Top
Image Alt

حالة الفقه في هذا الدَّوْر

  /  حالة الفقه في هذا الدَّوْر

حالة الفقه في هذا الدَّوْر

يبدأ هذا الدَّوْر من منتصف القرن الرابع الهجري، وينتهي بسقوط بغداد سنة (656هـ). وفيه بدأ الفقه بالانحدار؛ فبعد أنْ بلغ القمّة في الدَّوْر الذي قبْله، بدأ في هذا الدَّوْر في تراجع نشاط الفقهاء، حتى أطلق عليه بعض الباحثين (دور التَّقليد”؛ حيث لم يظهر فيه مجتهدون كما ظهروا في الدّور الرابع، ولم توجد فيه مظاهر للفقه تدلّ على نشاط في الحركة العلمية، بل غاية اهتمام العلماء فيه لا تتجاوز خدمة مذاهب مَن سبقهم. فدرسوا آراءهم، وفرّعوا عليها تفريعات، وخرّجوا، ورجّحوا بين روايات المذهب، ولم يَخْرجوا عن دائرة المذهب. وتعاملوا مع نصوص أئمّتهم كتعامل أئمتهم مع نصوص الكتاب والسُّنّة. وهم بذلك ضيّقوا على أنفسهم، وكبَّلوا عقولهم عن الاجتهاد، والتزموا التقليد؛ حتى إنَّه لم يأت بعد محمد بن جرير الطبري (ت. سنة 310هـ) مَن بلغ رتبة الاجتهاد المُطلَق. فلم يستقلّ أحَد بمذهب، بل كلّ فقيه التزم مذهبًا من المذاهب المشهورة، وبدأ يخدمه بما تتيسَّر له مِن خدْمة.

يقول الإمام ابن القيم: “ثمّ جاءت الأئمة من القرن الرابع، فسلكوا على آثارهم اقتصاصًا -يعني آثار الصحابة والتابعين-، واقتبسوا هذا الأمْر مِن مِشكاتهم اقتباسًا، وكان دين الله تعالى أجلّ في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أنْ يقدِّموا عليه رأيًا أو معقولًا أو تقليدًا أو قياسًا. ودَرَجَ على منهاجهم الموفّقون من أشياعهم، زاهدين في التعصب للرجال، واقفين على الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه. ثم خَلَفَ من بعْدهم خُلُوف، فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا، كل حزب بما لديهم فرحون؛ جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون، ورؤوس أموالهم التي بها يتّجِرون. وآخرون منهم قنعوا بمحْض التقليد، وقالوا: إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وإنّا على آثارهم مُقتدون. والفريقان بمعزل عما ينبغي اتّباعه من الصواب”.

قال أبو عمر وغيره من العلماء: “أجمع الناس على أنَّ المقلّد ليس معدودًا من أهل العلْم، وأنَّ العلْم معرفة الحق بدليله”. وهذا كما قال أبو عمر –رحمه الله-، فإنََّ الناس لا يختلفون أنَّ العلْم هو: المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأمّا بدون الدليل فإنما هو تقليد.”. إلخ. أ. هـ.

والشاهد مِن هذا الكلام: أنَّ أهل العلْم في هذا الدَّوْر لم يبرز منهم أحد يستقلّ باجتهاده، ويكون له مذهب كمذاهب مَن سبقه مِن المجتهدين، بل كانوا كلهم يتَّبعون مذاهب مَن سبقهم مِن المجتهدين، وبخاصة الذين اشتهرت مذاهبهم واستمرّت بعد موتهم. وهؤلاء العلماء بهذا الصنيع يحصرون أنفسهم في دائرة التقليد، ويقفلون أمامهم أبواب الاجتهاد.

error: النص محمي !!