Top
Image Alt

حديث: “عدة الحمل”

  /  حديث: “عدة الحمل”

حديث: “عدة الحمل”

الحديث الرابع: عدة الحمل:

تخريج الحديث: عَن الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: ((أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ رضي الله عنها نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنَكَحَتْ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

وَفِي لَفْظٍ: “أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً”.

وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: “وَلا أَرَى بَأْسًا أَنْ تُزَوَّجَ وَهِيَ فِي دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ”.

وجه الإشكال في الحديث: الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَإِنْ لَمْ يَمْضِ عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرٌ، وَيَجُوزُ بَعْدَهُ أَنْ تَنْكِحَ.

وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلافٌ، وقد بيَّن ابن رشد سبب هذا الخلاف، ووجّه الجمع بينها فقال: “وأما المسألة الثانية وهي الحامل التي يتوفى عنها زوجها فقال الجمهور وجميع فقهاء الأمصار: عدتها أن تضع حملها مصيرًا إلى عموم قوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } [الطلاق: 4]، وإن كانت الآية في الطلاق، وأخذًا أيضًا بحديث أم سلمة أن سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر، وفيه: فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: ((قد حللت، فانكحي من شئت)).

وروى مالك عن ابن عباس أن عدتها آخر الأجلين يريد أنها تعتد بأبعد الأجلين إما الحمل وإما انقضاء العدة -عدة الموت.

وروي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحجة لهم أن ذلك هو الذي يقتضيه الجمع بين عموم آية الحوامل وآية الوفاة”. انتهى كلامه.

قال الدكتور الفيحان شالي المطيري في بحث له نشر في “مجلة الجامعة الإسلامية”: “القول الثاني مرويّ عن علي وابن عباس وابن مسعود وأبي السنابل وعبد الرحمن بن أبي ليلى وسحنون من المالكية؛ أن المتوفى عنها الحامل لا تنقضي عدتها بوضع حملها، وإنما تعتد أطول الأجلين، ومعناه: أنها إن وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها ولا تحل بمجرد الوضع، وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع على اختلافٍ في نسبةِ هذا القول إلى هؤلاء الأئمة الأعلام.

وتحرير المقام في ذلك: ما ذكره ابن حجر في (الفتح) وهو أن هذا القول ثابت عن علي رضي الله عنه بإسناد صحيح، كما أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد، وليس كما ذكر بعض الفقهاء من أنه مروي عن علي بإسناد منقطع.

أما ابن عباس، فالذي يظهر أنه رجع عن هذا القول، يحققه أن المنقول عن تلاميذه وفاق الجماعة في ذلك.

كذلك عبد الله بن مسعود رجع عن قوله أولًا إلى قول الجماعة ؛ فإنه قال: “مَن شاء باهلتُه -أي: لاعنته- في أن سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة “البقرة”.

والأمر كذلك عن أبي السنابل؛ فإنه يظهر من مجموع الطرق في قصة سبيعة أنه رجع عن فتواه أولًا.

ولو فرض أن هؤلاء قالوا كلهم بهذا القول ولم يرجع منهم أحد فلا حجة إلا فيما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.

وأما ما رُوي عن سحنون من فقهاء المالكية، فقد رده ابن حجر في (الفتح) بأنه شذوذ مردود؛ لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع.

حجة من قال بأن الحامل المتوفّى عنها زوجها تعتدُّ أطول الأجلين: هو الحرص على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما فقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] عامٌّ في كل من مات عنها زوجها، يشمل الحامل وغيرها، وقوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } عام أيضًا يشمل المطلقة والمتوفى عنها- فجمع أولئك بين العمومين بقصر الثانية على المطلقة بقرينة ذكر عدد المطلقات كالآيسة والصغيرة قبلهما، ثم لم يُهملوا ما تناولته الآية الثانية من العموم، لكن قصروه على من مضت عليها المدة ولم تضع، فكان تخصيص بعض العموم أولى وأقرب إلى العمل بمقتضى الآيتين من إلغاء أحدهما في حق بعضٍ من شمله العموم.

والجواب عن هذا الاستدلال من وجوه:

الوجه الأول: ما ذكره القرطبي بعد ما ذكر ما في المسألة من خلاف؛ حيث قال بعد إيراد دليل المخالفين للجمهور: “والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول، وهذا نظرٌ حسن لولا ما يعكر عليه من حديث سبيعة الأسلمية، وأنها نُفِست بعد وفاة زوجها بليالٍ، وأنها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتزوج، فبين بالحديث أن قوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } محمولٌ على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، فتكون عدتهن بوضع الحمل، ويعتقد هذا بقول ابن مسعود: “من شاء باهلتُه أن آية النساء الصغرى نزلت بعد آية عدة الوفاة”.

