Top
Image Alt

حديث: “الحجر الأسود يمين الله في الأرض”

  /  حديث: “الحجر الأسود يمين الله في الأرض”

حديث: “الحجر الأسود يمين الله في الأرض”

فمن الأحاديث التي أشكلت على بعض الناس، حديث: “الحجر الأسود يمين الله في الأرض”. وما ورد عليه من إشكالات من الناحية الحديثية، ومن ناحية المعنى.

أولًا: تخريج الحديث:

وهذا الحديث مُنكر ضعيفٌ كما قال ابن القيم في (الفوائد) وغيره من العلماء. وقد فصل الإمام الألباني الكلام في ضعف الحديث فقال في (السلسلة الضعيفة): منكر. أخرجه أبو بكر بن خلاد في (الفوائد)، وابن عدي في (الكامل) وابن بشران في (الأمالي) والخطيب، وعنه ابن الجوزي في (الواهيات) من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي، حدثنا أبو معشر المدائني عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعًا.

ذكره الخطيب في ترجمة الكاهلي هذا وقال: يروي عن مالك وغيره وغيره من الرفعاء أحاديث منكرة، ثم ساق له هذا الحديث ثم روى تكذيبه عن أبي بكر بن أبي شيبة.

وقد كذبه أيضًا موسى بن هارون وأبو زرعة، وقال ابن عدي عقب الحديث: هو في عداد من يضع الحديث، وكذا قال الدارقطني كما في (الميزان)، وزاد ابن الجوزي: لا يصح، وأبو معشر ضعيف.

وقال المناوي متعقبًا على السيوطي حيث أورده في (الجامع) من رواية الخطيب و ابن عساكر. قال ابن الجوزي: حديث لا يصح، وقال ابن العربي: هذا حديث باطل فلا يلتفت إليه.

ثم وجدت للكاهلي متابعًا، وهو أحمد بن يونس الكوفي، وهو ثقة أخرجه ابن عساكر 2/90/15، من طريق أبي علي الأهوازي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن جعفر بن عبيد الله الكلاعي الحمصي بسنده عنه به، أورده في ترجمة الكلاعي هذا، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، لكن أبو علي الأهوازي متهم، فالحديث باطل على كل حال.

ثم رأيت ابن قتيبة أخرج الحديث في (غريب الحديث) /107/1، عن إبراهيم بن يزيد عن عطاء عن ابن عباس موقوفًا عليه، والوقف أشبه وإن كان في سنده ضعيف جدًّا، فإن إبراهيم هذا -وهو الخوزي- متروك كما قال أحمد والنسائي، لكن رُوي الحديث بسند آخر ضعيف عن ابن عمرو رواه ابن خزيمة 2/337، والطبراني في (الأوسط) 1 / 33 / 2، وقال: تفرد به عبد الله بن المؤمل؛ ولذا ضعفه البيهقي في (الأسماء) ص: 333، وهو مخرَّج في (التعليق الرغيب) 2/123.

وإذا عرفت ذلك، فمن العجائب أن يسكت عن الحديث الحافظ ابن رجب في (ذيل الطبقات) (7/174، 175)، ويتأول ما رُوي عن ابن الفاروس الحنبلي أنه كان يقول: “الحجر الأسود يمين الله حقيقة”، بأن المراد بيمينه أنه محل الاستلام والتقبيل، وأن هذا المعنى هو حقيقة في هذه الصورة وليس مجازًا، وليس فيه ما يوهم الصفة الذاتية أصلًا، وكان يغنيه عن ذلك كله التنبيه على ضعف الحديث، وأنه لا داعي لتفسيره أو تأويله؛ لأن التفسير فرع التصحيح كما لا يخفى. انتهى.

وقال العجلوني في (كشف الخفاء): “الحجر الأسود يمين الله في أرضه” رواه الطبراني في معجمه، وأبو عبيد القاسم بن سلام عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه، وذكر ابن أبي الفوارس في مخلصياته عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا أنه قال: “الحجر يمين الله عز وجل في الأرض، فمن لم يدرك بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح الحجر فقد بايع الله ورسوله”. وكذا أخرجه الأزرقي في تاريخه، وأخرجه أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “الركن يمين الله في الأرض يصافح بها عباده كما يصافح أحدكم أخاه”، وفي لفظ: “أن هذا الركن الأسود يمين الله عز وجل في الأرض يصافح بها عباده مصافحة الرجل أخاه”.

