Top
Image Alt

حرم المدينة وتحريم صيده وشجره

  /  حرم المدينة وتحريم صيده وشجره

حرم المدينة وتحريم صيده وشجره

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن عليٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المدينةُ حرمٌ ما بين عير إلى ثور)) يعني: ما بين جبل عَير إلى جبل ثور.

هذا الحديث حديثٌ مختصر من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم.

الثاني: وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المدينة -يعني في حرم المدينة: ((لا يُختلى خلاها، ولا يُنفر صيدها، ولا تُلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن تقطع فيها شجرة إلا أن يعلف رجلٌ بعيره)).

هذا الحديث رواه الإمام أحمد في (مسنده)، والإمام أبو داود في (سننه).

الثالث: وعن عباد بن تميم عن عمه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن إبراهيم حرّم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة)) حديث متفق عليه.

الرابع: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى)) حديث متفق عليه.

الخامس: وعن أبي هريرة أيضًا في حرم المدينة قال: ((سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحرّم شجرها)) -أي: شجر المدينة- ((أن يخبط أو يعضد)) -يعني: يُضرب بالعصي حتى تسقط أوراقه، أو يُقطع. رواه أحمد.

السادس: وعن أنسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرفَ على المدينة فقال: ((اللهم إني أحرِّم ما بين جبليها مثلما حرم إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم)) متفق عليه.

السابع: وللبخاري أيضًا عنه -أي: عن أنس، رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المدينة حرمٌ من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها ولا يحدث فيها حدث؛ من أحدث فيها حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)).

الثامن: ولمسلم عن عاصم الأحول قال: “سألت أنسًا: أحرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؟ قال: نعم، هي حرام، ولا يختلى خلاها، فمن فعله -يعني: قطع شجرها- فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين”.

ثانيًا: شرح الأحاديث:

الحديث الأول من رواية أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه تربى في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أول من أسلم من الصبيان، وسيدنا أبو بكر رضي الله عنه أول من أسلم من الرجال.

أوتي علمًا كثيرًا، وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “لا بقيتُ في بلدٍ ليس فيها أبو الحسن”، وكانت عندما تعرض له مشكلة ويصعب حلها يدعو لها سيدنا عليّ رضي الله عنه ويقول: “قضية ولا أبا الحسن لها”، تولى الخلافة بعد سيدنا عثمان بن عفان في سنة 35 هجرية، واستمر خليفة للمسلمين حتى استشهد في سنة 40 هجرية رضي الله عنه.

يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المدينة حرم)) أي: لها حرم كحرم مكة. ((ما بين عير إلى ثور)) يعني: ما بين جبل عير إلى جبل ثور. ((لا يختلى خلاها)) يعني: لا يقطع شجرها. ((ولا ينفر صيدها، ولا تُلتقط لُقطتها)) من وجد فيها لقطة لا يأخذها. ((إلا أن يشيد بها)) أي: يعرفها للناس. ((وليس لأحد أن يحمل السلاح فيها لقتال، ولا يصلح أن تقطع منها شجرة إلا)) رجل في حاجة ماسة إلى ((أن يعلف… بعيره))، وخاف على بعيره الهلاك؛ فيجوز له حينئذٍ أن يقطع ليطعم بعيره.

والحديث الذي بعد ذلك يقول فيه صلى الله عليه وسلم: ((إن إبراهيم حرّم مكة ودعا لها، وإني حرَّمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة)).

إذًا تحريم مكة والذي حدد حرمها هو سيدنا إبراهيم عليه السلام أما حرم المدينة فالذي حدده وبيّنه رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.

والرواية التي بعد ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة))، اللابة: هي الجبل والصخرة؛ والمدينة تقع ما بين لابتي بين جبلين كل منهما صخور، واحد يسمى عير، والآخر يسمى ثور، ما بينهما حرام.

يقول أبو هريرة: ((حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى))؛ أي حرم للمدينة.

والحديث الذي بعد ذلك: عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وسيدنا أنس أنصاري، كان عمره عشر سنوات عندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرًا، أتت به أمه أم سُليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: “يا رسول الله، خويدمك أنس”؛ فقبله النبي صلى الله عليه وسلم وصار من أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، يقول: “ما قال لي صلى الله عليه وسلم أفّ قط، ولا قال لي لشيءٍ فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟”.

قالت أم أنس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا رسول الله، ادعُ الله لأنس، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه وظهره، ودعا له بالثلاث دعوات قال: ((اللهم أطل عمره، وأكثر ماله وولده، وأدخله الجنة)) فطال عمر أنس؛ لأنه في سنة الهجرة كان عمره عشر سنوات؛ عاش حتى سنة 93 هجرية، إذًا جاوز المائة بثلاث سنوات.

وبارك الله له في ماله بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم فكان عنده بستان يثمر في العام مرتين، وبارك الله له في ولده، فأنجب مئات الأولاد هو وأولاده، يقول: “دفنت من أولادي لصلبي -يعني: من ولدي وولد ولدي- مائة وأربعين نفسًا” ماتوا في حياة سيدنا أنس بن مالك، فما بالك الذين عاشوا بعده، تُوفي رضي الله عنه سنة 93 هجرية، وكان يقول: عِشت حتى سئمت الحياة، وكان يقول: “إني أنتظر الثالثة”؛ أي: الدعوة الثالثة، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم أدخله الجنة)).

