Top
Image Alt

حديث: ((إن الميت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه)) و”ما أنا من ددٍ ولا الدد مني”، و”الانتفاع بجلد الميتة”

  /  حديث: ((إن الميت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه)) و”ما أنا من ددٍ ولا الدد مني”، و”الانتفاع بجلد الميتة”

حديث: ((إن الميت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه)) و”ما أنا من ددٍ ولا الدد مني”، و”الانتفاع بجلد الميتة”

الحديث الرابع:

تخريج الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية: ((ببعض بكاء أهله عليه))، وفي رواية: ((ببكاء الحي))، وفي رواية: ((يعذب في قبره بما نيح عليه))، وفي رواية: ((مَن يبك عليه يعذب)). وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما وأنكرت عائشة، ونسبتها إلى النسيان، والاشتباه عليهما، وأنكرت أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك.

واحتجت بقوله تعالى: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15]، قالت: “وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم في يهودية أنها تعذب، وهم يبكون عليها”، يعني: تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها، لا بسبب البكاء.

وجه الإشكال في الحديث:

واختلف العلماء في هذه الأحاديث: فتأولها الجمهورُ على مَن وصَّى بأن يبكى عليه، ويناح بعد موته، فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم؛ لأنه بسببه ومنسوب إليه. قالوا: فأما مَن بكى عليه أهله، وناحوا من غير وصية منه، فلا يعذب؛ لقول الله عز وجل: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } قالوا: وكان من عادة العرب الوصية بذلك.

ومنه قول طَرفة بن العبد:

إذا مت فانعيني بما أنا أهلُه

*وشقي علي الجيب يا ابنة معبد

قالوا: فخرج الحديث مطلقًا؛ حملًا على ما كان معتادًا لهم.

وقالت طائفة: هو محمول على من أوصى بالبكاء والنوح، أو لم يوص بتركهما. فمن أوصى بهما، أو أهمل الوصية بتركهما يعذب بهما؛ لتفريطه بإهمال الوصية بتركهما، فأما من وصى بتركهما فلا يعذب بهما؛ إذ لا صنع له فيهما، ولا تفريط منه.

وحاصل هذا القول: إيجاب الوصية بتركهما، ومن أهملهما عذب بهما.

وقالت طائفة: معنى الأحاديث: أنهم كانوا ينوحون على الميت، ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع، يعذب بها كما كانوا يقولون: يا مؤيد النسوان، ومؤتم الولدان، ومخرب العمران، ومفرق الأخدان، ونحو ذلك مما يرونه شجاعةً وفخرًا، وهو حرام شرعًا.

وقالت طائفة: معناه: أنه يعذَّب بسماعه بكاء أهله، ويرِق لهم، وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره. وقال القاضي عياض: وهو أولى الأقوال. واحتجوا بحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم زجَر امرأةً عن البكاء على أبيها، وقال: ((إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه، فيا عباد الله، لا تعذبوا إخوانكم))، وقالت عائشة رضي الله عنها: معنى الحديث: “أن الكافر أو غيرَه من أصحاب الذنوب يُعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه، لا ببكائهم”.

والأظهر من هذه الأقوال:

ما قدمناه عن الجمهور، وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا: البكاء بصوت ونياحة، لا مجرد دمع العين.

الحديث الخامس: “ما أنا من ددٍ ولا الدد مني”:

تخريج الحديث: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لست من دد، ولا الدد مني بشيء” رواه البخاري في (الأدب المفرد)، والبزار، وهو حديث ضعيف، فيه يحيى بن محمد بن قيس، قال الدارقطني في (الأفراد): لا يُتابَع على حديثه، وتابعه على هذا من هو دونه.

والدَّدُ: اللهو واللعب. وقوله: “ولا الدَّدُ منّي”. معناه: ليس من خصالي.

وجه الإشكال في الحديث: ذكر ابن قتيبة وجه الإشكال في هذا الحديث فقال: “قالوا: رُويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما أنا من دد ولا الدد مني”، وأن عبد الله بن عمرو قال له: ((أكتب كل ما أسمع منك في الرضا والغضب؟ فقال: نعم، إني لا أقول في ذلك كله إلا الحق))، ثم رويتم أنه كان يمزح، وأنه استدبر رجلًا من ورائه، فأخذ بعينيه، وقال: ((من يشتري مني هذا العبد؟)) ووقف على وفد الحبشة، فنظر إليهم، وهم يزفون، وعلى أصحاب الدركلة وهم يلعبون، وسابق عائشة رضي الله عنها فسبقها تارة، وسبقته أخرى”.

وقد علمت أن الحديث ضعيف، ومع ذلك فقد وجهه ابن قتيبة بتوجيهات، فقال أبو محمد: ونحن نقول: إن الله عز وجل بعَث رسوله صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، ووضع عنه وعن أمته الإصر والأغلال التي كانت على بني إسرائيل في دينهم، وجعل ذلك نعمة من نعمه التي عددها، وأوجب الشكر عليها، وليس من أحد فيه غريزة إلا ولها ضد في غيره، فمن الناس الحليم، ومنهم العجول، ومنهم الجبان، ومنهم الشجاع، ومنهم الحيي، ومنهم الوقاح، ومنهم الدمث، ومنهم العبوس.