ورواه القضاعي أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا عليه، لكنه صحيح بلفظ: “الركن يمين الله عز وجل يصافح بها خلقه، والذي نفس ابن عباس بيده، ما من مسلم يسأل الله عنده شيئًا إلا أعطاه إياه”. ومثله مما لا مجال للرأي فيه، وله شواهد.

فالحديث حسن وإن كان ضعيفًا بحسب أصله كما قال بعضهم، منها: ما رواه الديلمي عن أنس بلفظ: “الحجر يمين الله فمن مسحه بيمينه فقد بايع الله”، ومنها: ما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن جابر بلفظ: “الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده”.

ومعناه كما قال المحب الطبري: أن كل ملك إذا قدم عليه قبلت يمينه، ولما كان الحاج والمعتمر يسن لهما تقبيله نزل منزلة يمين الملك على سبيل التمثيل -ولله المثل الأعلى- ولذلك من صافحه كان له عند الله عهد كما أن الملك يعطي العهد بالمصافحة.

لطيفة: نقل المناوي عن السيوطي أنه قال في الساجعة ورد في الأثر: ما بعث الله قط ملكًا ولا سحابًا إلا طاف بالبيت أولًا ثم مضى. انتهى.

ومن جهة المعنى فقد ردّ ابن قتيبة على ما ورد من إشكال على هذا الحديث فقال:

قالوا: رويتم أن ابن عباس قال: “الحجر الأسود يمين الله تعالى في الأرض، يصافح بها من شاء من خلقه”.

قال أبو محمد: ونحن نقول: إن هذا تمثيل وتشبيه، وأصله أن الملك كان إذا صافح رجلًا قبل الرجل يده، فكأن الحجر لله تعالى بمنزلة اليمين للملك تُستلم وتلثم. وبلغني عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن الله -تبارك وتعالى- حين أخذ الميثاق من بنى آدم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم قالو: بلى، جعل ذلك في الحجر الأسود، وقال: أما سمعتم إذا استلموه يقولون: إيمانًا بك ووفاءً بعهدك أي: قد وفينا بعهدك أنك أنت ربنا، وذلك أن الجاهلية قد استلموه وكانوا مشركين لم يستلموه بحقه؛ لأنهم كانوا كفارًا.

وقال ابن تيمية -رَحِمَهُ اللَّهُ:

أَمَّا الْحَدِيثُ الأَوَّلُ: فَقَدْ رُوي عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِإِسْنَادِ لاَ يَثْبُتُ، وَالْمَشْهُورُ إنَّمَا هُوَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: “الْحَجَرُ الأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ صَافَحَهُ وَقَبَّلَهُ فَكَأَنَّمَا صَافَحَ اللَّهَ وَقَبَّلَ يَمِينَهُ”، وَمَنْ تَدَبَّرَ اللَّفْظَ الْمَنْقُولَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِيهِ إلَّا عَلَى مَنْ لَمْ يَتَدَبَّرْهُ فَإِنَّهُ قَالَ: “يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ” فَقَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: “فِي الْأَرْضِ” وَلَمْ يُطْلِقْ فَيَقُولَ: يَمِينُ اللَّهِ وَحُكْمُ اللَّفْظِ الْمُقَيَّدِ يُخَالِفُ حُكْمَ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ. ثُمَّ قَالَ: “فَمَنْ صَافَحَهُ وَقَبَّلَهُ فَكَأَنَّمَا صَافَحَ اللَّهَ وَقَبَّلَ يَمِينَهُ”.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُشَبَّهَ غَيْرُ الْمُشَبَّهِ بِهِ؛ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُصَافِحَ لَمْ يُصَافِحْ يَمِينَ اللَّهِ أَصْلًا وَلَكِنْ شُبِّهَ بِمَنْ يُصَافِحُ اللَّهَ، فَأَوَّلُ الْحَدِيثِ وَآخِرُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَجَرَ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ، وَلَكِنْ يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا جَعَلَ لِلنَّاسِ بَيْتًا يَطُوفُونَ بِهِ: جَعَلَ لَهُمْ مَا يَسْتَلِمُونَهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَقْبِيلِ يَدِ الْعُظَمَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ لِلْمُقَبِّلِ وَتَكْرِيمٌ لَهُ كَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ لَا يَتَكَلَّمُونَ بِمَا فِيهِ إضْلَالُ النَّاسِ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ؛ فَقَدْ بَيَّنَ لَهُمْ فِي الْحَدِيثِ مَا يَنْفِي مِنْ التَّمْثِيلِ. انتهى.

