Top
Image Alt

حديث المغيرة في: المسح على الجوربين والنعلين

  /  حديث المغيرة في: المسح على الجوربين والنعلين

حديث المغيرة في: المسح على الجوربين والنعلين

1. تصحيح الإمام مسلم لرواية المسح على الجوربين والنعلين:

وننتقل إلى حديث آخر بيّن الإمام مسلم أنه ليس محفوظًا في متنه، فقال -رحمه الله تعالى-: ذكر خبر ليس بمحفوظ المتن. قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا وكيع عن سفيان، عن أبي قيس، عن هذيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين)). وهذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه)، في الجزء الأول، في صحيفة مائة وثمان وثمانين، من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أبي قيس.

ثم قال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن مسلم، عن مسروق، عن المغيرة، قال: ((كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر)) وساق الحديث الذي ليس فيه المسح على الجوربين والنعلين، وإنما فيه المسح على الخفين. نقول هذا، حتى لا يلتبس الفهم أن هذه الرواية الثانية -رواية أبي معاوية عن الأعمش- إنما هي محالة على الرواية السابقة، إنما الرواية السابقة في المسح على الجوربين والنعلين وهي التي فيها خطأ، والرواية الثانية هي الرواية الصحيحة، والتي فيها المسح على الخفين، والتي سيسوق لها الإمام مسلم المتابعات الكثيرة التي تثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مسح على الخفين.

قال الإمام مسلم: والأسود بن هلال عن المغيرة، أي: رواه الأسود بن هلال عن المغيرة هكذا، وعلي بن ربيعة قال: خطبنا المغيرة وإياد بن لقيط، عن قبيصة بن برمة، عن المغيرة بن شعبة، وعن حمزة بن المغيرة، عن أبيه، أي: المغيرة وعروة بن المغيرة، عن أبيه، والزهري عن عباد عن عروة عن المغيرة، وبكر بن عبد الله، أي: المزني، عن ابن المغيرة عن المغيرة، وسليمان التيمي -أي: رواه سليمان التيمي- عن بكر -أي: ابن عبد الله- عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه، وشريك بن أبي السائب عن المغيرة، ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن المغيرة، وعروة بن المغيرة عن أبيه، وعامر وسعد بن عبيدة قالَا: سمعنا المغيرة، وأبو العالية عن فضالة عن المغيرة، وعمرو بن وهب عن المغيرة، وابن عون عن عامر عن عروة عن المغيرة، وابن سيرين عن عمرو عن المغيرة، وقتادة عن الحسن، وزرارة بن أبي أوفى عن المغيرة، وحريز بن حية الثقفي عن المغيرة.

وهذه الروايات بعضها قد رواه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في صحيحه، ولله در الإمام مسلم، فهنا يحفظ كل هذه الروايات عن المغيرة ويحشدها خدمة لصحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي قريبة من عشرين رواية كلها ليثبت الحديث الصحيح الذي رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين في هذه القصة. وهو أيضًا قال عندما راجعه المغيرة في ذلك: ((إني أدخلتهما وهما طاهرتان)) أي: أدخل رجليه وهو متوضأ، فكل هذه الروايات تثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، ولم يمسح على الجوربين و النعلين في هذه القصة.

قال مسلم -رحمه الله تعالى-: قد بينا من ذكر أسانيد المغيرة في المسح بخلاف ما روى أبو قيس عن هذيل عن المغيرة ما قد اقتصصناه، وهم من التابعين وأجلتهم مثل مسروق، وذكر مَن تقدم ذكرهم، فكل هؤلاء قد اتفقوا على خلاف رواية أبي قيس عن هذيل، ومن خالف خلاف بعض هؤلاء بين لأهل الفهم من الحفظ في نقل هذا الخبر وتحمل ذلك، والحمل فيه على أبي قيس أشبه، وبه أولى منه بهذيل؛ لأن أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارًا غيرَ هذا الخبر، سنذكرها في مواضعها -إن شاء الله تعالى.

بين الإمام مسلم في ذلك أن الحمل في هذا الحديث الخطأ الذي فيه المسح على الجوربين والنعلين، إنما هو من أبي قيس، وهذا أولى من أن نجعله من هذيل بن شرحبيل. ووعد مسلم بأنه سيبين هذه الأخبار التي استنكرها أهل العلم على قيس، ثم بين الإمام مسلم رأي العلماء في قيس، ولم يكتفِ بالروايات الصحيحة التي خالف أبا قيس فيها، فقال: أخبرني محمد بن عبد الله بن قهزاد عن علي بن الحسن بن شقيق، قال: قال عبد الله بن المبارك: عرضت هذا الحديث -حديث المغيرة- من رواية أبي قيس على الثوري، فقال: لم يجئ به غيرُه؛ فعسى أن يكون وهمًا.

وهكذا لم نجد عند مسلم ما يبرر رواية قيس، وما يبرر أنها صحيحة، بل اعتبرها هو وعبد الله بن المبارك أن فيها شكًّا وفيها خلافٌ للأكثرين.

