Top
Image Alt

حرمة النفس الإنسانية، وجزاء المحاربين لله ورسوله، وبيان أسباب الفلاح

  /  حرمة النفس الإنسانية، وجزاء المحاربين لله ورسوله، وبيان أسباب الفلاح

حرمة النفس الإنسانية، وجزاء المحاربين لله ورسوله، وبيان أسباب الفلاح

1. حرمة النفس الإنسانية:

يقول تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُون} [المائدة: 32]. قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} بمَ يتعلق قوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ}؟

يقول بعضهم: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} متعلقة بما سبقها من قوله: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِين * مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ}.

يقول العلامة الجَمَل: “قال بعضهم: إن قوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} من تمام الكلام الذي قبله، أي: أنه متعلق بقوله: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِين} [المائدة: 31]، والمعنى: فأصبح من النادمين من أجل ذلك، يعني: من أجل أنه قتل أخاه هابيل، ولم يوارِه، ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} ويجعله من تمام الكلام الأول. ولكن جمهور المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} ابتداء كلام متعلق بقوله: {كَتَبْنَا} فلا يوقف عليه، أي: كتبنا على بني إسرائيل: أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض، من أجل هذا الذي حدث مما كان من ابني آدم، وما كان من قتل قابيل لهابيل.

ومعنى أن الله سبحانه وتعالى كتب هذا على بني إسرائيل: أنه كتبه عليهم في التوراة، وأنزله عليهم فريضة محكمة، وإذا كان القتل محرمًا في كل دين من لدن آدم عليه السلام كما ذكرنا ونحن نرى ما قال هابيل لقابيل: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِين} [المائدة: 27]، وقال له: {إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِين} [المائدة: 28] وكان هذا من الأمور التي سارت في كل رسالة، ومع كل رسول، وفي كل كتاب منزل، في أن الله سبحانه وتعالى حرم قتل الإنسان، لكن الأمر لما كان في بني إسرائيل ما كان من أمر قتلهم الأنبياء عدوانًا وظلمًا بغير حق، كما ذكر الله ذلك في أكثر من آية، فما بالك باستهانتهم بقتل الآخرين؟! دعاهم إلى ذلك حب الدنيا، والطمع فيها، والإقبال على ملذاتها وشهواتها، فلم يردعهم دين ولا خلق، إنما انقضوا على كل من رأوا أنه ربما كان عائقًا لهم عن أن ينالوا حظوظهم من هذه الشهوات؛ واندفعوا إلى هذا الإنسان فقتلوه، وإن كان نبيًّا.

{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}؛ يقول الإمام ابن كثير -عليه رحمة الله: قال الحسن وقتادة في قوله تعالى: {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ} إلى آخره: هذا تعظيم لتعاطي القتل، قال قتادة: “عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها”. قيل للحسن: “هذه الآية لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره، هي لنا كما كانت لهم، وما جعل سبحانه دماءهم أكرم من دمائنا”.

وبعضهم يرى أن النفس التي ذكر الله سبحانه وتعالى بأن من قتلها {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} المراد بها: نفس الإمام العادل؛ لأن قتل الإمام العادل يؤدي إلى اضطراب أحوال الجماعة، وإشاعة الفتنة فيها. يقول الإمام القرطبي: “روي عن ابن عباس أنه قال: المعنى: من قتل نبيًّا، أو إمام عدلٍ؛ فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره؛ فكأنما أحيا الناس جميعًا”.

ولكن يبدو أن القول بالعموم في هذا المقام أولى، ثم يقول ربنا: {وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُون} [المائدة: 32].

إذن فهذه البينات هي الآيات الواضحات التي وردت في كتب الله المنزلة عليهم، ويحتمل أن المراد بالبينات: الدلائل التي جاءت بها الأنبياء من المعجزات والدلائل على قدرة الله سبحانه وتعالى وعلى ما اتصف به من صفات الجلال والكمال، مما يثبت أنه الإله الواحد الأحد، ومما يدل أيضًا على أن هؤلاء أنبياء أرسلهم الله واختارهم؛ ليكونوا رسلًا إليهم، فكان على هؤلاء أن يتفيئوا ظلال الرحمات في ظل هذه الدعوات التي جاءتهم على لسان رسلهم، ولكن كثيرًا من هؤلاء لم يرتدعوا، ولم يدخلوا في دين الله، ومن دخل منهم في دين الله انحرف عن هذا الطريق وضلّ ضلالًا بعيدًا؛ ولذلك قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُون}.

{ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُون} انظر إلى قوله: {ثُمَّ}؛ فهي حرف عطفٍ يفيد الترتيب والتراخي، والتراخي هنا هو التراخي في المرتبة، الذي يدل على بعد الهوة بين بيانٍ واضح لا شبهة فيه، وكان المفترض أن يترتب على هذا البيان: أن يؤمن هؤلاء، وأن يلوذوا بحمى الشريعة والدين الذي جاءهم به هؤلاء الرسل، ولكن الذي حدث كان العكس: قلة قليلة هي التي استجابت، أما الكثرة الغالبة، فقد أسرفت في الذنوب والمعاصي.

{ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُون} وهذا الإسراف كما رأينا أيضًا مطلق؛ مسرفون على أنفسهم، ومسرفون على أنبيائهم، ومسرفون فيما شرع الله لهم؛ لم يتمسكوا به مع وضوحه، ومع ما فيه من خير، وعزة، وسعادة، ولكن هؤلاء انحرفوا انحرافًا بعيدًا، وصل إلى مرحلة الإسراف الذي يبينه الله سبحانه وتعالى.

يقول العلامة ابن كثير: في قوله: {ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُون}: هذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها.

2. المحاربون لله ورسوله، وجزاؤهم:

يقول ربنا: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [المائدة: 33- 34].

والآيتان وثيقتان في الصلة بموضوع القتل، وما كتب الله على بني إسرائيل، وما سبق به الحديث في قصة ابني آدم، ذلكم أن هاتين الآيتين تبينان أن هناك من يعتدي على حرمات الله، ومن يروع الآمنين، ومن يسعى في الأرض فسادًا؛ بأن يقتل الآخرين، أو أن يأخذ أموالهم، أو أن يعتدي عليهم، فهذا -إذن- كله حديث عن القتل فيما شرعه الله سبحانه وتعالى منذ خلق الخلق، وأسكن آدم في هذه الأرض، ونزل ومعه الدستور العظيم من السماء، وفيه حرمة الدماء، وحرمة الأموال، وحرمة الأعراض، وأكد الله هذا في كل كتاب أنزله، إلى أن كانت التوراة وفيها ما فيها من شرع الله وهديه، وجاء الإنجيل مصدقًا لما بين يديه من التوراة، إلى أن جاء القرآن العظيم؛ مصدقًا لما سبقه من الكتب المنزلة ومهيمنًا عليها، وفيها جميعًا بيان عظيم لحرمة النفس الإنسانية.

يقول العلامة ابن جرير: اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية؟ فقال بعضهم: “نزلت في قوم من أهل الكتاب، كانوا أهل موادعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فعرّف الله نبيه الحكم فيهم”.

وقال آخرون: “نزلت في قوم من المشركين”.

وقال آخرون: “بل نزلت في قوم من عرينة وعُكْل؛ ارتدوا عن الإسلام، وحاربوا الله ورسوله، واعتدوا على المسلمين، فعاملهم الرسول صلى الله عليه وسلم بما استحقوا من تنكيل؛ حتى يخاف غيرهم من أن يفعل مثل هذا الفعل”.

يقول حماد بن سلمة -كما يقول العلامة ابن كثير- بروايته عن أنس بن مالك: ((أن ناسًا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، (أو وجدوا أنها غير مناسبةٍ لهم) فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فصحّوا، فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، وألقاهم في أرض الحرة، قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشًا، حتى ماتوا، ونزلت فيهم: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ})).

{يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ} هذا يدل على تكرر هذا منهم، ومعنى حرب الله، وحرب رسوله: أن هؤلاء حاربوا شرع الله، وهدي الله، وحاربوا أهل الإسلام، بمعنى: أنهم اعتدوا على أمنهم وسلامتهم، فالمحاربة مفاعلة من الحرب، وهي ضد السلم، والأصل في معنى كلمة الحرب: الأخذ والسّلب، يقال: حربه؛ إذا سلبه ماله، والمراد بالمحاربة في الآية: قطع الطريق على الآمنين بالاعتداء عليهم بالقتل أو السلب، أو ما يشبه ذلك من الجرائم التي حرمها الله تعالى.

وقد عبر سبحانه وتعالى عمن يحارب أولياءه وشرعه، بأن هؤلاء يحاربون الله ورسوله، عبر بذلك؛ ليبين أن هذا الذي فعلوه أمر شنيع، وأن كل من يهدد أمن المسلمين، وكل من يعتدي عليهم؛ يكون محاربًا لله ولرسوله، ومستحقًّا لغضبه -سبحانه- ولعقوبته.

أما قوله: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} فإن الفساد -كما هو معلوم- ضد الصلاح، والسعي في الأرض بالفساد المراد منه -هنا أيضًا: قطع الطريق على الناس، وتهديد أمنهم، والتعرض لهم بالأذى في أنفسهم، أو أموالهم، أو أعراضهم.

فمن فعل هذا، ومن ذهب يحارب الله ورسوله، ويسعى في الأرض بالإفساد؛ قتلًا في الناس، واعتداءً على أموالهم، وأعراضهم، وحياتهم، جزاؤه كما قال تعالى: {أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ}.

عن ابن عباس في الآية: “من شهر السلاح في فئة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظفر به -أي: الإمام- وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار؛ إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله” وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال، كما قال أبو عبد الله الشافعي، عن ابن عباس: “في قطّاع الطريق؛ إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل، أي: الطريق ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض”. وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة.

واختلفوا: هل يصلب حيًّا ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب، أو بقتله برمح أو نحوه، أو يقتل أولًا، ثم يصلب تنكيلًا وتشديدًا لغيره من المفسدين؟ وهل يصلب ثلاثة أيام ثم يُنزل، أو يُترك حتى يسيل صديده؟ في ذلك كله خلاف محرر في موضعه -أي: من كتب الفقه.

أما قوله تعالى: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم} فهذا بيان، وتهديد، ووعيد شديد لهؤلاء المعتدين، {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم} أي: عذاب وصل إلى الحد الذي لا يطيقه أحد.

3. حكم من تاب من المحاربين لله ورسوله قبل القدرة عليه:

لكن إذا تاب هذا الإنسان، ورجع إلى الله سبحانه وتعالى قبل أن يقبض عليه، فليكن العفو من الإمام له، فلا يعاقب بهذه العقوبة، وهذه سياسة عظيمة في هذا الدين العظيم؛ لأنها دعوة لهؤلاء المارقين الخارجين على نظام المجتمع ممن يقطعون الطريق: أن يتوبوا إلى الله، وأن ينيبوا إليه، فإن تابوا إلى الله وأنابوا ورجعوا؛ فإن المجتمع المسلم مستعد لقبولهم واحتضانهم، والعفو عن زلاتهم؛ ما داموا قد أعادوا ما أخذوه لأصحابه.

يقول الإمام القرطبي: قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} استثنى -جل شأنه- التائبين قبل أن يُقدر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله: {فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم}، أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط، وظاهر الآية: أن من تاب بعد القدرة عليه فتوبته لا تنفع، وتقام الحدود عليه كما تقدم.

وقال الإمام الألوسي: قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله تعالى، كما ينبئ عنه قوله: {فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم}، وأما ما هو من حقوق العباد، كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه، فيسقط بالتوبة وجوبه على الإمام من حيث كونه حدًّا، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث كونه قصاصًا، فإنهم أن شاءوا عفوا، وإن أحبوا استوفوا.