وليس الأمر كما زعم بعض من زعم من أن كلام ابن مسعود يفيد أن آية “الطلاق” ناسخة لآية “البقرة”، وإنما يعني كلام ابن مسعود أن آية “الطلاق” مخصصة لآية “البقرة”، فإنها أخرجت منها بعض ما تناولتها، وكذلك حديث سبيعة متأخرٌ عن عدة الوفاة؛ لأن قصة سُبيعة كانت بعد حجة الوداع، وزوجها هو سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي، وهو ممن شهد بدرًا، توفي بمكة حينئذٍ وهي حامل، وهو الذي رثَى له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن توفي بمكة.

فكلامه يفيد أن عموم آية “البقرة” مخصوص بقوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } لا منسوخ، بدليل قصة سبيعة المتفق على صحتها، وتخصيص العام وتقييد المطلق أمر شائع عند الأصوليين، ولا ضرورة هنا للجمع وهو ما اعتمده أصحاب القول الثاني؛ لأنه تعارض بين النصوص، فهذا عام وهذا مخصص، فيحمل العام على الخاص ويخرج من عمومه ما دل عليه هذا الخاص.

أضِف إلى هذا ما قاله أبو عمر بن عبد البر تعقيبًا على هذه المسألة: لولا حديث سبيعة لكان القول ما قال علي وابن عباس؛ لأنهما عدتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعتا في الحامل والمتوفى عنها زوجها، فلا تخرج من عدتها إلا بيقين واليقين آخر الأجلين.

الوجه الثاني: لو سلمنا بوجود التعارض وعدم التخصيص لم نسلم بأن آية “البقرة عامة”؛ لأنه تقرر في الأصول أن الجموع المنكرّة لا عموم فيها، وآية “البقرة” من ذلك القبيل فلا إشكال.

الوجه الثالث: لو سلمنا بالعموم وسلمنا بالتعارض وعدم التخصيص، لم نسلم بأن عدة الحامل المتوفى عنها لا تنقضي بوضع حملها بدليل آخر وهو ما تفيده الأحاديث الصحيحة الصريحة، فإنه لا يمكن التخلّص منها بوجه من الوجوه.

هذا ما يمكن أن يُجاب به عن هذا الاستدلال، والحق صراح لا غبار عليه، وإن اشتبه أحيانًا في بعض المسائل الفرعية لتكافؤ الأدلة، إلا أن هذا المعنى لا يوجد هنا.

ولهذا فإن الراجح عندنا هو القول الأول، لما ذكرنا من الكتاب والسنة والآثار المروية عن بعض الصحابة والمعقول وقصة سبيعة نص في هذا المعنى، وهي قصة صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وهي كافية في الاستدلال بوضع حملها لو لم يوجد غيرها.

زد على هذا أن أئمة الفتوى أجمعوا على أن المطلقة الحامل تنقضي عدتها، فأي فرق بين هذه وتلك؟

وأيضًا مما يرجح مذهب الجمهور أن الآيتين وإن كانتا عامتين من وجه خاصتين من وجه، فكان الاحتياط أن لا تنقضي العدة إلا بآخر الأجلين، لكن لما كان المعنى المقصود الأصلي من العدة براءة الرحم ولا سيما فيمن تحيض، فإنه يحصل المطلوب بالوضع، وهو ما دل عليه حديث سبيعة، ويقويه قول ابن مسعود في تأخر نزول آية “الطلاق” عن آية “البقرة”.

وكذلك يترجح مذهب الجمهور بما رُوي عن أبيّ بن كعب قال: قلت: يا رسول الله {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } للمطلقة ثلاثًا وللمتوفى عنها زوجها؟ فقال: ((هي للمطلقة وللمتوفَّى عنها زوجها)) رواه أحمد والدار قطني.

فهذا الحديث نص في محل النزاع، وهو موافقٌ لما تم ثبته قريبًا من الأحاديث القاضية بأن عدة الحامل المتوفى عنها تنقضي بوضع حملها، بل هو أدل على محل النزاع؛ لأنه جواب عن سؤال السائل، فالمقام مقام بيان وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. انتهى كلامه.

وحديث أُبيّ الذي ذكره ضعيف كما بينه أئمة هذا الشأن، رواه عبد الله بن أحمد في (زوائد المسند).

قال الهيثمي في (مجمع الزوائد): رواه عبد الله بن أحمد، وفيه المثنى بن الصباح, وثقه ابن معين, وضعفه الجمهور.

error: النص محمي !!