ومن العجيب أن بعض الناس قد صحح حديث قيس هذا، وقال: إنه صحيح، واستشهد بقول مسلم بعد أن رواه: حديث حسن صحيح، ثم قال: قد أعله بعض العلماء بعلة غير قادحة، منهم أبو داود؛ فقد قال عقبه: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح الخفين، واعتبر أن هذه العلة غير قادحة، ولا أدري كيف اعتبر هذه العلة غير قادحة مع أن فيها مخالفة لكثير من العلماء، ولم يتابع قيسًا على هذا غيره؟

يقول: وهذا ليس بشيء -يعني: كلام عبد الرحمن بن مهدي وكلام مسلم، وكلام عبد الله بن المبارك حين يقول: لم يجئ به، وكلام الثوري حين يقول: لم يجئ به غيره، فعسى أن يكون وهمًا- لأن السند صحيح ورجاله ثقات. ونحن نقول: السند ليس صحيحًا؛ لأن من شروط صحة السند ألا يكون شاذًّا، وهو هنا شاذ، فقيس لن يكون مثل هؤلاء الذين رووا الحديث عن مغيرة بن شعبة، وأثبتوا أن القصة كانت في المسح على الخفين، وهذه ليست زيادة، يعني: اعتبر هذا زيادة، قال: بل فيه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة. من قال: إن قيسًا ثقة؟! وقد اعتبر الإمام مسلم أنه قد أخطأ، حتى الأئمة يخطئون، حتى لو كان ثقة في رأي العلماء فما المانع أن يكون قد أخطأ في هذا؟! فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، كما هو مقرر في المصطلح، ولأجل أن يعتبر هذا زيادة لا مخالفة؛ لأنه إذا كان في قصة واحدة، هو مخالفة لا زيادة؛ لأن هذا فيه المسح على الجوربين وهذا فيه المسح على الخفين، فاعتبر أن الحادثة حادثة أخرى.

والحادثة التي يقول فيها: مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجوربين حادثة أخرى. ثم قال: وقد أشار لهذا العلامة ابن دقيق العيد، وقد ذكر قوله في ذلك الزيلعي في (نصب الراية).

وعلى كل حال، سنذهب إلى الزيلعي في (نصب الراية)؛ لنعرف: ماذا يقول.

قبل أن نسير مع الزيلعي في (نصب الراية) ننبه إلى أمر مهمٍ جدًّا، وهو أنه إذا كان حديث قيس -كما رأى مسلم وغيره- ليس صحيحًا، فليس معناه أننا أمام قضية: هل يمسح على الجوربين أو لا؟ فهذا شيء آخر، وقد يستدل مَن يجيزون المسح على الخفين على أدلة أخرى، لكننا نريد أن نقول: إن كلام الزيلعي في مجمله -كما سنرى- يميل بكِفة الحديث -حديث قيس- إلى أن يكون ضعيفًا.

قال الإمام الزيلعي في (نصب الراية): رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على جوربيه. قلت -أي: الزيلعي-: روي من حديث المغيرة بن شعبة، ومن حديث أبي موسى، ومن حديث بلال. فحديث المغيرة رواه أصحاب السنن الأربعة، من حديث أبي قيس الأودي، عن هذيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين)). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وقال النسائي في (السنن الكبرى): لا نعلم أحدًا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين. انتهى كلام النسائي.

ورواه ابن حبان في (صحيحه)، في النوع الخامس والثلاثين من القسم الرابع، وقال أبو دواد في (سننه): كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين. قال: وروى أبو موسى الأشعري أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الجوربين. وليس بالمتصل ولا بالقوي. قال: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عن صحابة رسول اللهصلى الله عليه وسلم جميعًا. انتهى.

نقول: إن الذين يجيزون المسح على الجوربين يكفيهم -إذا صحت الأقوال عن هؤلاء الصحابة- ليقتدوا بهم وليجوِّزا المسح على الجوربين، لكننا لا نتخذ دليلًا من حديث ضعيف مثل حديث قيس لمثل هذا.

ذكر البيهقي حديث المغيرة هذا، وقال: إنه حديث منكر، ضعفه سفيان الثوري. ونتذكر أن حديث أبي قيس رواه وكيع عن سفيان الثوري. هنا ينقل البيهقي أن سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين. ويروى عن جماعة أنهم فعلوا، انتهى.

قال النووي: كلّ واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي، يعني: قدم على الترمذي في حكمه على الحديث بأنه حسن صحيح، مع أن الجرح مقدم على التعديل، قال –أي: النووي-: واتفق الحفاظ على تضعيفه، ولا يقبل قول الترمذي: أنه حسن صحيح. انتهى.

