Top
Image Alt

حد مسح اليدين, وعدد الضربات -إيصال التراب إلى الأعضاء – ما يستباح طهارةالتيمم ويشترط له

  /  حد مسح اليدين, وعدد الضربات -إيصال التراب إلى الأعضاء – ما يستباح طهارةالتيمم ويشترط له

حد مسح اليدين, وعدد الضربات -إيصال التراب إلى الأعضاء – ما يستباح طهارةالتيمم ويشترط له

المسألة الأولى: حدّ مسح اليديْن:

اختلف الفقهاء في حدّ الأيدي التي أمر الله تعالى بمسحها في التيمم في قوله: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } على أربعة أقوال:

القول الأول: أنّ الحدّ الواجب في ذلك هو الحدّ الواجب بعينه في الوضوء، وهو: إلى المرافق، كما قال تعالى: { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ }. وهو مشهور المذهب المالكي. وبه قال فقهاء الأمصار، وعليه أبو حنيفة والشافعي.

القول الثاني: أنّ الفرض هو: مسْح الكف فقط -يعني: الكفّيْن- وبه قال أهل الظاهر وأهل الحديث.

القول الثالث: الاستحباب إلى المرفقيْن. أي: يكون الفرض المسح على الكفّيْن، لكن يستحب أن يتجاوز ذلك إلى المرفقيْن، وهذا مروي عن مالك، وعليه أيضًا الإمام أحمد.

القول الرابع: أن الفرض: إلى المناكب -يعني: اليد كلها إلى نهايتها عند الرقبة- وهو شاذ روي عن الزهري ومحمد بن مسلمة.

يقول ابن رشد في بيان سبب اختلاف الفقهاء في هذه القضية:

السبب الأول: اشتراك اسم “اليد” في لسان العرب -كما قلنا سابقًا في الوضوء- وذلك أن “اليد” في لسان العرب يقال على ثلاثة معانٍ: على الكف فقط -وهو أظهرها استعمالًا- ويقال على الكف والذراع، ويقال على الكف والساعد والعضد -إلى نهاية اليد، إلى المنكبيْن.

السبب الثاني: اختلاف الآثار في ذلك.، وذلك أنّ حديث عمار المشهور في التيمم من طُرقه الثابتة فيه: «إنّما يكفيك أن تضرب بيدك ثم تنفخ فيها، ثم تمسح بها وجهك وكفّيْك». وورد في بعض طُرقه أنه قال له صلى الله عليه وسلم: «وأن تمسح بيديْك إلى المرفقيْن». وروي أيضًا عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليديْن إلى المرفقيْن». وروي أيضًا من طريق ابن عباس، ومن طريق غيره.

أمّا المسألة الثانية: فهي عدد ضربات التيمم:

يقول ابن رشد: اختلف العلماء في عدد الضربات على الصعيد -أي: التراب الطاهر- للتيمم:

فمنهم من قال: ضربة واحدة، وهو قول مالك في أشهر روايتيْه، وأحمد.

ومنهم من قال: ضربتيْن اثنتيْن، والذين قالوا اثنتيْن قالوا: ضربة للوجه، وضربة لليديْن، وهم الجمهور. ويعني ابن رشد: مالكًا، والشافعي، وأبا حنيفة.

ومنهم من قال: ضربتيْن لكل واحد منهما، يعني: ضربتان للوجه، وضربتان لليديْن: 

ويقول ابن قدامة لبيان هذا الكلام، فقد قال الخرقي: “والتيمم ضربة واحدة”. ويعلق ابن قدامة على ذلك بقوله:

المسنون عند أحمد: التيمم بضربة واحدة، فإن تيمّم بضربتيْن جاز. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: التيمم ضربة واحدة؟ فقال: نعم، ضربة للوجه والكفيّن. ومن قال ضربتيْن، فإنما هو شيء زاده.

