Top
Image Alt

حديث: “يُغسل الإناء من ولوغ الكلب…”، وحديث: “استقبلوا بمقعدتي القبلة”

  /  حديث: “يُغسل الإناء من ولوغ الكلب…”، وحديث: “استقبلوا بمقعدتي القبلة”

حديث: “يُغسل الإناء من ولوغ الكلب…”، وحديث: “استقبلوا بمقعدتي القبلة”

1. حديث: “يغسل الإناء من وُلُوغ الكلب …”:

عن أبي هريرة رضي الله عنه : “إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليُرقه وليغسله ثلاث مرات”، والمعروف الذي هو في الصحيحين: أنه يُغسل الإناء الذي يلغ فيه الكلب سبع مرات إحداهنّ بالتراب، وليس ثلاثًا فقط، وهذا الحديث قد اتّخذه الحنفية دليلًا على أنه يكفي في غَسل الإناء من وُلوغ الكلب ثلاث مرات؛ ولذلك دافعوا عنه، وبيّنوا أنه إذا كان قد رُوي موقوفًا ومرفوعًا، فقد استدلّوا بالموقوف وتركوا المرفوع، كما بيّنوا أن الرّواة ثقات، كما نتعرّف على ذلك من أقوال بعض محدّثيهم وفقهائهم، والحقّ أننا إذا سلّمنا بأن هذا الحديث رواته ثقات فإننا لا نستطيع أن نُسلّم بأن فيه علّتين:

العلّة الأولى -وهي قادحة فيه بلا شك-: أنه يُخالف الأحاديث التي وردت في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا هذا من ناحية.

العلة الثانية: أنه رُوي موقوفًا، وروي مرفوعًا.

التعرف على الحديث: رُوي عن أبي هريرة من طريقين:

الأول: أخرجه الدارقطني، عن عبد الوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عياش، عن هشام بن عروة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “يُغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا” انتهى. قال الدارقطني: تفرد به عبد الوهاب بن الضحاك عن ابن عياش، وهو متروك، أي: عبد الوهاب بن الضحاك متروك، يعني: الحديث به يكون ضعيفًا جدًّا. قال الدارقطني: وغيره -أي: غير عبد الوهاب- يرويه عن ابن عياش بهذا الإسناد: ((فاغسلوه سبعًا)) وهو الصحيح. وهذا معناه أن عبد الوهاب قد أخطأ في نقله عن ابن عياش، وهو مع ضعفه تكون هذه العلّة مؤثرة فيه.

الثاني: أخرجه الدارقطني أيضًا عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: “إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه، ثم اغسله ثلاث مرات” وأخرجه بهذا الإسناد عن أبي هريرة: أنه كان إذا ولغ الكلب في الإناء أهرقه، وغسله ثلاث مرات. انتهى.

وهو في الروايتين قد رواه موقوفًا، الأول من قول أبي هريرة، والثاني من فعله رضي الله عنه .

قال الشيخ تقي الدين: وهذا سند صحيح، ثم فصّل بعض الحنفية ذلك فقالوا: عبد الملك بن أبي سليمان ثقة حجّة ثبت، وعطاء هو ابن أبي رباح، وعبد الملك بن أبي سليمان أيضًا روى له مسلم وأصحاب السنن. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا ثبتًا. وقال ابن عمار الموصلي: ثقة ثبت في الحديث. وقال النووي: ثقةٌ متقنٌ فقيهٌ. وقال الترمذي: ثقةٌ مأمونٌ، وثّقه أحمد، ويحيى، والنسائي، وآخرون، وإنما أنكر عليه شعبة حديث الشفعة، وليس هذا الحديث في الشفعة. قال الخطيب البغدادي: أساء شعبة في اختياره؛ حيث حدّث عن محمد بن عبد الله العزرمي، وترك عبد الملك بن أبي سليمان؛ لأن محمد بن عبيد الله لم يختلف الأئمة من أهل الأثر في سقوط روايته وذهاب حديثه، وأما عبد الملك بن أبي سليمان فثناؤهم عليه مستفيض، وحسن ذكرهم له مشهور. انتهى كلام الخطيب.

