Top
Image Alt

حد الزنا، وضابطه الموجب للحد

  /  حد الزنا، وضابطه الموجب للحد

حد الزنا، وضابطه الموجب للحد

فنبتدئ بالحد الأول، وهو حد الزنا، ولا شك أن الزنا واحد من أكبر الكبائر، وهو رذيلة من كبريات الرذائل، التي تتدنس فيها أجساد الزناة، ولا جرم أن يكون الزنا فاحشة من الفواحش المنكرة والمستقذرة، التي شدد عليها الإسلام النكير، وأغلظ لها العقوبة في الدنيا والآخرة؛ وذلك لما يتضمنه الزنا في ذاته من خصال الغش، والهبوط، والخسة، والتدنس، فضلًا عن العبث بسلامة النسل، وما يجره الزنا عليهم من تزييف، وإفساد.

يضاف إلى ذلك ما يجره الزنا على المجتمع من عواقب التهتك، والانحلال، والانمياع، وتدمير الأسر، والبيوت؛ لينقلب المجتمع بالتالي إلى قطعان من البشر الممزق، البشر الخاوي المتداعي، الذي أتت عليه أسباب التحطيم، والتدمير، فبات متداع الوحدة والصف، خاوي النفس والضمير، بليد الحس والوجدان، وبات كذلك عرضة لأعتى الأمراض السارية، فتنهشه نهشًا، وتفتك به فتكًا، كالذي نسمع عنه في الزمن الراهن، وهو مرض الإيدز، وغيره من أمراض كالزهري، والسيلان.

من أجل ذلك شدد الإسلام في تحريم الزنا، وتوعد الزناة، والزواني بالعذاب، فقال تعالى: { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن))، فهنا نجد أن هذا الحديث يبين ويوضح أنه لا يجتمع الزنا مع الإيمان في شخصٍ واحد.

وهذا أمر جد خطير، ينبغي أن يتردد الزناة من أجله قبل أن يقدموا على تلك الفاحشة مئات، بل آلاف المرات، ولِمَ لا وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم))، منهم ((شيخ زاني))، فنقول: إذا حُرِم الزاني من كل تلك الخيرات، فإلى أين يذهب؟ هذا كله يدعو الزناة إلى أن يتأملوا، ويتعجبوا عند إقدامهم على تلك الفاحشة النكراء، يتأملوا الوعيد، ويتأملوا العذاب، ويتأملوا أثر فعلتهم النكراء على المجتمع، حتى يفيقوا إلى رشدهم.

ضابط الزنا الموجب للحد:

لا شك أن الشريعة الإسلامية عندما تضع عقوبة، أو تضع حدًّا، لا بد أن تضع لها ضوابط قبل أن تقام؛ ولذلك نجد أن الفقهاء حددوا جريمة الزنا، التي تستوجب هذا الحد، وهو الرجم لغير المحصن، والجلد للمحصن، فقالوا في بيان ذلك: “هو الوطء من البالغ العاقل في أحد الفرجين من قُبل، أو دُبر، ممن لا عصمة بينهما، ولا شبهة”، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، فهم يرون أن الزنا الموجب للحد، يتحقق في وطء البالغ العاقل في أحد الفرجين؛ القبل، أو الدبر، بشرط أن لا يكون هناك شبهة.

أما فقهاء الحنفية، فيقولون: “الزنا الموجب للحد مختصًّا بالقبل دون الدبر، أي: أن يكون ذلك بين رجلٍ وامرأة”، وفي هذا المعنى يقول صاحب (الهداية) في تعريف الوطء: “وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك، ولا شبهة الملك”، والمقصود بالملك عند الحنفية، هو ملك البضع مع الزوجة، أو الأمة، وعليه فإن الزوج من حيث هذا المعنى يملك زوجته ملكًا لا يشاطره فيه أحد، أما شبهة الملك، فتتحقق بوطء الأمة المشتركة بين اثنين، فإنه ليس لأحدهما أن يطأها؛ لما في ذلك من تصرف في ملك الغير، بغير إذنه.

وبذلك فإنه لا يجب الحد بغير ما بيناه من زنا حقيقي ومباشر، وهو أن يغيب جزء من القبل في الفرج الآخر، مثلما يغيب المرْوَدُ في المكحلة، أو الرشاء في البئر، ومن ثَمّ إذا كان هذا هو ضابط الزنا الموجب للحد، فإنه بناءً على ذلك لا ينبغي أن يقام حد لما هو دون ذلك، فلا حد للمس، أو التقبيل، أو الغمز، أو نحو ذلك من أسباب الزنا، ودواعيه، ومقدماته، مما ليس فيه غير التعزير، والفلسفة في ذلك أنه ما دام حدُّ الزنا معتبرًا عقوبةً كاملة وصارمة، فإن ذلك يقتضي أن تكون الجناية أيضًا كذلك كاملة، وهي الوطء الحقيقي، الذي يغيب معه الفرج، ولو بعضه في الفرج الآخر.

ويتضح هذا البيان واضحًا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي جاءه مقرًّا بالزنا: ((دخل ذلك منك في ذلك منها؟))، أي: قُبُل الرجل في قبل المرأة ((قال: نعم قال: كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟ قال: نعم))، هنا نجد أن استفسار النبي صلى الله عليه وسلم في كيف تمت تلك الجريمة من هذا الرجل، يدل على أنه ليس كل فعل يُعد زنا، ويقام عليه الحد، وإنما هناك ما هو دون الزنا، مما ليس فيه إلا التعزير، كالمس، أو التقبيل، أو الغمز.

أما الزنا الحقيقي الذي يوجب الحد، فيتحقق بغياب جزء من القبل في الفرج الآخر، كما يحدث عند دخول المرود في المكحلة، هذا هو الزنا الموجب للحد، أيًّا كان هذا الحد رجمًا أو جلدًا.

error: النص محمي !!