قال الشافعي: لا يجزئ التيمم إلاّ بضربتيْن للوجه واليديْن إلى المرفقيْن. وروي ذلك عن ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، والثوري، وأصحاب الرأي، لِما روى ابن عمر، وجابر، وأبو أمامة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التيمّم ضربة للوجه، وضربة لليديْن إلى المرفقيْن»؛ ولأنه بدل يؤتى به في محل مُبدَله، وكان حدّه عنهما واحدًا كالوجه.

ويرجح ابن قدامة التيمم بضربة واحدة للوجه والكفيْن، بقوله:

ولنا ما روى عمار قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة، فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرّغت في الصعيد كما تمرّغ الدابة. ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديْك هكذا، ثم ضرب بيديْه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيْه ووجهه»، متفق عليه.

وفي النهاية: نتبين أن من أقوال الأئمة العلماء من أنّ التيمم يكون بضربة واحدة تكفي للوجه واليديْن أو ضربتيْن: ضربة للوجه وضربة لليدين. وهم -كما قال ابن رشد- جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الثلاثة. ومنهم من قال: ضربتان: لكل واحد منهما اثنتان، يعني: لليد ضربتان، وللوجه ضربتان.

سبب اختلاف الفقهاء:

يقول ابن رشد: “إن الآية مجملة في ذلك، والأحاديث متعارضة، وقياس التيمم على الوضوء في جميع أحواله غير متفق عليه. والذي في حديث عمار الثابت من ذلك إنما هو ضربة واحدة للوجه والكفيْن معًا، لكن ها هنا أحاديث فيها ضربتان.

فرجّح الجمهور هذه الأحاديث -أي: القول بالضربتيْن- لمكان قياس التيمم على الوضوء”.

المسألة الثالثة: إيصال التّراب إلى أعضاء التّيمّم:

يقول ابن رشد:: اختلف الشافعي مع مالك وأبي حنيفة وغيرهما في وجوب توصيل التراب إلى أعضاء التيمم -أي: الوجة واليدين-.

– فلم ير ذلك أبو حنيفة واجبًا، ولا مالك.

– ورأى ذلك الشافعي وأحمد واجبًا.

يقول ابن رشد: “إن السبب في اختلاف الفقهاء في مسألة وصول التراب إلى أعضاء التيمم:

الاشتراك الذي في حرف: “مِنْ” في قوله تعالى: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } [المائدة: 6]؛ وذلك أنّ “مِنْ” قد تَرِد للتبعيض، وقد تَرِد لتمييز الجنس.

فمن ذهب إلى أنها للتبعيض، أوجب نقْل التراب إلى أعضاء التيمم.

ومن رأى أنها لتمييز الجنس، قال ليس النقل واجبًا. وقد رجح الشافعي حملها على التبعيض من جهة قياس التيمم على الوضوء، لكن يعارضه حديث عمار المتقدّم؛ لأن فيه: «ثم تنفخ فيها»، وتيمّم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحائط.

ويقول ابن رشد: وينبغي أن تعلم أن الاختلاف في وجوب الترتيب في التيمم ووجوب الفور فيه، هو بعينه اختلافهم في ذلك في الوضوء، وأسباب الخلاف هنالك هي أسبابه هنا؛ فلا معنى لإعادته.

ويشير إليه ابن قدامة إلى هذا الكلام قائلًا:

“ولا يختلف المذهب أنه يُجزئ التيمم بضربة واحدة وبضربتيْن، وإن تيمّم بأكثر من ضربتيْن جاز أيضًا؛ لأن المقصود: إيصال التراب إلى محلّ الفرض، فكيفما حصل جاز كالوضوء”.

فابن قدامة يركّز على أهمية وصول التراب إلى محلّ الفرض، وهو: الوجه والكفّيْن، كما يحدث ذلك في غسلهما في الوضوء. وهو بهذا يرجّح مذهب الشافعي وأحمد على مذهب أبي حنيفة ومالك.