وأما من دونه فعند الطحاوي عبد السلام، وهو ثقة، روى له الشيخان، وروى الدارقطني من طريق إسحاق الأزرق وابن فضيل، عن عبد الملك؛ فبرّأ عبد السلام من التفرّد به. هذا ما عند الأحناف.

أما عند غيرهم: فقد بيّن ابن حجر أن الدّارقطني رواه، وقال: تفرّد به عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عيّاش، وأخرجه من وجهٍ أقوى من هذا موقوفًا، فإذا كان الوجه الموقوف أقوى فإنه يرجّح على الوجه غير الموقوف -أي: المرفوع- خاصّة أن فيه عبد الوهاب، وهو متروك كما قيل.

وبلفظ موقوفًا، أي: أخرجه الدارقطني من وجهٍ أقوى من هذا موقوفًا، قال: وأهرقه وغسله ثلاث مرات، وأخرجه ابن عدي من طريق حسين الكرابيسي، وعمر بن شبة، كلاهما عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة نحو الموقوف، وهو من رواية عمر بن شبة موقوفًا. قال ابن عديّ: لم يرفعه غير الكرابيسي، ولم أجد له حديثًا منكرًا غير هذا. يعني: قال إنه حديث منكر. وأعلّه البيهقي بعبد الملك بن أبي سلميان، وقال: لا يحتجّ به إذا انفرد؛ فكيف إذا خالف؟ يعني: أن الذين وثّقوا عبد الملك بن أبي سليمان روى له مسلم وأصحاب السنن، إنما كان ذلك فيما لا ينفرد به، ولا فيما يُخالف فيه.

قال: واحتجّ الطحاوي بحديث عبد الله بن مغفل الذي أخرجه مسلم بلفظ: ((اغسلوه سبعًا، وعفّروه الثامنة بالتراب))، وقال: من أخذ بالزائد في حديث أبي هريرة -يعني: بالزائد وهو: ثلاثًا- يلزمه الأخذ بزيادة عبد الله بن مغفل عندما زاد ((الثامنة بالتراب))، وقد فصّل الزيلعي في (نصب الراية) ما رواه ابن عدي في (الكامل) فقال: أخرجه ابن عدي في (الكامل) عن الحسين بن علي الكرابيسي قال: حدثنا إسحاق الأزرق قال: حدثنا عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه، وليغسله ثلاث مرات”، ثم أخرجه عن عمر بن شبة قال: حدثنا إسحاق الأزرق به موقوفًا. وقال: ولم يرفعه غير الكرابيسي، والكرابيسي لم أجد له حديثًا منكرًا غير هذا، وإنما حمل عليه أحمد بن حنبل من جهة اللفظ بالقرآن، فأما في الحديث فلم أَرَ به بأسًا. انتهى كلام ابن عديّ.

ورواه ابن الجوزي في (العلل المتناهية) من طريق ابن عدي ثم قال: هذا حديث لا يصحّ، لم يرفعْه غير الكرابيسي، وهو ممّن لا يُحتجّ بحديثه. قال البيهقي في كتاب (معرفة السنن والآثار): حديث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات، تفرّد به عبد الملك من بين أصحاب عطاء، ثم عطاء من بين أصحاب أبي هريرة، والحفّاظ الثقات من أصحاب عطاء وأصحاب أبي هريرة يَرْوُونَه ((سبع مرات))، وعبد الملك لا يقبل منه ما يُخالف فيه الثقات، ولمخالفته أهل الحفظ والثقة في بعض رواياته تركه شعبة بن الحجاج، ولم يحتجّ به البخاري في صحيحه، وقد اختلف عليه في هذا الحديث، فمنهم من يرويه عنه مرفوعًا، ومنهم من يرويه عنه من قول أبي هريرة، ومنهم من يرويه عنه من فعله.

قال: وقد اعتمد الطحاوي على الرواية الموقوفة في نَسخ حديث السبع، وأن أبا هريرة لا يُخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه، وكيف يجوز ترك رواية الحفاظ الأثبات من أوجهٍ كثيرةٍ لا يكون مثلها غلطًا برواية واحد قد عرف بمخالفة الحفّاظ في بعض أحاديثه. انتهى كلام البيهقي.

