Top
Image Alt

حديث: ((ما بين قبري ومنبري…))

  /  حديث: ((ما بين قبري ومنبري…))

حديث: ((ما بين قبري ومنبري…))

تخريج الحديث: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما بين قبري ومنبري رَوضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي))، إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه كما يأتي.

والحديث أخرجه مسلم من طريق ابن نُمير به إلا أنه قال: ((بيتي)) بدل: ((قبري)).

وتابعه يحيى بن سعيد عن عبيد الله به، أخرجه البخاري ومسلم أيضًا وأحمد.

وتابعه أنس بن عياض عن عبيد الله، به أخرجه البخاري.

وتابعه محمد بن عبيد حدثنا عبيد الله به. أخرجه أحمد وتابعه مالك، عن خبيب به أخرجه البخاري وأحمد.

وفي رواية له بهإلا أنه قال: عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري – على الشك.

وكذا هو في (الموطأ) إلا أنه وقع فيه كما عند المصنف: ((قبري)). وكتب المصحح على الهامش في نسخة ((بيتي)) بدل: ((قبري)).

قلت -يعني: الألباني: وهو الصواب الذي لا يرتاب فيه باحث؛ لاتفاق جميع الروايات المتقدمة وغيرها عليها، ولأن القبر النبوي لم يكن موجودًا ولا معروفًا عند الصحابة إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فكيف يعقل أن يحدد لهم الروضة الشريفة بما بين المنبر المعروف والقبر غير المعروف.

وعلى الصواب، رواه ابن إسحاق أيضًا حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، دون شك، كرواية الجماعة.

أخرجه أحمد وقال: حدثنا نوح بن ميمون، قال: أخبرنا عبد الله عن خبيب به، وعبد الله هذا هو العمري كما في حديث قبله، وهو المكبّر سيئ الحفظ.

وله عنده طريق أخرى، يرويه حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا به، إلا أنه قال: ((حجرتي)) بدل ((بيتي)). وإسناده صحيح على شرط مسلم.

وللحديث شواهد كثيرة، لا مجال لذكرها الآن”.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: “والثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)) هذا هو الثابت في الصحيح، ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال: “قبري”. وهو صلى الله عليه وسلم حين قال هذا القول لم يكن قد قُبر بعدُ صلى الله عليه وسلم.

ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة لما تنازعوا في موضع دفنه، ولو كان هذا عندهم لكان نصًّا في محل النزاع”.

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله: “وترجم بذكر القبر، وأورد الحديثين بلفظ البيت؛ لأن القبر صار في البيت.

وقد ورد في بعض طرقه بلفظ: “القبر”، قال القرطبي: الرواية الصحيحة “بيتي”، ويُروى: “قبري”، وكأنه بالمعنى؛ لأنه دفن في بيت سكناه”.

ويقول أيضًا -رحمه الله: قوله: ((ما بين بيتي ومنبري))، كذا للأكثر، ووقع في رواية ابن عساكر وحده: “قبري”، بدل: “بيتي”، وهو خطأ، فقد تقدم هذا الحديث في كتاب الصلاة قبيل الجنائز بهذا الإسناد بلفظ: “بيتي”، وكذلك هو في (مسند مسدد) شيخ البخاري فيه.

وجه الإشكال في الحديث: وقد ذكر ابن قتيبة وجه الإشكال الذي تعلق بأذهان بعض الناس في هذا الحديث فقال: “قالوا: رُويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: منبري هذا على ترعة من ترع الجنة، وما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، والله عز وجل يقول: {عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 14، 15] ويقول عز وجل: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين} [آل عمران: 133] ورُويتم في غير حديث: أن الجنة في السماء السابعة، قالوا: وهذا اختلاف وتناقض”.

أما معنى هذا الحديث: فقد ذكر العلماء فيه أوجهًا ثلاثة:

الوجه الأول: أن هذا المكان يُشبه روضات الجنات في حصول السعادة والطمأنينة لمن يجلس فيه.

الوجه الثاني: أن العبادة في هذا المكان سبب لدخول الجنة. اختاره ابن حزم في (المحلى)، ونقل ابن تيمية عن الإمام أحمد أنه يختار الصلاة في الروضة.

الوجه الثالث: أن البقعة التي بين المنبر وبيت النبي صلى الله عليه وسلم ستكون بذاتها في الآخرة روضةً من رياض الجنة.

يقول القاضي عياض -رحمه الله: “قوله: ((روضة من رياض الجنة))، يحتمل معنيين:

أحدهما: أنه موجبٌ لذلك، وأن الدعاء والصلاة فيه يستحق ذلك من الثواب، كما قيل: ((الجنة تحت ظلال السيوف)).

الثاني: أن تلك البقعة قد ينقلها الله فتكون في الجنة بعينها. قاله الداوودي”. انتهى.

يقول ابن عبد البَر -رحمه الله: “قال قوم: معناه أن البقعة ترفع يوم القيامة، فتُجعل روضة في الجنة. وقال آخرون: هذا على المجاز. كأنهم يعنون أنه لما كان جلوسه وجلوس الناس إليه يتعلمون القرآن والإيمان والدين هناك، شبّه ذلك الموضع بالروضة، لكرم ما يجتني فيها، وأضافها إلى الجنة لأنها تقود إلى الجنة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((الجنة تحت ظلال السيوف))، يعني: أنه عملٌ يُوصل به إلى الجنة، وكما يقال: “الأم بابٌ من أبواب الجنة”. يريدون أن برها يوصل المسلم إلى الجنة مع أداء فرائضه. وهذا جائز سائغ مستعمل في لسان العرب. والله أعلم بما أراد من ذلك”. انتهى.

ويقول الإمام النووي -رحمه الله: “ذكروا في معناه قولين:

أحدهما: أن ذلك الموضع بعينه يُنقل إلى الجنة.

الثاني: أن العبادة فيه تؤدي إلى الجنة”.

وقال الخطابي: المراد من هذا الحديث الترغيب في سكنى المدينة، وأن من لازم ذكر الله في مسجدها آل به إلى روضة الجنة، وسُقي يوم القيامة من الحوض”. انتهى كلامه.

مجمل القول: أن لهذا المكان فضيلة ظاهرة، تقتضي الحرص على الجلوس في ذلك المكان والتعبد لله تعالى فيه، فذلك سببُ دخول الجنة. وأما تخصيص هذا المكان دون سائر الأماكن، فإنه من الأمور التي نُؤمن بها لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو صلى الله عليه وسلم لم يُبين لنا على ذلك، والله سبحانه وتعالى يختص ما يشاء من الزمان والمكان والأشخاص بالفضائل، وله في ذلك الحكمة البالغة التي قد لا نطّلع عليها.

error: النص محمي !!