ويرى ابن جرير، وابن كثير: أن توبة المحاربين قبل القدرة عليهم تسقط عنهم جميع الحدود، فقد قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال في ذلك: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال: “توبة المحارب الممتنع بنفسه، أو بجماعة معه قبل القدرة عليه، تضع عنه تبعات الدنيا التي كانت لزمته أيام حربه وحرابته من حدود الله، وغرم لازم، وقَوَدٍ، وقصاص، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهَدين، فيرد على أهله”. وهذا هو ما رآه العلامة ابن كثير؛ إذ قال: “أما على قول من قال: إنها في أهل الشرك، فظاهر -أي: فإنهم إذا آمنوا قبل القدرة عليهم؛ سقطت عنهم جميع الحدود المذكورة- وأما المحاربون المسلمون، فإذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط عنهم تحتم القتل والصلب، وقطع الرجل وما إلى ذلك”.

ثم قال: “هل يسقط قطع اليد؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة، وهو الذي اخترناه حين قلنا: بأن هذه دعوة من الإسلام لهؤلاء المارقين المعاندين الذين استولى الشيطان عليهم، والإسلام يريد أن يردهم إلى حظيرته، فما أعظم هذا الدين، وما أكرمه”.

4. أسباب الفلاح:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم * يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيم} [المائدة: 35- 37].

يقول الإمام الفخر الرازي في النظْم وجهان، أي: في صلة الآيات ببعضها وجهان:

الأول يقول: اعلم أنّا قد بينا أنه تعالى لمّا أخبر رسوله أن قومًا من اليهود هموا أن يبسطوا أيديهم إلى الرسول، وإلى إخوانه من المؤمنين وأصحابه بالغدر والمكر، ومنعهم الله تعالى عن مرادهم، فعند ذلك شرح للرسول شدة عتيهم على الأنبياء، وكمال إصرارهم على إيذائهم، وامتد الكلام إلى هذا الموضع، فعند هذا رجع الكلام إلى المقصود الأول، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} كأنه قيل: قد عرفتم كمال جسارة اليهود على المعاصي والذنوب، وبعدهم عن الطاعات التي هي الوسائل للعبد إلى الرب، فكونوا -يا أيها المؤمنون- بالضد من ذلك، وكونوا متقين عن معاصي الله، متوسلين إلى الله بطاعات الله.

الوجه الثاني: في النظْم: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] أي: نحن أبناء أنبياء الله، فكان افتخارهم بأعمال آبائهم، فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليكن مفاخرتكم بأعمالكم، لا بشرف آبائكم وأسلافكم، فاتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة.

ينادي الله سبحانه وتعالى المؤمنين؛ ليأمرهم بأمور ثلاثة: التقوى، وابتغاء الوسيلة، والجهاد في سبيل الله؛ ليقول لهم: بأن هذه الأمور الثلاثة هي الطريق إلى الفلاح.

التقوى: الباب والمدخل والأساس الذي تبنى عليه الأعمال، وبدون هذه التقوى، تكون الأعمال لا قيمة لها، ولا روح فيها؛ الركيزة الثانية، أو السبب الثاني في الوصول إلى مراحل الفلاح ومنازل المفلحين: هو ما جاء في قوله تعالى: {وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} الوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة -كما يقول العلامة ابن كثير: هي أيضًا علم على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش، وفي هذا المقام، يسوق جملة من الأحاديث تبين هذه الوسيلة التي أعدها الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكن يبدو أن هذا ليس هو المراد في قوله تعالى: {وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} وإنما الوسيلة هنا: هي ما يتوسل به العبد إلى الوصول إلى تحقيق هدفه.

يأتي العنصر الثالث، في قول الله تعالى: {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ}.

الجهاد هو ذروة هذا الدين، وهو منتهى الغايات لأهل الإيمان، وهذا الجهاد -كما نرى هنا وفي كثير من الآيات دائمًا وأبدًا- نراه مرتبطًا بأنه في سبيل الله: {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ}، ومعنى هذا: أن الجهاد جهد، وأي جهد؟! هو جهد نفسي، وبدني، وفكري، وإيماني، اختبار عجيب لكل مكونات الإنسان المؤمن، وهل هناك أغلى على الإنسان من نفسه وروحه ودمه؟! يقدم ذلك قربانًا لله.

وقد ذكرنا -في عدة مناسبات- سر استعمال {لَعَلَّكُمْ} وأنها حرف ترجٍّ يفيد أن الفعل الذي يليها يمكن أن يتحقق، بخلاف “ليت” التي تفيد التمني، وهي في الأمر المستبعد الحصول.