وهذا الذي نقله عن الطحاوي ذكره في (شرح معاني الآثار) فقال بعد أن روى الموقوف عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: “إذا ولغ الكلب… إلى آخره” قال: فثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنا نحسن الظن بأبي هريرة، ولا يجوز عليه أنه يترك ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وإلا سقطت عدالته ولم يُقبل روايته، بل كان يجب على الخصم المخالف أن يعمل بحديث عبد الله بن المغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي رواه مسلم: ((أنه يُغسل سبعًا، ويُعفّر الثامنة بالتراب))؛ لأنه قد زاد على السبع، والأخذ بالزائد أوجب عملًا بالحديثين، وهم لا يقولون به؛ فثبت أنه منسوخ، هذا ما قاله العلماء في نقد الحديث، وفي تخريجه إسنادًا ومتنًا.

والذي نرى أنه يُرجّح: ضعف هذا الحديث؛ لأمور:

أولها: أن الذي رواه مرفوعًا مطعون فيه؛ سواء أكان عبد الوهاب بن الضحاك، وقيل: إنه متروك، أو غيره كالكرابيسي، وقد تكلّموا فيه، وقال ابن الجوزي: لم يرفعه غير الكرابيسي، وهو ممن لا يحتجّ بحديثه.

ثانيًا: أننا لو سلمنا بأن عبد الملك بن أبي سليمان هو ثقة حجّة ثبت -كما قال بعض الحنفية- إلا أن العلماء قالوا من ناحية أخرى: لا يُقبل ما يتفرّد به، وقد تفرّد بهذا الحديث، كما تفرّد عطاء من بين أصحاب أبي هريرة بهذا الحديث، والحفّاظ الثقات من أصحاب عطاء وأصحاب أبي هريرة يَرْوُونَهُ: ((سبع مرات)).

ثالثًا: الحديث في متنه يُخالف ما عليه جمهور العلماء من أن الإناء يُغسل من ولوغ الكلب سبعًا، وفي هذا مما هو مخالف لحديث الثلاث ما ورد في الصحيحين مما هو متفق عليه.

رابعًا: أنه قد اختُلف على أبي هريرة، فبعضهم يرويه مرفوعًا، وبعضهم يرويه موقوفًا، وهذا وذاك هو أقل في الرواية مما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا بغسل السبع. ولهذا كلّه نقول: إن الحديث ضعيف برواية الثلاث، والله تعالى أعلم.

2. حديث: “استقبلوا بمقعدتي القبلة”:

هذا الحديث رُوي عن السيدة عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “قد فعلوها، استقبِلوا بمقعدتي القبلة” يعني: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أناسًا يقولون: لا تُستقبل القبلة ببول أو غائط، فقال صلى الله عليه وسلم : “قد فعلوها”، وهذا من باب الإنكار “استقبلوا بمقعدتي القبلة” أي: ليثبت لهم أن هذا هو سنتي.

والحديث أخرجه الإمام أحمد قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك -أي: ابن مالك- عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “قد فعلوها، استقبلوا بمقعدتي القبلة”، وهذا الإسناد ضعيف على نكارة فيه:

أولًا: فيه خالد بن أبي الصلت، وهو -على ضعفه- لم يسمع من عراك فيما ذكر البخاري في تاريخه في الجزء الثالث في صحيفة: مائة وخمس وخمسين. وقد دفع الإمام أحمد تصريح عراك سماعه من عائشة، يعني: في غير هذا الحديث، وهذا خطأ، قلنا: والصحيح عن عائشة قولها، يعني: والصحيح أن هذا رُوي عن عائشة من قولها فيما ذكر البخاري في تاريخه في الموضع المذكور في الجزء الثالث في صحيفة: مائة وست وخمسين.

ثانيًا: هذا الحديث فيه اضطراب؛ فقد رواه وكيع كما في هذه الرواية، وهي عند ابن أبي شيبة في الجزء الأول، في صحيفة: مائة وإحدى وخمسين، وابن ماجه في رقم: ثلاثمائة وأربع وعشرين، والدّارقطني في الجزء الأول في صحيفة: ستين، وابن عبد البر في (التمهيد) في الجزء الأول في صحيفة: ثلاثمائة وعشر وثلاثمائة وإحدى عشرة.