الباب الخامس: فيما تُصنع به طهارة التّيمّم:

بماذا نتيمّم؟ هل نتيمّم بالتراب فقط؟ أو نتيمّم بأي غبار؟ أو نتيمّم بالحجارة الملساء والصخور والحصى؟ بماذا نتيمّم؟

يقول ابن رشد: وفيه مسألة واحدة، وذلك أنهم -أي: الفقهاء- اتفقوا على جوازها -جواز طهارة التيمم بتراب الحرث -تراب الحراثة: تراب الزراعة: قال تعالى: { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ } [الواقعة: 63، 64].

اتفق الفقهاء على جواز التيمم من هذا التراب بضربتيْن أو بضربة واحدة، للوجه والكفّيْن، كما سبق بيان ذلك.

واختلفوا في جواز فعْلها -فعل طهارة التيمم- بما عدا التراب من أجزاء الأرض المتولّدة عنها، كالحجارة مثلًا، أو الحصى.

فذهب الشافعي إلى: أنه لا يجوز التيمم إلاّ بالتراب الخالص.

وذهب مالك وأصحابه إلى: أنه يجوز التيمم بكلّ ما صعد على وجه الأرض من أجزائها، كما قال تعالى: { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } [المائدة: 6]؛ فكلّ ما صعد على وجه الأرض وكان من أجزائها يجوز التيمم به: الحصى، الرمل، التراب.

وزاد أبو حنيفة على ذلك، فقال: وبكل ما يتولد من الأرض من الحجارة، مثل: النوْرة، والزرنيخ، والجص -يعني: الجير- ونحو ذلك، والطين، والرخام. كل هذه الأنواع المتولّدة من الأرض يجوز الضرب عليها والتيمّم بها”. وهذا يبيّن مدى تيسير الإسلام.

ويقول ابن رشد: “ومنهم -من الفقهاء- مَن شرَط: أن يكون التراب على وجه الأرض، وهم الجمهور. وقال أحمد بن حنبل: لا يشترط ذلك، بل يجوز التيمم بغبار الثوب، واللّبد، يعني: الأشياء الصوفية، أو الملابس الثقيلة يضرب الإنسان عليها ويتيمّم من غبارها”.

يقول ابن قدامة في هذا المقام؛ حيث يشير إلى ذلك تحت المسألة التي ذكرها الخرقي بقوله: “يضرب بيديه على الصعيد الطيب، وهو: التراب”. ثم يشرح ذلك فيقول:

جملة ذلك: أنه لا يجوز التيمم إلاّ بتراب طاهر، ذي غبار يعلق باليد؛ لأن الله تعالى قال: { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } [المائدة: 6]. قال ابن عباس: “الصعيد: تراب الحرث” -أي: الزراعة-. وقيل في قوله تعالى: { فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا } [الكهف: 40]: ترابًا أملس، والطيب: الطاهر؛ وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، وأبو يوسف، وداود.

وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز بكل حال ما كان من جنس الأرض، كالنورة، والزرنيخ، والحجارة. وقال الأوزاعي: الرمل من الصعيد. وقال حماد بن أبي سليمان: لا بأس أن يتيمم بالرخام، لما روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». وعن أبي هريرة: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نكون بالرمل فتصيبنا الجنابة والحيض والنفاس، ولا نجد الماء أربعة أشهر أو خمسة أشهر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالأرض». وإنه من جنس الأرض، فجاز التيمم به كالتراب.

يقول ابن قدامة في ردّ الأقوال التي غير رأي ابن حنبل والشافعي:

ولنا الآية؛ فإن الله سبحانه أمَر بالتيمم بالصعيد وهو: التراب، فقال: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ }[المائدة: 6]، ولا يحصل المسح بشيء منه إلاّ أن يكون ذا غبار يعلق باليد. وروي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: «أُعطِيتُ ما لم يُعطَ نبي من أنبياء الله: جُعل ليَ التراب طهورًا»، وذكر الحديث، رواه الشافعي في “مسنده”. ولو كان غير التراب طهورًا لذَكَره فيما منّ الله به عليه.

