقِ الشَر

*قِ وَدُرّاتُهُ فَرائِدُ عِقدي

ثم يقول:

كَم بَغَت دَولَةٌ عَلَيَّ وَجارَت

*ثُمَّ زالَت وَتِلكَ عُقبى التَعَدّي

إِنَّني حُرَّةٌ كَسَرتُ قُيودي

*رَغمَ رُقبى العِدا وَحَطَّمْتُ قِدّي

إِنَّ مَجدي في الأولَياتِ عَريقٌ

*مَن لَهُ مِثلَ أولَياتي وَمَجدي

نَظَرَ اللَهُ لي فَأَرشَدَ أَبنا

*ئي فَشَدّوا إِلى العُلا أَيَّ شَدِّ

إِنَّما الحَقُّ قُوَّةٌ مِن قُوى الدَي

*يانِ أَمضَى مِن كُلِّ أَبيَضَ هِندي

قَد وَعَدتُ العُلا بِكُلِّ أَبِيٍّ

*فَأَنجِزوا اليَومَ وَعدي

وَاِرفَعوا دَولَتي العِلمِ وَالأَخ

*لاقِ فَالعِلمُ وَحدَهُ لَيسَ يُجدي

أما شعرُه الاجتماعي، فقد كان مواكبًا لأكثر الأحداث التي حدثت في عصره في مصر، ومنه قوله:

أَيُّها المُصلِحونَ ضاقَ بِنا العَيـ

*ـشُ وَلَم تُحسِنوا عَلَيهِ القِياما

أَصلِحوا أَنفُسًا أَضَرَّ بِها الفَقـ

*ـرُ وَأَحيا بِمَوتِها الآثاما

وَأَغيثوا مِنَ الغَلاءِ نُفوسًا

*قَد تَمَنَّت مَعَ الغَلاءِ الحِماما

وظل حافظ إبراهيم يدعو إلى الإصلاح الاجتماعي في العادات والأخلاق، فتعرَّض لكثير من المعايب والمظاهر السيئة التي انتشرت في مصر في عهده، وجعل من شعره وسيلةً للإصلاح.

أطلق على حافظ إبراهيم لكثرة اهتمامه بقضايا وطنه وشعبه؛ لقب “شاعر النيل”.  وهو بعد ذلك متنوّع الأغراض، قال الشعرَ في الوصفِ، وقال في الغزل، وقال في المديح والهجاء، وقال في الرثاء.

وله شعرٌ كثيرٌ في الشَّكْوى؛ شكوى الأحوال العامة والأحوال الخاصة، ويبدو أنه كان بائسًا أو متبائسًا من جرّاء ظروفه الخاصة، وعدم استمراره في وظيفة معينة، فظهر أثر ذلك في شعره.

وتتخلل الحكمة شعر حافظ إبراهيم، وله أبيات كثيرة صارت في الناس حِكمًا وأمثالًا، من ذلك مثلًا قوله شاكيًا ومتبرمًا من مصر، يقول:

فَما أَنتِ يا مِصرُ دارُ الأَديبِ

*وَلا أَنتِ بِالبَلَدِ الطَيِّبِ

وَكَم ذا بِمِصرَ مِنَ المُضحِكاتِ

*كَما قالَ فيها أَبو الطَيِّبِ

أُمورٌ تَمُرُّ وَعَيشٌ يُمِرُّ

*وَنَحنُ مِنَ اللَهوِ في مَلعَبِ

وَشَعبٌ يَفِرُّ مِنَ الصالِحاتِ

*فِرارَ السَليمِ مِنَ الأَجرَبِ

فهذا الشعر وإن كان شديد اللهجة في النقد؛ لكنه نقد المحب الذي يريد لوطنه أن يكون على نحو أفضل في كل الاتجاهات، ولذلك لا يُمكن أن يستدل بهذه الأبيات -التي تقدمت- على أنه يكره مصر أو يعيبها، فقد كان له شعرٌ كثير في التغني بمجدها والتغني بحبها، وقد تقدمت القصيدة التي أشرنا إليها: “وقف الخلق ينظرون جميعًا”، كما أن له قصيدة تفيض بحب مصر، مطلعها يقول:

كَم ذا يُكابِدُ عاشِقٌ وَيُلاقي

*في حُبِّ مِصرَ كَثيرَةِ العُشّاقِ

وفي هذا القصيدة حِكمٌ كثيرة منها قوله:

لا تَحسَبَنَّ العِلمَ يَنفَعُ وَحدَهُ

*ما لَم يُتَوَّج رَبُّهُ بِخَلاقِ

وفيها أيضًا يقول:

الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها

*أَعدَدتَ شَعبًا طَيِّبَ الأَعراقِ

ومن أفضل شعر الرثاء عند حافظ إبراهيم رثاؤه للشيخ محمد عبده الذي يقول فيه:

سَلامٌ عَلى الإِسلامِ بَعدَ مُحَمَّدٍ

*سَلامٌ عَلى أَيّامِهِ النَضِراتِ

عَلى الدينِ وَالدُنيا عَلى العِلمِ وَالحِجا

*عَلى البِرِّ وَالتَقوى عَلى الحَسَناتِ

قَد كُنتُ أَخشى عادِيَ المَوتِ قَبلَهُ*فَأَصبَحتُ أَخشى أَن تَطولَ حَياتي

فَوالَهفي وَالقَبرُ بَين وبَينَهُ

*عَلى نَظرَةٍ مِن تِلكُمُ النَظَراتِ

تَبارَكتَ هَذا الدينُ دينُ مُحَمَّدٍ

*أَيُترَكُ هَذَا الدينُ بِغَيرِ حُماةِ

أَبَنتَ لَنا التَنزيلَ حُكمًا وَحِكمَةً

*وَفَرَّقتَ بَينَ النورِ وَالظُلُماتِ

وَوَفَّقتَ بَينَ الدينِ وَالعِلمِ وَالحِجا

*فَأَطلَعتَ نورًا مِن ثَلاثِ جِهاتِ

ولما ظهرت دعوة المُجددين في مصر، وقام هؤلاء المجددون يتهمون المحافظين بأنهم مقلدون للأقدمين في الأغراض والمعاني والأوزان والصور، وأنهم لا تظهر لهم شخصية فيما يقولون، ولا يعبرون عن إحساس صحيح ولا عن فكر صحيح، كان أن ثَار حافظ إبراهيم وقال قصيدة يدعو فيها إلى التجديد، ويُثبت أنه أيضًا من دعاة التجديد، وأنه ليس من المتزمتين المقلدين، وقال يُخاطب الشعر فيقول:

ضِعتَ بَينَ النُهى وَبَينَ الخَيالِ

*يا حَكيمَ النُفوسِ يا اِبنَ المَعالي

ضِعتَ في الشَرقِ بَينَ قَومٍ هُجودٍ

*لَم يُفيقوا وَأُمَّةٍ مِكسالِ

قَد أَذالوكَ بَينَ أُنسٍ وَكَأسٍ

*وَغَرامٍ بِظَبيَةٍ أَو غَزالِ

وَنَسيبٍ وَمِدحَةٍ وَهِجاءٍ

*وَرِثاءٍ وَفِتنَةٍ وَضَلالِ

وَحَماسٍ أَراهُ في غَيرِ شَيءٍ

*وَصَغارٍ يَجُرُّ ذَيلَ اِختِيالِ

عِشتَ ما بَينَهُم مُذالًا مُضاعًا

*وَكَذا كُنتَ في العُصورِ الخَوالي

حَمَّلوكَ العَناءَ مِن حُبِّ لَيلى

*وَسُلَيمى وَوَقفَةِ الأَطلالِ

وَبُكاءٍ عَلى عَزيزٍ تَوَلّى

*وَرُسومٍ راحَت بِهِنَّ اللَيالي

وَإِذا ما سَمَوا بِقَدرِكَ يَومًا

*أَسكَنوكَ الرِحالَ فَوقَ الجِمالِ

آنَ يا شِعرُ أَن نَفُكَّ قُيودًا

*قَيَّدَتنا بِها دُعاةُ المُحالِ

فَاِرفَعوا هَذِهِ الكَمائِمِ عَنّا

*وَدَعونا نَشُمُّ ريحَ الشَمالِ

وأثبت حافظ بذلك أنه من دعاة التجديد، وأن صدره يتسع للجديد من المعاني والأفكار، ولكن مع ذلك ظل حافظ إبراهيم واحدًا من الشعراء المحافظين، الذين تنطبق عليهم سمات معينة -أو على شعرهم سمات معينة- فهم محافظون على بناء القصيدة العربية على النهج القديم، وملتزمون بوحدة الوزن، وملتزمون بالقافية وإن نوعوا في القافية أحيانًا في القصيدة الواحدة، وهم يستمدون صورَهم غالبًا من الشعر القديم؛ ولذلك غلب على أسلوب الشعر عند حافظ إبراهيم التأثر بالقدماء، وشعره يتصف بالجزالة في التركيب، والفخامة في الأداء، وحفظُه للكثير من الشعر القديم أثّر في أسلوبه وأثّر في معانيه وصوره. ومع هذا فحافظ إبراهيم شاعر مهمٌّ؛ لأنه جعَلَ من شعره وسيلةً لإصلاح شعبه وإصلاح وطنه، وتغنَّى في شعره بعواطفه الشخصية وبهموم شعبه وأمته.

error: النص محمي !!