Top
Image Alt

حديث: “ترك تأبير النخل”

  /  حديث: “ترك تأبير النخل”

حديث: “ترك تأبير النخل”

الحديث الثالث: “ترك تأبير النخل”:

وجه الإشكال في الحديث: وجه الإشكال المتوهم أن يقال: كيف يستقيم أن السنة وحي، وحديث تأبير النخل فيه كما جاء عن مُوسَى بن طَلْحَةَ عن أبيه قال: ((مَرَرْتُ مع رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْمٍ على رءوس النَّخْلِ، فقال: ما يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ فَقَالُوا يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ في الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ، فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ما أَظُنُّ يُغْنِي ذلك شيئًا، قال: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ فقال: إن كان يَنْفَعُهُمْ ذلك فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّي إنما ظَنَنْتُ ظَنًّا، فلا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إذا حَدَّثْتُكُمْ عن اللَّهِ شيئًا، فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أكذب على اللَّهِ عز وجل)).

وعن رَافِعُ بن خَدِيجٍ قال: ((قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ يَقُولُونَ: يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فقال: ما تَصْنَعُونَ؟ قالوا: كنا نَصْنَعُهُ، قال: لَعَلَّكُمْ لو لم تَفْعَلُوا كان خَيْرًا، فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ أو فَنَقَصَتْ، قال: فَذَكَرُوا ذلك له فقال: إنما أنا بَشَرٌ إذا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ من دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وإذا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ من رَأْي فَإِنَّمَا أنا بَشَرٌ)).

عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أبيه عن عَائِشَةَ، وَعَنْ ثَابِتٍ عن أَنَسٍ: ((أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فقال: لو لم تَفْعَلُوا لَصَلُحَ، قال: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ فقال: ما لِنَخْلِكُمْ؟ قالوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قال: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ)).

وكل هذه الروايات عند مسلم.

الجواب: حديث تأبير النخل دليلٌ على أن ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وأشعر في لفظه أنه من رأيه وأنه من عنده؛ فهذا الذي يقول عنه: ((أنتم أعلم بأمور دُنياكم)). وإلا فإن الأصل أن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم المجرد عن مثل هذه القرائن وحيٌ.

ولذلك الصحابة لما لم يتبين لهم في مواطن هل كلام الرسول صلى الله عليه وسلم من باب الوحي أو من باب الاجتهاد، كما في حادثة بدر؛ حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم تقدّم كفار قريش إلى المحل، فجعل الآبار أمامه وهو وقف من خلفها، فجاءه أحد الصحابة وقال: يا رسول الله، أهو وحي أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: ((بل الرأي والحرب والمكيدة)). قال: يا رسول الله ليس هذا هو المحل، قم بنا، فقاموا وجعلوا الآبار من ورائهم، ولم يجعلوها من أمامهم.

في هذا الموقف لما أشكل عليهم الأمر سألوه؛ لأنه لا يوجد في عبارته ما يدل على أنه وحي أو غير ذلك، والأصل عندهم: أن كل ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه وحي.

بل كانوا يرون أن ما اختاره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا لوحي، وكان يلتبس أحيانًا عليهم بعض الأشياء، منها ما ورد في حديث أم سلمة رضي الله عنها في قصة الحديبية، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يحلوا وأن يذبحوا ما ساقوه من الهدي، وهو لم يفعل هذا، فدخل مغاضبًا عند أم سلمة فقالت: ((ما لك يا رسول الله؟ فقال: مرتهم فلم ينفذوا أمري، قالت: يا رسول الله اخرج فاحلق وتحلل واذبح هديك أمامهم، فخرج فصنع هذا))، فكاد أن يذبح بعضهم بعضًا، فتأخروا أولًا؛ لأنهم فهموا من حال الرسول صلى الله عليه وسلم أن قوله وفعله وحي، فهم أرادوا أن يفعلوا مثل الرسول صلى الله عليه وسلم ليس أنهم شكوا في اتباع الرسول، بل لأنهم يعلمون أن قوله وحي وفعله وحي معصوم، لا يفعل شيئًا من عند نفسه، فقالوا: ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحلق -لم يحلق معناه: أن فيه فضيلةً- فنبقى مثل الرسول.

وعليه، فإن معنى حديث “تأبير النخل”: أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي اقترن بأنه رأي من عنده أو ظن من عنده؛ هو الذي يقال فيه: “أنتم أدرى بشئون دنياكم”، وما لم يقترن بذلك فالأصل أنه وحي من الله، وعلى هذا جرى فعل السلف رضوان الله عليهم.

قال النووي: “قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبرًا وإنما كان ظنًّا؛ كما بينه في هذه الروايات، قالوا: ورأيه صلى الله عليه وسلم في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها، والله أعلم”.

error: النص محمي !!