Top
Image Alt

حديث أنس في: القنوت, وحديث أبي سعيد: ((لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة…))

  /  حديث أنس في: القنوت, وحديث أبي سعيد: ((لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة…))

حديث أنس في: القنوت, وحديث أبي سعيد: ((لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة…))

1. حديث أنس في القنوت:

قال أنس بن مالك رضي الله عنه : ((ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا)) رواه الدارقطني من حديث عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس رضي الله عنه : ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا يدعو على قاتلي أصحابه ببئر معونة، ثم ترك، فأمّا في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا)) يعني: يدعو في الصلوات، أما في الصبح فلم يترك القنوت، كما يقول: فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، وروي هذا من طريق عبد الرزاق وأبي نعيم عن أبي جعفر مختصرًا، ورواه أحمد عن عبد الرزاق، ورواه البيهقي من حديث عبيد الله بن موسى، وأبي نعيم، وصحّحه الحاكم في كتاب (القنوت) وأول الحديثين في الصحيحين، يعني: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا يدعو على قاتلي أصحابه ببئر معونة)) هذا في الصحيحين من طريق عاصم الأحول عن أنس، أما باقيه فليس في الصحيحين، ورواية عبد الرزاق أصح من رواية عبيد الله بن موسى، فقد بيّن إسحاق بن راهويه في مسنده سبب ذلك، ولفظه عن الربيع بن أنس قال: قال رجل لأنس بن مالك: أقنتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا يدعو على حيّ من أحياء العرب؟ قال: فزجره أنس، قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا، وأبو جعفر الرازي في هذا الحديث قال عبد الله بن أحمد عن أبيه ليس بالقوي، وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة، ولكنه يُخطئ، وقال الدوري يعني عن ابن معين: ثقة ولكنه يغلط فيما يروي عن مغيرة، وحكى الساجي أنه قال أي ابن معين: صدوق ليس بمتقن، وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: هو نحو موسى بن عبيدة، يخلط فيما يروي عن مغيرة ونحوه.

وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن علي بن المديني: ثقة، قلت: محمد بن عثمان ضعيف، فرواية عبد الله بن علي عن أبيه أولى، وهي التي يقول فيها: هو نحو موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة ضعيف يخلط فيما يروي عن مغيرة ونحوه، وقال أبو زرعة: يَهِمُ كثيرًا، وقال عمرو بن علي: صدوق سيّئ الحفظ، ووثقه غير واحد، يقول ابن حجر: وقد وجدنا لحديثه شاهدًا رواه الحسن بن سفيان، عن جعفر بن مهران، عن عبد الوارث، عن عمرو، عن الحسن، عن أنس قال: ((صلّيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته، وخلف أبي بكر كذلك، وخلف عمر كذلك))، وغلط بعضهم فصيّره عن عبد الوارث عن عوف، فصار ظاهر الحديث الصحة وليس كذلك، بل هو من رواية عمرو، وهو ابن عبيد رأس القدرية، ولا يقوم بحديثه حجّة هذا من ناحية، يعني فيه: أبو جعفر الرازي، وهو مختلف فيه كما رأيت، والأغلب أنه مع ثقته يُخطئ وهو سيّئ الحفظ كما قال غير واحد.

ومن ناحية أخرى: أن الشاهد الذي جاء به ابن حجر -رحمه الله تعالى- هو عن عمرو بن عبيد رأس القدرية، ولا يقوم بحديثه حجّة، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى: هو يتعارض مع ما رواه الخطيب من طريق قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان، قلنا لأنس: إن قومًا يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يقنت في الفجر؟ فقال: كذبوا، إنما قنت شهرًا واحدًا يدعو على حيّ من أحياء المشركين، وقيس -وإن كان ضعيفًا- لكنه لم يتّهم بكذب، وروى ابن خزيمة في صحيحه من طريق سعيد -أي: ابن أبي عروبة- عن قتادة عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم، فاختلفت الأحاديث عن أنس.