وقد رواه بَهْزُ أيضًا، وأبو كامل، ويزيد بن هارون، والطيالسي في (مسنده) وغيرهم، عن حمّاد بن سلمة، عن خالد الحذاء به، وتابع حمادًا عبد العزيز بن المغيرة فيما أخرجه أبو الحسن بن القطان في زياداته على ابن ماجه عقب الرواية ثلاثمائة وأربع وعشرين، وهشيم فيما أخرجه ابن شاهين في (ناسخ الحديث)، ورواه عبد الوهاب الثقفي كما عند أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق، والدارقطنى، عن خالد الحذاء فقال: عن رجل، عن عمر بن عبد العزيز قال: ما استقبلت القبلة بفرجي كذا وكذا، فحدث عراك بن مالك، عن عائشة، ورواه ابن معين -كما عند الباغندي- في مسند عمر بن عبد العزيز، عن عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عمر بن عبد العزيز قال: ما استقبلت القبلة بفرجي كذا وكذا، فحدث عراك بن مالك عن عائشة ليس فيه: عن رجل. ورواه علي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، وقال: فقال عراك: حدثتني عائشة به، وهذا ما أنكره الإمام أحمد.

هذا، ورواه أبو عوانة اليشكري، والقاسم بن مطيّب، ويحيى بن مطر، ثلاثتهم عن خالد الحذاء، عن عراك، عن عائشة، لم يذكروا فيه: خالد بن أبي الصلت. ورواه وهيب -كما عند البخاري في تاريخه- عن خالد عن رجل، عن عراك، عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا، ورواه جعفر بن ربيعة -كما عند البخاري في تاريخه- وأبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في (العلل) فقال: عن عراك، عن عروة، عن عائشة: كانت تنكر قولهم: لا تُستقبل القبلة، يعني: من قولها موقوفًا عليها، قال البخاري: وهذا أصح.

وبنحو قول البخاري قال أبو حاتم. قال السندي: قوله: “قد فعلوها” أي: اعتقدوا كراهة استقبال القبلة حالة الخلاء في البيوت، وقوله: “بمقعدتي” هي التي يقعد عليها حالة الخلاء، قاله ردًّا لزعمهم، وهذا منه بيان أن الاستقبال مكروهٌ في الصحراء دون البيوت.

وهكذا نرى أن في الحديث اضطرابًا، ورأينا أيضًا في الحديث ضعف بعض الرواة، وهو خالد بن أبي الصلت، وفي الحديث أيضًا -وهو عام، لم يقل: في البيوت، ولا في الصحراء- فيه مخالفة للأحاديث الصحيحة التي تنهى عن استقبال القبلة، ففي كل هذا يكون الحديث ضعيفًا على نكارة فيه.

لكنه قد صححه بعض العلماء من قول عائشة أو من فعلها  رضي الله عنها ، وهي في هذا لا تُخالف الأحاديث الصحيحة؛ لأن الأحاديث الصحيحة قد رُويت بالنهي عن استقبال القبلة، وبفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه في بعض الحالات، وفي البيت قد استدبر القبلة، فرُخّص في البيوت في استقبال القبلة، فأرادت السيدة عائشة رضي الله عنها  أن تُبيّن أن النهي ليس عامًّا؛ سواء أكان ذلك في البيوت، أو في الصحراء، فالمنهي عنه هو استقبال القبلة أو استدبارها في الصحراء، وليس في البيوت؛ لأن ابن عمر قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((أنه قد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت حفصة يستدبر القبلة وهو في الخلاء، أو وهو يقضى حاجته)) فلا بأس أن يكون الحديث موقوفًا على عائشة، وقد صحّحه البخاري على هذا النحو في تاريخه في الجزء الثالث في صحيفة: مائة وست وخمسين.

وهذا الحديث -على هذا النحو- قد انتُقد من حيث إسناده من بيان أن خالد بن أبي الصلت ضعيف، وقد انتقد من حيث متنه؛ لأنه يُخالف الأحاديث الصحيحة، وهو وإن كان يمكن الجمع بينه وبين الأحاديث الصحيحة لكنه لا يقوى، ولا ينهض كمزاحم لتلك الأحاديث الصحيحة في حالة ما يكون مرفوعًا؛ ولذلك فمن الأفضل أن يُكتفى بالأحاديث الصحيحة، وأن يُحكم على هذا بأنه ضعيف، وفيه نكارة، وفيه اضطراب.

error: النص محمي !!