وأجاز مالك وأبو حنيفة التيمم بصخرة لا غبار عليها، وبتراب ندي لا يعلق باليد منه غبار. وأجاز مالك التيمم بالثلج والجبس، وكل ما تصاعد على وجه الأرض. وهذا يبيّن لإخواننا في البلاد القطبية أنه حتى التيمم بالثلج والجبس جائز، وكل ما تصاعد على وجه الأرض. ولا يجوز عنده التيمم بغبار اللبد والثوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضرب بيده نفخهما.

بعد هذا البيان الوافي الشامل للتراب أو الصعيد الطاهر الذي يجوز التيمم به، وأقوال الفقهاء فيه، حتى وصل الأمر بالإمام مالك أن يقول: يجوز بالثلج وبالحشيش، وقال أحمد بن حنبل: يجوز بغبار الثوب واللبد، وقال أبو حنيفة: يجوز بالنورة والزرنيخ والجص والطين والرخام، فهذه أشياء كلها تدل على مرونة الفقه الإسلامي، وسعة الشريعة الإسلامية.

يبين ابن رشد بعد هذا كلّه أن السبب في اختلافهم شيئان:

الأول: اشتراك اسم “الصعيد” في (لسان العرب)، فإنه مرة يُطلق على التراب الخالص، ومرة يُطلق على جميع أجزاء الأرض الظاهرة، حتى إن مالكًا وأصحابه حملهم دلالة اشتقاق هذا الاسم على الحشيش وعلى الثلج، وقالوا: يجوز التيمم بالحشيش والثلج.

الثاني: إطلاق اسم الأرض في جواز التيمم بها في بعض روايات حديث فضائل النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه، الذي رواه الشيخان؛ فمرّة يقيّدها بالتراب، ومرة يقيّدها بالأرض. وتقييدها بالتراب في بعضها، وهو: قوله صلى الله عليه وسلم: «جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، فذكر الأرض ملطقًا، وفي بعضها -وهي عند مسلم-: «جُعلت لي الأرض مسجدًا، وجُعلت لي تربتُها طهورًا». وقد اختلف أهل الكلام الفقهي: هل يُقضى بالمطلَق على المقيّد؟ -يعني: كلمة “الأرض” تَحْكُمُ على “التراب”-، أو بالمقيّد على المطلق؟ -نحكم بـ”التراب” على “الأرض”-. المشهور عندهم: أن يُقضى بالمقيّد على المطلق. هذا عند الأئمة.

أمَّا مَنْ كان رأيه القضاء بالمقيّد على المطلَق، وحمَل اسم الصعيد الطيب على التراب، لم يُجِزِ التيمم إلا بالتراب. ومَن قضى بالمطلق على المقيد، وحمَل اسم الصعيد على كلّ ما علا من الأرض على أجزائها، أجاز التيمم بالرمل والحصى، وبغيرهما من الحشيش، والثلج، والنوّرة، والزرنيخ؛ وهذا أولى وأفضل.

وأمّا إجازة التيمم بما يتولّد من الأرض، يقول ابن رشد: فضعيف، إذ كان لا يتناوله اسم “الصعيد”. فإنّ أعمّ دلالة اسم “الصعيد” أن يدل على ما تدلّ عليه الأرض، لا أن يدل على الزرنيخ والنورة، ولا على الثلج والحشيش”.

وتلك وجهة نظر ابن رشد -رحمه الله-  لكن أبو حنيفة وأصحابه أسبق من ابن رشد في هذا، وأكثر دراية بهذه المعلومة.

الرأي الراجح: ونرجّح ما رجّحه الأئمة الفقهاء: مالك، وأبو حنيفة، وغيرهم، من جواز التيمم بكل ما يتولّد من الأرض من: الحجارة، والنوْرة، والزرنيخ، والجصّ، والطين، والرخام، والحشيش، والثلج…

الباب السادس: نواقض طهارة التّيمّم:

يقول ابن رشد: “وأمَّا نواقض هذه الطهارة -أي: الطهارة بالتيمم- فإنهم اتفقوا على أنه ينقضها ما ينقض الأصل الذي هو الوضوء أو الطّهر، واختلفوا من ذلك في مسألتيْن:

الأولى: هل يجوز صلاة الفروض كلها بتيمم واحد، أم لا؟

الثانية: هل ينقض التَّيَمُّمَ وُجُوْدُ الماءِ، أم لا؟.

