Top
Image Alt

حديث: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ)) و((الدعاء يرد البلاء)) و((لا يرد القضاء إلا الدعاء))

  /  حديث: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ)) و((الدعاء يرد البلاء)) و((لا يرد القضاء إلا الدعاء))

حديث: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ)) و((الدعاء يرد البلاء)) و((لا يرد القضاء إلا الدعاء))

فهذه الأحاديث التي توهّم بعض الناس إشكالها في مسائل القدر.

الحديث الأول:

تخريج الحديث: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)) رواه البخاري ومسلم.

وجه الإشكال في الحديث: وقد أورد الإمام الطحاوي ما توهمه بعض الناس من الإشكال في هذا الحديث، فقال: فَقَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا وَتُضِيفُونَهُ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ عَنْهُ؟ فَذَكَرَ مَا سَنَأْتِي بِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللهُ، وَهُوَ مَا يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَنَّ اللهَ عز وجل إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ نَسَمَةً أَمَرَ الْمَلَكَ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: رِزْقِهَا، وَأَجَلِهَا، وَعَمَلِهَا، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ)) فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ مِثْلُ ذَلِكَ وَزِيَادَةٌ عَلَيْهِ، وَهِيَ: ((فَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ)) وَهَذَا اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ.

ثم أجاب فقالٍ: فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عز وجل وَعَوْنِهِ: أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، إن كَانَ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللهُ عز وجل إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسَمَةَ جَعَلَ أَجَلَهَا إنْ بَرَّتْ كَذَا، وَإِنْ لَمْ تَبَرَّ كَذَا، لِمَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْهَا الدُّعَاءُ رَدَّ عَنْهَا كَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا الدُّعَاءُ نَزَلَ بِهَا كَذَا، وَإِنْ عَمِلَتْ كَذَا حُرِمَتْ كَذَا، وَإِنْ لَمْ تَعْمَلْهُ رُزِقَتْ كَذَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا يَثْبُتُ فِي الصَّحِيفَةِ الَّتِي لَا يُزَادُ عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ، وَفِي ذَلِكَ بِحَمْدِ اللهِ الْتِئَامُ هَذِهِ الْآثَارِ وَاتِّفَاقُهَا، وَانْتِفَاءُ التَّضَادِّ عَنْهَا. انتهى كلامه.

البسطُ في الرزق: كثرته ونماؤه وسعته وبركته، ومعنى زيادته على وفق ما دل عليه ظاهر الحديث، ولم يختلف العلماء في ذلك.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِه))، فقد اختلف الناس في معناه إلى أقوال:

فقيل: المعنى: حُصُولُ الْقُوَّةِ فِي الْجَسَدِ. وقيل: بِالْبَرَكَةِ فِي عُمْره، وَالتَّوْفِيق لِلطَّاعَاتِ، وَعِمَارَة أَوْقَاته بِمَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة، وَصِيَانتهَا عَنْ الضَّيَاع فِي غَيْر ذَلِكَ. وقيل: معناه: بَقَاءُ ذِكْرِهِ الْجَمِيلِ بَعْدَ الْمَوْتِ.

وقيل: يُكْتَبُ عُمُرُه مُقَيَّدًا بِشَرْطٍ كَأَنْ يُقَالَ: إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ فَلَهُ كَذَا وَإِلَّا فَكَذَا، فتَكُون الزّيَادَة فِي العُمرِ زيَادَة حَقِيقِيّة.

وهذا القول الأخير هو الراجح، فيكون معنى الحديث: من أحب أن يُبسط له في رزقه فيُكثر ويُوسع عليه، ويُبارك له فيه، أو أحب أن يؤخر له في عمره فيطول- فليصل رحمه.

فتكون صلة الرحم سببًا شرعيًّا لبسط الرزق وسعته، وطول العمر وزيادته، والتي لولاها لما كان هذا رزقه، ولا كان هذا عمره بتقدير الله تعالى وحكمته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله:

الأَجَلُ أَجَلانِ؛ أَجَلٌ مُطْلَقٌ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَأَجَلٌ مُقَيَّدٌ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)) فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمَلَكَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ أَجَلًا وَقَالَ: إنْ وَصَلَ رَحِمَهُ زِدْتُهُ كَذَا وَكَذَا، وَالْمَلَكُ لا يَعْلَمُ أَيَزْدَادُ أَمْ لا؛ لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الأَمْرُ، فَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ لا يَتَقَدَّمُ وَلا يَتَأَخَّرُ. انتهى.

الحديث الثاني: ((الدعاء يرد البلاء)).

وجه الإشكال في الحديث: وأوردوا على هذا الحديث الإشكال السابق نفسه، الذي ذكره الطحاوي عنهم، وهو كيف أن الدعاء يرد شيئًا قد كتبه الله وقضاه على خلقه.

ونقول: الجواب هو من جنس ما سبق، حيث إن المراد أن الدعاء من قدر الله تعالى، فإذا أصاب العبد ما يكرهه أو خشي ما يصيبه، فمن السنة أن يدعو الله تعالى أن يرفع عنه البلاء ويصرف عنه شر ما يخشاه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يرد القدر إلا الدعاء)). رواه أحمد والترمذي بإسناد حسن.

وهذا لا يعني التعارض بين القدر والدعاء، ولا تغيير القدر، فإن الدعاء مقدر -كما سبق- ولكن المراد أن ما في أيدي الملائكة من الصحف قد يتغير، فمن أوشك أن ينزل به البلاء فدعا الله، صُرف عنه ذلك. والعبد لا يدري ما كُتب له، ولذلك ينبغي أن لا يتهاون في الدعاء قبل نزول البلاء أو بعده.

روى الحاكم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل))، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة. والحديث حسّنه الألباني في (صحيح الجامع).

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في أوقات الشدة والأزمات، ويسأل الله تعالى أن يرفع البلاء، فعن عائشة رضي الله عنها كما في (صحيح مسلم)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمريض ويقول: ((اللهم رب الناس، أذهب الباس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا)).

الحديث الثالث: ((لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)) رواه الترمذي.

وجه الإشكال في الحديث: وهذا الحديث أيضًا هو من جنس ما سبق من حيث الإشكال المتوهّم، ومن حيث الجواب عنه، وذلك أن الدعاء مقدر من الله تعالى، فالله تعالى يجعل المقدور له سبب، وسببه الدعاء. وكما جاء في الحديث ((أن القدر والدعاء والبلاء يعتلجان بين السماء والأرض، فأيهما غلب)) فالمعنى: أن الله تعالى قد يستجيب لدعاء الشخص، ويجعل الله الدعاء سببًا في حصول المقدور، ويكون هذا مقدّرًا في الأزل، مثل صلة الرحم، ثم قدر أن يعافي الله هذا العبد من مرضه بدعائه، فالله قدر الدعاء وقدر العافية، وجعل الدعاء سببًا في العافية، فيكون القدر سببًا، وهو من القدر الذي قدّره الله عز وجل.

error: النص محمي !!