كلام بعض العلماء الذين يؤيدون ابن تيمية:

من ويشهد لما تقدم حديث عمر رضي الله عنه: ‏أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقال: “إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع،‏ ‏ولولا أني رأيت النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏يقبلك ما قبلتك”.

قال ابن حجر -رحمه الله- في (فتح الباري): وقال المهلب: حديث عمر هذا يرد على مَن قال: إن الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده, ومعاذ الله أن يكون لله جارحة, وإنما شرع تقبيله؛ اختبارًا ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك شبيه بقصة إبليس حيث أمر بالسجود لآدم.

وقال الخطابي: معنى: أنه يمين الله في الأرض، أن مَن صافحه في الأرض كان له عند الله عهد, وجرت العادة بأن العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص به، فخاطبهم بما يعهدونه. أخرجه ابن ماجه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن فاوض الحجر الأسود فكأنما يفاوض يد الرحمن”. ضعفه الألباني -رحمه الله.

قال فضيلة الشيخ العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- في معرض ردّه على أهل التأويل في رسالةٍ له ماتعة قيمة بعنوان: “أسماء الله وصفاته وموقف أهل السنة منها”: فهو الحجر الأسود يمين الله في الأرض، قال أهل التأويل: إنكم تئولون هذا الحديث؛ لأنكم لا يمكن أن تقولوا: إن الحجر هو يد الله. ونقول: هذا حق، لا يمكن لأحد أن يقول عن الحجر الأسود هو يد الله عز وجل ولكن قبل أن نجيب على هذا، نقول: إن هذا الحديث باطل ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن العربي: إنه حديث باطل، وقال ابن الجوزي في (العلل المتناهية): إنه حديث لا يصح. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يثبت.

وعلى هذا، فإنه ليس واردًا على أهل السنة والجماعة؛ لأنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن قال شيخ الإسلام: إنه مشهور عن ابن عباس، ولكنه مع ذلك لا يعطي المعنى الذي قاله هؤلاء، وأن الحجر الأسود يمين الله؛ لأنه قال: “يمين الله في الأرض”، فقيده، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- والكلام إذا قيد ليس كالكلام المطلق ما قال: يمين الله، وسكت. قال: في الأرض.

ومعلوم أن يمين الله ليست في الأرض، كذلك أيضًا قال في نفس الحديث كما رواه شيخ الإسلام ابن تيمية: “فمن صافحه فكأنما صافح الله”، والتشبيه يدل على أن المشبه به ليس هو المشبه، وإنما هو غيره.

وقد قال الشيخ سليمان بن سحمان -رحمه الله- في: (إقامة الحجة والدليل) ص: 47: إذا تبين هذا، فاعلم أن الحكمة -والله أعلم- في اجتماع الناس على تقبيل الحجر الأسود، هو ما ثبت عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث قال: “الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمَن صافحه أو استلمه، فكأنما صافح الله”.

فبين -رحمه الله تعالى- أن الحكمة في تقبيل الحجر واستلامه: أن الله كما جعل للناس بيتًا يطوفون به، جعل لهم ما يستلمونه؛ ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد العظماء، فإن ذلك تقريب للمقبّل وتكريم له، كما جرت العادة، والله ورسوله لا يتكلمون بما فيه ضلال الناس، بل لا بد من أن يبين لهم ما يتقون، فقد بيَّن في الحديث ما يتقى من التمثيل.

ولو كان في استلام الحجر وتقبيله مظاهرة الوثنيين لم يشرع الله ورسوله ما يوهم الناس، ويوقعهم في مظاهرة الوثنية، بل قد بين لهم ما يتقون. وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتُك”.

وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبّله واستلمه، وعمل بذلك الصحابة رضي الله عنهما ومن بعدهم إلى يومنا هذا، كان الواجب على المسلم أن يؤمن بما شرعه الله ورسوله، ويعمل به سواء عرَف الحكمة في ذلك أو لم يعرفها. من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحرص الناس على هداية الخلق، وتحذيرهم وإبعادهم عمَّا يوقعهم في الشرك ومظاهرة الوثنيين حتى في الألفاظ. وكذلك الصحابة بعده رضي الله عنهما فلو كان في استلام الحجر وتقبيله ما يوقع أو يقارب مظاهرة الوثنيين لنهى عن ذلك، ولبين للناس ما يتقون.

error: النص محمي !!