هاتان المسألتان خارجتان عن أحكام الوضوء، وعن أحكام الغسل.

نتناول قول ابن قدامة قبْل أن ننتقل إلى كلام ابن رشد، فنجده يقول بأن التيممَ يَبطل بكل ما يُبطِل الوضوء، ويزيد على مبطلات الوضوء، رؤيةَ الماءِ المقدور على استعماله، وخروج الوقت -يعني: إذا خرج وقت الصلاة بطل التيمم، وتيمّم لوقت الصلاة الجديدة-. وزاد بعض أصحابنا: أنه يبطل بمجرّد ظن وجود الماء على ما ذكرنا. وزاد بعضهم: ما لو نزع عمامة أو خفًّا يجوز المسح عليه، فإنه يبطل تيمّمه، وذكر أن أحمد نص عليه؛ لأنه مبطل للوضوء، فأبطل التيمم كسائر مبطلاته.

ويقول ابن قدامة: والصحيح: أن هذا ليس مبطلًا للتيمم، وهذا قول سائر الفقهاء، لأن التيمم طهارة لم يمسح فيها عليه -أي: على العمامة والخف-، فلا يبطل بنزعه كطهارة الماء، وكما لو كان الملبوس ممّا لا يجوز المسح عليه. ولا يصح قولهم: إنه مبطل للوضوء، لأن مبطل الوضوء نزع ما هو ممسوح عليه فيه، ولم يوجد هاهنا، ولأن إباحة المسح لا يصير بها ماسحًا، ولا بمنزلة الماسح، كما لو لبس عمامة يجوز المسح عليها ومسح على رأسه من تحتها، فإنه لا تبطل طهارته بنزع العمامة. وأمّا التيمم للجنابة، فلا يبطله إلاّ رؤية الماء وخروج الوقت، وموجبات الغسل. وكذلك التيمم لحدث الحيض والنفاس، لا يزول حُكمه إلا بحدثهما أو بأحد الأمريْن.

ويتبيّن لنا هذا الكلام عند ابن قدامة وعند ابن رشد إجمالًا: أن نواقض التيمم هي نواقض الوضوء ونواقض الغسل، ويُضاف إليهما: إرادة صلاة أخرى مفروضة غير المفروضة التي تيمم لها ورؤية الماء. وأضاف ابن قدامة: خروج الوقت.

الباب السابع: ما يُستباح من طهارة التّيمّم، أو ما يشترط له:

يقول ابن رشد -رحمه الله- : اتفق الجمهور على أن الأفعال التي هذه الطهارة شرْط في صحتها هي الأفعال نفسها التي كان الوضوء شرطًا في صحتها، وهي: 

الصلاة، فلا تصح الصلاة دون وضوء؛ وبالتالي لا تصح دون البديل عن الوضوء وهو التيمم، وكذلك مَسُّ المصحف، والطواف، وقراءة القرآن الكريم، ودخول المسجد والمكث فيه، ونحو ذلك من الأمور التي أشرنا إليها من قبْل في الحديث عن الوضوء وعن الغسل…

والراجح: أنه يجوز للمتيمِّم أن يقوم بكل أفعال الخير التي كان يقوم بها وهو متوضئ أو وهو مغتسل.

يقول ابن قدامة في تأكيد حجّيّة هذا القول:

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشْر سِنين»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «جُعلت لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا». ولأنه يستباح بطهارة الماء، فيستباح بالتيمم كالمكتوبة. أي: ولأنه تستباح سائر الأعمال والقربات والعبادات من صلاة، وطواف، وقراءة قرآن، ومسّ مصحف، ولبث في مسجد، كلّها تستباح بطهارة الماء، فتستباح إذًا بالتيمّم كالمكتوبة

error: النص محمي !!