وقال الشيخ تقي الدين في الإمام: أبو قيس الأودي اسمه عبد الرحمن بن ثروان، احتج به البخاري في صحيحه، وذكر البيهقي في سننه أن أبا محمد يحيى بن منصور قال: رأيت مسلم بن الحجاج ضعَّف هذا الخبر، وقال: أبو قيس الأودي وهذيل بن شرحبيل لا يحتملان، وخصوصًا مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة، فقالوا: مسح على الخفين. وقال -أي: ابن دقيق العيد-: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهذيل. ويقصد بظاهر القرآن غسل الرجلين، فإذا كان يترك ظاهر القرآن للسنة الصحيحة في المسح على الخفين، فلا يترك ظاهر القرآن بسنة غير صحيحة في رأيه، وهي رواية أبي قيس عن هذيل. قال: فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس -محمد بن عبد الرحمن الدهولي- فسمعته يقول: سمعت علي بن محمد بن شيبان يقول: سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لسفيان الثوري: لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هذيل ما قبلته منك؛ لأننا -كما قدمنا- أن مسلمًا ذكر أن الثوري روى هذا الحديث عن أبي قيس. فقال سفيان: الحديث ضعيف، ثم أسند البيهقي عن أحمد بن حنبل قال: ليس يروى هذا الحديث إلا من رواية أبي قيس الأودي وأبى عبد الرحمن بن مهدي أن يحدث بهذا الحديث، وقال: هو منكر.

وأسند البيهقي أيضًا عن علي بن المديني، قال: حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هذيل بن شرحبيل عن المغيرة، إلا أنه قال: ومسح على الجوربين؛ فخالف الناس –يعني: خالف أهل المدينة- وخالف أهل الكوفة، وخالف أهل البصرة. وأسند أيضًا عن يحيى بن معين قال: الناس كلهم يروونه المسح على الخفين، غير أبي قيس، فإنه يروي أنه مسح على الجوربين.

واستبعد بعض العلماء أن تكون القصة متعددة كما قال.

قال الشيخ -أي: البيهقي أو ابن دقيق العيد-: ومن يصححه يعتمد بعد تعديل ابن قيس على كونه ليس مخالفًا لرواية الجمهور مخالفة معارضةٍ، بل هو أمر زائد على ما رووه ولا يعارضه، ولا سيما وهو طريق مستقل برواية هذيل، وهي تنطق أيضًا هذيل، برواية هذيل عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها، انتهى.

ولم ينص على أن القصة هي قصة مستقلة، ولا أدري كيف يكون هذا مخالفًا، ورواية المغيرة المشهورة تقول: “مسح على الخفين” وهنا: “مسح على الجوربين”؟ انتهى الزيلعي من الكلام على حديث أبي قيس عن هذيل في حديث المغيرة.

2. أحاديث تبين أن أحاديث المسح على الخفين ليست صحيحة:

وانتقل إلى حديث أبي موسى، قال: وأما حديث أبي موسى، وهو الذي أشار إليه أبو داود، وقال: إنه غير متصل، فأخرجه ابن ماجه في سننه، والطبراني في معجمه، عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين)) انتهى.

ولم أجده -أي: الزيلعي- في نسختي من ابن ماجه، ولا ذكره ابن عساكر في الأطراف على أنه من رواية ابن ماجه، وكأنه في بعض النسخ، فقد عزاه ابن الجوزي في التحقيق لابن ماجه. وكذلك الشيخ ابن دقيق العيد في (الإمام) وقال: وقول أبي داود في هذا الحديث ليس بالمتصل ولا بالقوي، قال: أوضحه البيهقي، فقال الضحاك بن عبد الرحمن، وهو الذي روى هذا الحديث: لم يثبت سماعه من أبي موسى، وعيسى بن سنان ضعيف لا يحتج به، انتهى كلام ابن الجوزي.

وأخرجه العقيلي في كتاب (الضعفاء)، وأعله بعيسى بن سِنان، وضعفه عن يحيى بن معين وغيره. وأما حديث بلال أيضًا في هذا الأمر، فرواه الطبراني في معجمه من طريق ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والجوربين)) انتهى. وأخرجه أيضًا عن يزيد بن أبي زياد، وابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه. ويزيد بن أبي زياد وابن أبي ليلى مستضعفان مع نسبتهما إلى الصدق، فابن أبي ليلى سيئ الحفظ، وكذلك يزيد بن أبي زياد.

وهكذا نرى أن حديث المسح على الجوربين روي عن المغيرة وفيه ما عرفنا، وعن أبي موسى وهو غير متصل، وعن بلال وفيه ضعيفان. وننبه مرة أخرى إلى أننا لا نقصد بهذا أبدًا قضية إثبات المسح على الجوربين، فهذه قضية أخرى، وقد يكون الحديث ضعيفًا ولكن هناك أدلة أخرى تثبت الشيء، ونرى أن الذين قالوا بالمسح على الجوربين -ونحن لا نرى مشروعية المسح على الجوربين- قد يجدون أدلتهم في الآثار التي رُويت عن بعض الصحابة } الذين رأوا المسح على الجوربين.

error: النص محمي !!