قال ابن حجر: فاختلف الأحاديث عن أنس، واضطربت فلا يقوم بمثل هذا حجّة، وعلى هذا فالحديث ضعيف إسنادًا ومتنًا، وقد نبّه ابن حجر -رحمه الله تعالى- إلى أن بعض الأئمة عَزَاه إلى مسلم فوهم، وعزاه النووي إلى المستدرك للحاكم، وليس هو فيه، وإنما أورده وصحّحه في جزء له مفرد في القنوت، ونقل البيهقي تصحيحه عن الحاكم، فظن أنه في (المستدرك).

وضعّف الحديث ابن الجوزي أيضًا، فقال بعد أن روى الأحاديث عن أنس -رحمه الله تعالى-: إن جميع هذه الأحاديث الصّريحة ضعاف، أما الأربعة الأوائل فراويها أبو جعفر الرازي، واسمه عيسى بن ماهان قال علي بن المديني: كان يخلط، وقال يحيي: كان يُخطئ، قال أحمد بن حنبل: ليس بقويّ في الحديث، وقال أبو زرعة: كان يَهِم كثيرًا، وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير.

أما حديث أبي حصين، وهو يرويه عن أنس، قال: قلت لأنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك القنوت، قال: والله ما زال يقنت حتى لحق بالله، قال: أما حديث أبي حصين فيرويه قيس بن الربيع قال يحيي: ليس بشيء، وقال أحمد: كان كثير الخطأ بالحديث، وروى أحاديث منكرة، ثم الراوي عنه عمرو بن أيوب، قال ابن حبان: لا يحلّ احتجاجه به.

وأما حديث عمرو بن عبيد عن أنس، ولفظه قيل لأنس: إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا، قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت، حتى مات وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات، فقال أيوب السختياني ويونس: كان عمرو يكذب في الحديث، قال ابن المديني: ليس بشيء، قال النسائي: متروك، وكذلك ضعف ابن الجوزي الأحاديث الأخرى التي منها حديث دينار بن عبد الله خادم أنس بن مالك عن أنس: ((ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الصبح حتى مات)) قال أبو حاتم بن حبان: دينار يروي عن أنس أشياء موضوعة لا يحلّ ذكره في الكتب، وضعف الأحاديث الأخرى، وقال ابن عبد الهادي: وإن صحّ الحديث فهو محمول على أنه ما زال يطوّل في صلاة الفجر، فإن القنوت لفظ مشترك بين الطاعة، والقيام، والسكوت، والخشوع، وغير ذلك.

2. حديث أبي سعيد ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة)):

حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تحلّ الصدقة لغنيّ إلا لخمسة))، والحديث كما رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن زيد بن مسلمة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تحلّ الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تُصُدق عليه منها، فأهدى منها لغني))، وهذا السند سند الإمام أحمد رجاله ثقات -رجال الشيخين- لكن اختلف في وصله وإرساله، وصحح الموصول ابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي، وابن عبد البر، والذهبي.

وعلى فرض إرساله يتقوّى بعمل الأئمة ويعتضد، ورجّح المرسل والدارقطني وابن أبي حاتم، والحديث المرسل رواه مالك في (موطئه)، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تحلّ الصدقة لغني إلا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جارٍ مسكين فتصدّق على المسكين فأهدى المسكين للغني)) قال ابن عبد البر: هكذا رواه مالك مرسلًا، وتابعه على إرساله ابن عيينة، وإسماعيل بن أمية، ورواه الثوري عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: حدّثنا الليث عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.

ورواه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا ما رأيناه عند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وذكرنا أنه عند غيره، قال ابن عبد البر: فأما رواية ابن عيينة، فحدثنا محمد بن إبراهيم قال: حدثنا أحمد بن مطرف قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تحلّ الصدقة لغنيّ إلا لخمسة: رجل اشترها بماله، أو رجل أُهديت له، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لغازٍ في سبيل الله)).