فإن تمني الوصول إلى الكواكب؛ لينظمها عقدًا يحلي بهذا العقد جيد ممدوحه، أمر لا يمكن أن يتحقق، إنما هو خيال الشعراء، لكن “لعل” تفيد أن الأمر الذي يأتي بعدها، من السهل أن يتحقق لو أن الإنسان اتخذ الوسائل لتحقيق هذا الأمر، وهذا الأمر الذي نراه بين أيدينا هو الفلاح، الوصول إلى الفلاح أمر ميسور وسهل، إذا أمكن الإنسان أن يلتزم بهذه التوجيهات؛ ولذلك رأينا هذا في كثير من الآيات، ومن ذلك ما بدأت به آيات الصيام -على سبيل المثال- في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [البقرة: 183]، فالوصول إلى التقوى أمره ميسور إذا التزم المؤمن بآداب الصيام كما جاء بها كتاب الله، وكما أوضحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه هنا يقول: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون}، للوصول إلى الفلاح.

الفلاح أمر يعني: أن يبذل العبد جهدًا؛ لأن الفلْح: هو شق الأرض، ومن هنا علمنا كلمة “الفلاح” بهذه الصيغة -صيغة المبالغة؛ لأنه دائمًا وأبدًا يعمل في الأرض يشقها، ويحرثها، ويستنبتها ويزرع فيها، وهكذا الإنسان المؤمن، يزرع في هذه الدنيا ما يزرع، لكن نباته الذي يزرعه؛ ليجني ثمرته عزةً وكرامةً وسعادةً وجزاءً عظيمًا هناك في الآخرة، هذا النبت الذي يزرعه: هو عمله الطيب، وأخلاقه الكريمة، وجهاده في سبيل الله، وكلماته الطيبة، والتزامه في كل لحظة وكل حين بكتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهي مسائل ليست بالأمر الهين، إنما تحتاج إلى جلد، تحتاج إلى صبر، وإلّا فلو كان الأمر سهلًا، لسهل على كثير من الناس أن يفوزوا، ولكن الأمر كما أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أن الجنة حفت بالمكاره، وأن النار حفت بالشهوات)) حُفَّت الجنة بالمكاره أي: بما هو مكروه وشاقّ على النفس، ولكن النار حفت بما تحبه النفس وتهواه.

فخالف النفس والشيطان واعصهما

*وإن هما محضاك النصح فاتهم

يقول الإمام الفخر الرازي تعقيبًا على هذه الآية الكريمة: “وهذه الآية آيةٌ شريفة مشتملة على أسرار روحانية، ونحن نشير هنا إلى واحد منها: وهو أن من يعبد الله تعالى فريقان؛ منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله، ومنهم من يعبده لغرض آخر، والمقام الأول هو المقام الشريف العالي، وإليه الإشارة بقوله: {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ} أي: في سبيل عبوديته، وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته.

والمقام الثاني دون الأول: وإليه الإشارة بقوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} والفلاح اسم جامع للخلاص عن المكروه، والفوز بالمحبوب.

ولكنّ الذي ذكره الإمام الفخر في أن الجهاد في سبيل الله يعني: الجهاد في سبيل عبودية الله، وفي طريق الإخلاص في معرفته وخدمته: خروج بهذا الأمر عن مقتضاه، وعمّا جاء من أجله، فالجهاد في سبيل الله ليس مجرد جهاد من أجل العبودية، ومن أجل الإخلاص في المعرفة والخدمة، وإنما الجهاد في سبيل الله، هو ما تعرفون من أن الإنسان -كما قلنا- استطاع أن ينتصر على مغريات الحياة، وأن يخرج مجاهدًا في سبيل الله.