أفما ترى أن اللعب واللهو من غرائز الإنسان، والغرائز لا تملك، وإن ملكها المرء بمغالبة النفس، وقمع المتطلع منها، لم يلبث إلا يسيرًا حتى يرجع إلى الطبع، وكان يقال: الطبع أملك.

والله عز وجل يقول: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19 – 21]، وقال تعالى: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37]، وكان الناس يأتسون برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتدون بهديه، وشكله؛ لقول الله -تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، فلو ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريق الطلاقة، والهشاشة، والدماثة إلى القطوب والعبوس، والزماتة، أخذ الناس أنفسهم بذلك على ما في مخالفة الغريزة من المشقة والعناء.

فمزح صلى الله عليه وسلم ليمزحوا، ووقف على أصحاب الدركلة، وهم يلعبون فقال: ((خذوا يا بني أرفدة؛ ليعلم اليهود أن في ديننا فسحةً))، يريد ما يكون في العرسات لإعلان النكاح، وفي المآدب لإظهار السرور.

وأما قوله: “ما أنا من دد ولا الدد مني”، فإن الدد: اللهو والباطل، وكان يمزح ولا يقول إلا حقًّا، وإذا لم يقل في مزاحه إلا حقًّا لم يكن ذلك المزاح ددًّا ولا باطلًا، قال لعجوز: ((إن الجنة لا يدخلها العجز))، يريد: أنهن يعدن شوابًا. ونحو هذا مما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من ذلك. ودين الله يسر، ليس فيه -بحمد الله ونعمته- حرج، وأفضل العمل أدومه وإن قل.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمَل حتى تملوا، وإن أفضل العمل أدومه وإن قل))، وعن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الدين يسر، ولن يُشاد هذا الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا)).

وقد درج الصالحون والخيار على أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبسم، والطلاقة والمزاح بالكلام المجانب للقدع، والشتم، والكذب. وكل هؤلاء إذا مزَح لم يفحش، ولم يشتم، ولم يغتب، ولم يكذب، وإنما يذم من المزاح ما خالطته هذه الخلال أو بعضها، وأما الملاعب فلا بأس بها في المآدب.

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق هذا الحديث، فقال: ((كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وملاعبته زوجته، وترويضه فرسه)).

ومعنى ((باطل)): لا فائدةَ فيه، أو لا خير فيه. وليس المعنى: التحريم، المقصود: أن هذه الثلاثة هي التي فيها الفائدة والمصلحة الكبيرة، وأما الأشياء الأخرى فالأمر فيها واسع وليست محرمة إذا كانت لا تشتمل على محرم، كالمسابقة بالأقدام، أو المسابقة بحمل الأثقال، أو ما أشبه ذلك، هذا لا بأس به إذا لم يشغل عن الصلاة، ولم يكن فيه منكر آخر، لا كشف عورات، ولا غير ذلك.

فإذا لهَى الإنسان بمسابقة الأقدام، أو بحمل الأثقال، أو ما أشبه ذلك، فلا بأس بذلك، لكن يكون من غير مال، بل لمجرد المسابقة التي ليس فيها عوض، فهذا لا حرج فيه. ومعنى باطل: ليس فيه فائدة، أو ليس فيه مصلحة، أو ما أشبه ذلك. ليس المقصود التحريم، ولهذا أجاز النبي صلى الله عليه وسلم المسابقة، وسابق عائشة على الأقدام، وأجاز لسلمة بن الأكوع المسابقة على الأقدام، فلا بأس بذلك، ولا حرج بالمسابقة على الأقدام، أو بحمل الأثقال، أو ما أشبه ذلك إذا كان بغير عوض، أما بالعوض فلا.

الحديث السادس: “الانتفاع بجلد الميتة”:

وجه الإشكال في الحديث: وقد ذكر ابن قتيبة وجه الإشكال فقال: قالوا: رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((أيما إهاب دبغ فقد طهر، وأنه مرَّ بشاة ميتة، فقال: ألا انتفعوا بإهابها؟)). فأخذ قوم من الفقهاء بذلك، وأفتوا به ثم رويتم أنه قال: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)) فأخذ قوم من الفقهاء بهذا، وأفتوا به، وهذا تناقض واختلاف.

قال أبو محمد بن قتيبة: ونحن نقول إنه ليس ههنا بحمد الله تناقض ولا اختلاف؛ لأن الإهاب في اللغة: الجلد الذي لم يدبغ، فإذا دبغ زال عنه هذا الاسم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)). ثم مر بشاة ميتة فقال: ((ألا انتفع أهلها بإهابها؟)) يريد: ألا دبغوه فانتفعوا به؟ ثم كتب: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب))، يريد: لا تنتفعوا به، وهو إهاب حتى يدبغ، ويدلك على ذلك قوله: ((ولا عصب))؛ لأن العصب لا يقبل الدباغ فقرنه بالإهاب قبل أن يدبغ.

وقد جاء هذا مبينًا في الحديث، روى بن عيينة عن الزهري عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشاة لمولاة ميمونة، فقال: ((ألا أخذوا إهابها فدبغوه، وانتفعوا به)).

error: النص محمي !!