Top
Image Alt

حالات مشروعية الجهاد، وبيان أن الجهاد وسيلة لدفع العدوان

  /  حالات مشروعية الجهاد، وبيان أن الجهاد وسيلة لدفع العدوان

حالات مشروعية الجهاد، وبيان أن الجهاد وسيلة لدفع العدوان

متى يشرُع الجهاد في الإسلام:

إنّ الإسلام هو دين السلام، يرغّب في السلام ويؤثره على الحرب، فإنه لا يقدم على الحرب مع وجود وسيلة لحلّ المشكلة أو القضية، فإذا لم يكن بدٌّ من الحرب للإبقاء على على العقيدة، أو على الحياة، فالحرب شرّ لا مندوحة عنه، وقد دعا الإسلام إلى السلام فلم يستجب خصومه، وأبوا إلّا الحربَ، وصبر المسلمون على أذاهم، فلم يزدادوا -المشركون- إلا عتوًّا وفسادًا في الأرض، فلم يكن بدٌّ من حربهم؛ لأن الإسلام يدعو أتباعَه إلى القُوة؛ مادية ونفسية؛ ليحموا أنفسهم ودينهم، كما يدعوهم إلى المسالمة والأناة.

ولا يجوز الحرب في الإسلام إلّا في أحد حالين:

الحالة الأولى:

حالة الدفاع عن النفس والعرض والمال والأرض عند الاعتداء؛ لقول الحق -تبارك وتعالى-: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] وقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 39: 40].

ففي هذه الآية تعليل للإذن بالقتال بأمور ثلاثة:

  1. أنهم ظلموا بالاعتداء عليهم وإخراجهم من ديارهم بغير إلّا أن يدينوا دين الحق، ويقولون: ربنا الله.
  2. أنّه لولا إذن الله للناس بمثل هذا الدفاع؛ لهدِّمت جميع المعابد التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا بسبب ظلم الكافرين، الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
  3. أنّ غاية النصر والتمكين في الأرض والحكم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الحق -جلّ وعَلَا-: {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البقرة: 246].

وأيضًا الاستشهاد بما أخرجه أبو داود وصحّحه والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قُتل دون دينه فهو شهيدٌ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد))..

الحالة الثانية -التي يُسمح للمسلمين فيها بالقتال-:

حالة الدفاع عن الدين، عن الدعوة إلى الله تعالى، فمتى وُجِدَ من يحول بين الناس والدخول في الإسلام، أو قام بتعذيب من اعتنق الإسلام، أو وقف في طريق الدعوة بأنْ مَنَع الداعية من الدعوة، وما شابه ذلك، ففي هذه الحالة شرّع الله الدفاع عن الدعوة، وذلك في قول الله -تبارك وتعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 190: 192]

من هنا يتبين أنّ الحروب التي خاضها المسلمون مع أعداء الإسلام كانت كلها دفاعًا، ليس فيها شيء من العدوان كما يصوّر أعداء الدين الإسلامَ في غير صورته الحقيقية، بأنه شقّ طريقه بالقسوة، ولم ينتشر إلّا بالسيف، وأنه استقر في البلاد المفتوحة بالإجبار على الناس. ولا يذكر في القرآن الكريم لفظ القتال أو الجهاد إلّا وهو مقرون بعبارة: في سبيل الله، وذلك يدل على أنّ الغاية من القتال غاية مقدسة نبيلة، هي إعلاء كلمة الله، لا للسيطرة أو المغنم، أو إظهار الشجاعة أو الاستعلاء في الأرض.

القتال في الإسلام وسيلة لدفع العدوان:

عندما نقلّب صفحات التاريخ، فإنه يتأكد لنا أنّ جميع حروب المسلمين عبارة عن الدفاع لا غير، أو بعبارة أوضح: يمكن القول بأن المسلمين كانوا مضّطرين إلى الحرب.

وبيان ذلك كالآتي: لمّا جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالدين الجديد من عند الله تعالى؛ لينقذ البشرية الضالة، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد الواحد الأحد، فآمن به من آمَنَ من أهل مكة، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أعوام يدعو إلى دين الله من غير قتال، فلقد صبر عليه السلام هو وأصحابه على أذى مشركي مكة في هذه الأعوام، فلما رأت قريش أنّ الدين الجديد يزداد معتنقوه يومًا بعد يوم اعتدوا على من أسلم، واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على مَنْ فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش برمضاء مكة إذ اشتد الحر، على مَن استضعفوا منهم، يحاولون أن يفتنوهم عن دينهم، فمنهم مَن يُفتن من شدة البلاء الذي يصيبه.

ولمّا أشتد أذى المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِه، حتى بلغ بهم الأمر أنّهم أجمعوا أمرَهم على اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلّمه الله بما دبّروا له، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] فأذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة المنورة؛ ليلتحق بأصحابه هناك، فبايعه أهلُ المدينة على الطاعة والنصرةِ، ولقد صبر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابُه على كلّ اعتداءات المشركين، حتى أنّ بعض أصحابه قتل من جراء العذاب؛ منهم سمية أمّ عمار بن ياسر، التي عذّبها آل المغيرة مع زوجها على إسلامهما؛ ليرجعَا عنه فلم يرجعا، وماتت أم عمّار تحت العذاب.

وصبر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى أن نزلت الآيات بالإذن بالقتال، قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] وقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75].

دلّت هذه الآية الكريمة على سببين من أسباب الحرب:

أولهما: القتال في سبيل الله، وهو مقصودُ الدين، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله، ولو كره المشركون.

وثانيهما: القتال لحماية المستضعفين الذين أقاموا بمكة؛ حيث لم يقدروا على الهجرة لأسباب ما، فعذبتهم قريش، وفتنتهم حتى طلبوا من الله الخلاصَ، فهؤلاء المستضعفون في أمسِّ الحاجة إلى دَفْع أذى وعدوان المشركين عنهم؛ ليتمكنوا من ممارسة عبادتهم في حرية مطلقة.

كما بيّن القرآن الكريم أنّه يجب على المسلمين أن يقاتلوا المشركين كافّةً؛ لأنهم يقاتلونهم كافّة، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36] فالكاف هنا تعليلية، بمعنى: لأنهم يقاتلونكم كافة.

error: النص محمي !!