ولهذه يقول العلامة ابن كثير: “لما أمرهم بترك المحارم، وفعل الطاعات؛ أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم، والتاركين للدين القويم، ورغبهم في ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة المستمرة، التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول، في الغرف العالية الرفيعة الآمنة، الحسنة مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها ينعم لا يبأس، ويحيا لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه…”، إلى آخر ما قاله -عليه رحمة الله- مما يدلنا على أن قول الله تعالى: {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ} على ظاهرها من الأمر بالجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى، وكما قلنا هذه ركائز ثلاث تذكر بعد أن نادى الله المؤمنين، ذلكم هي: تقوى الله، وطلب الوسيلة لمرضاته ولجنته، والجهاد في سبيله، وأن هذا هو الطريق للفلاح، وأن كل لحظة يمضيها الإنسان المؤمن في تحقيق واحد من هذه الأمور، إلى أن تتحقق له هذه الأمور كلها، هذه اللحظات، كل لحظة فيها فوز وفيها فلاح.

5. أمل الكافرين في النجاة:

بعد أن ذكر الله لنا هذا، وبيّن ما يكون من عاقبة أهل الإيمان، الذين التزموا بتوجيهات الله عز وجل ذكر لنا سبحانه وتعالى ما يكون من أمر الكافرين، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم * يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيم} [المائدة: 36- 37].

والصلة بين قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} وما قبلها من قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ} صلة واضحة؛ ذلكم أنه سبحانه وتعالى لما بين ما يجب أن يكون عليه أهل الإيمان، وما ندبهم إليه، كأنّ سائلًا سأل: إذا كان هذا حال أهل الإيمان، وأنهم أهل الفلاح والصلاح والخير، فماذا عن حال غيرهم من أهل الكفر، وإلامَ يصيرون إليه؟ فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} إلى آخر الآية، والآية التي تليها.

يقول الإمام الفخر: “واعلم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين في هذه الآية إلى معاقل جميع الخيرات، ومفاتح كل السعادات، أتبعه بشرح حال الكفار، وبوصف عاقبة من لم يعرف حياة، ولا سعادة إلا في هذه الدار، وذكر من جملة تلك الأمور الفظيعة نوعين:

أحدهما: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم}.

والنوع الثاني من الوعيد المذكور في الآية: ما جاء في قوله: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيم} “.

بعد أن عرفنا وجه اتصال هذه الآية والتي تليها بما قبلها؛ نعود مرة أخرى؛ لنعرف بعض ما فيها من أسرار، ولنقتبس بعض ما في كلماتها من أنوار: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ}: المقصد -من هذه الآية والتي تليها- هو بيان حال أهل الكفر هناك في الآخرة في الموقف العظيم، وأنه حال الخسارة والندامة، والحزن والألم، والحسرات، في مقابلة ما يكون لأهل الإيمان من الفلاح، الذي ذكره الله في قوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون}، فالمسألة هنا إنما هي دعوة إلى التزام هدي الله وتقوى الله عز وجل ببيان ما أعد الله لأهل الإيمان من فلاح ومن فوز، وما جعله لأهل الكفر من ضيق وألم، وحال بئيس يائس؛ حيث لا ينفعهم التمني، ولا يصلح معهم -لإنقاذهم من النار- كل ما في الأرض من ذهب وفضة وما إلى ذلك.

لو جاءوا بكل ما في الأرض ليفتدوا به؛ وليخلصوا أنفسهم مما أعده الله لهم من العذاب، لا يتقبل منهم هذا؛ لأن المكان ليس مكان عمل، إنما هو مكان حساب وجزاء، فلننظر في الآية والتي تليها؛ لنعرف هذه الحقيقة، يقول ربنا: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} يبدأ بذكر الكفر ليبين السبب الذي من أجله وصل الحال إلى ما وصل إليه، وهؤلاء الكفرة عاشوا ينكرون الرسالة، ويعاندون الله والرسول، وهم يعلمون تمام العلم أنه صلى الله عليه وسلم صادق؛ ولذلك رأينا أن القرآن يذكر لنا أن هؤلاء الكفرة يعلمون صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنهم يجحدون، يقول ربنا: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُون} [الأنعام: 33] فهذا الجحود، وهذا الإنكار -مع معرفتهم بالحقيقة- استمر إلى آخر نفس من أنفاسهم، ففارقوا هذه الدنيا دون أن يرجعوا عن غيهم وعنادهم، وجحودهم وكفرهم بالله ورسوله وكتابه، فماذا يكون من حالهم عند الله سبحانه وتعالى؟!

error: النص محمي !!