وأما رواية إسماعيل بن أميّة فرواها ابن علية، عن إسماعيل بن أمية، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ حديث مالك حرفًا بحرف، وأما رواية معمر، فقد رواها ابن عبد البرّ من طريق قاسم بن إصبغ قال: حدّثنا محمد بن غالب قال: أخبرني أحمد بن عبد الله بن صالح يعني: الكوفي قال: حدثني أحمد بن صالح يعني: المصري، قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام، قال: حدثنا معمر عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تحلّ الصدقة لغنيّ إلا لخمسة: …)) فذكره، وهو عند عبد الرزاق في (المصنف)، ومن طريقه أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن الجارود وابن خزيمة والدارقطني في (السنن)، والحاكم والبيهقي في (السنن)، وفي (المعرفة)، وابن عبد البر في (التمهيد) كما ذكرنا، وصححه الحاكم موصولًا، ووافقه الذهبي، وأخرجه الدارقطني في (السنن)، وفي (العلل) من طريق محمد بن سهل بن عسكر، والبيهقي في (السنن) من طريق أبي الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري كليهما عن عبد الرزاق، عن معمر والثوري، عن زيد به، قرن الثوري مع معمر.

وقد ذكر الدارقطني في (العلل) اختلاف على عبد الرزاق في ذلك، وقال: عن عبد الرزاق عن معمر وحده هو الصحيح، بطبيعة الحال رواية معمر صحيحة، رواية معمر هي التي هي عند أحمد -والتي قلنا- إسنادها صحيح، وأخرجه عبد الرزاق في (المصنف)، عن الثوري، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وأخرجه مالك في (الموطأ) كما ذكرنا، ومن طريقه أبو داود والحاكم والبيهقي في (السنن)، والبغوي في (شرح السنة) من طريق ابن عيينة، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق سفيان الثوري، ثلاثتهم عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلًا، وعند ابن أبي شيبة ابن السبيل بدلًا من الغارم، وقد رواه الثوري عن زيد عن الثبت دون أن يسمّي عطاءً، وعلّقه أبو داود عقب الحديث رقم ألف وستمائة وست وثلاثين رواية الثوري عن زيد قال: حدّثني الثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد وصله الدارقطني في (العلل) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان، عن زيد بن أسلم قال: حدثني الثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكر الحديث، وقال الدّارقطني وهو الصحيح، يعني: في أنه لم يُسَمّ رجلًا، وقد أعلّ ابن أبي حاتم في (العلل) رواية عبد الرزاق الموصولة، وقال عن أبيه وأبي زرعة: رواه الثوري عن زيد بن أسلم قال: حدثني الثبت قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأشبه، ونقل عن أبيه أبي حاتم قوله: فإن قال قائل: الثبت من هو؟ أليس هو عطاء بن يسار؟ لو كان عطاء بن يسار لم يكنِ عنه، قلت لأبي زرعة: أليس الثبت هو عطاء؟ قال: لا، لو كان عطاء ما كان يكنّي عنه، وقد رواه ابن عيينة عن زيد عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، قال أبي: والثوري أحفظ، وقد أخذ بهذا الحديث الإمام الشافعي، وفصل في ذلك الإمام النووي في (المجموع)، وقال: هذا الحديث حسن أو صحيح، رواه أبو داود من طريقين أحدهما عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبيصلى الله عليه وسلم ، والثاني عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وإسناده جيد في الطريقين، وجمع البيهقي طرقه، وفيها أن مالكًا وابن عيينة أرسلاه، وأن معمرًا والثوري وَصَلَاه، وهما من جملة الحفاظ المعتمدين. وقد تقرّرت القاعدة المعروفة لأهل الحديث والأصول، أن الحديث إذا رُوي متصلًا كان الحكم للاتصال على المذهب الصحيح، وقدّمنا أيضًا عن الشافعي رضي الله عنه أن يحتجّ بالمرسل إذا اعتضد بأحد أربعة أمور: إما حديث مسند، وإما حديث مرسل من طريق آخر، وإما قول صحابي، وإما قول أكثر العلماء. وهذا قد وجد فيه أكثر، فقد رُوي مسندًا، وقال به العلماء من الصحابة وغيرهم. فنخلص مع هؤلاء أن الحديث صحيح متصلًا.

error: النص محمي !!