تقول رواية سيدنا أنس بن مالك: إن النبي صلى الله عليه وسلم أشرف على المدينة؛ يعني: وقف على حصن من حصونها وعلى جبل من جبالها ونظر إليها، وقال: ((اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثلما حرم إبراهيم مكة)) ثم دعا لأهلها بالبركة فقال: ((اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم)) رواية البخاري عن أنسٍ أيضًا يقول: قال صلى الله عليه وسلم ((المدينة حرم من كذا إلى كذا)) أي: من جبل عير إلى جبل ثور، ((لا يقطع شجرها ولا يحدث فيها حدث)) قتل ولا ظلم، ((من أحدث فيها حدثًا)) يعني: من ظلم فيها وغير في معالمها، وأباح فيها الحرام ((عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)).

هذه الأحاديث شُرحت بالتفصيل: الإمام الصنعاني شرح حديث: ((إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة)) شرحه في كتاب (سبل السلام) فقال في شرحه:

عن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن إبراهيم حرم مكة))، وفي رواية: ((إن الله حرم مكة))، ولا منافاة، فالمراد أن الله حكم بحرمتها، وإبراهيم أظهر هذا الحكم للعباد أو على العباد، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((وإني حرمت المدينة)) أي: حرم الله المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أظهر هذا التحريم؛ فالنبي عندما يحرّم إنما يحرّم بتحريم الله سبحانه وتعالى ودعا لأهلها حيث قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ} [البقرة: 126]، وغير ذلك من الآيات التي وردت في سورة البقرة.

ثم يقول صلى الله عليه وسلم: ((وإني حرمت المدينة)) هي علم بالغلبة على المدينة، إذا أطلقت “المدينة” يراد: مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فألف المدينة للعهد الذهني؛ فلا يتبادر عند إطلاق لفظها إلا هي، ((كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومُدِّها)) أي: فيما يكال بهما؛ لأنهما مكيالان معروفان: “المُد، والصاع” ((بمثل ما دعا إبراهيم لأهل مكة)) متفق عليه.

المراد من تحريم مكة: تأمين أهلها من أن يُقاتلوا، وتحريم من يدخلها؛ لقوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97]، وتحريم صيدها وقطع شجرها وعضد شوكها، والمراد من تحريم المدينة: تحريم صيدها، وقطع شجرها، ولا يُحدَث فيها حدث، وفي تحديد حرم المدينة خلاف ورَدَ تحديده بألفاظ كثيرة، ورُجحت رواية: ((ما بين لابتيها)) لتوارد الرواة عليها.

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المدينة حرامٌ ما بين عير إلى ثور)) رواه مسلم.

يقول الصنعاني في شرح هذا الحديث -وهو الحديث الأول في ذلك الباب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المدينة حرام ما بين عير)) بالعين المهملة فمثناة تحتية فراء: جبل بالمدينة ((إلى ثور)) بالمثلثة يعني بالثاء وسكون الواو وآخره راء، في (القاموس): إنه جبل بالمدينة، قال: وفيه الحديث الصحيح، وذكر هذا الحديث.

ثم قال: وأما قول أبي عبيد القاسم بن سلام وغيره من الأكابر الأعلام: إن هذا تصحيف، والصواب إلى أُحد؛ لأن ثورًا إنما هو بمكة- فغير جيد؛ لما أخبرني الشجاع الثعلبي الشيخ الزاهد عن الحافظ أبي محمد بن عبد السلام البصري: أن حذاء أُحد جانحًا إلى ورائه جبلًا صغيرًا، يقال له: ثور، وتكرر سؤالي عنه طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض، فكلٌّ أخبرني أن اسمه ثور، ولما كُتِب إلى الشيخ عفيف الدين المطري عن والده الحافظ الثقة، قال: إن خلف “أُحُد” عن شماله جبل صغيرًا مدورًا يسمى ثورًا يعرفه أهل المدينة، خلَفٌ عن سلَف، انتهى. وهو لا ينافي حديث ((ما بين لابتيها))؛ لأنهما حرتان يكتنفانها -كما في (القاموس)- وعير وثور مكتنفان المدينة، فحديث: ((عير وثور)) يفسر اللابتين.

والحديث الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: ((إني أحرم ما بين جبليها)) والذي رواه الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه شرحه الشيخ موسى شاهين لاشين في كتابه (المنهل الحديث) الذي يشرح فيه بعض الأحاديث من (صحيح البخاري) روى ذلك الحديث: عن عليٍّ رضي الله عنه قال: “ما عندنا شيء إلا كتاب الله تعالى، وهذه الصحيفة: عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا)) وعائر لغة في عير ((من أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صَرَف ولا عدل)) يعني: لا تقبل منه فريضة ولا نافلة. ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((ذمة المسلمين واحدة؛ فمن أخفر مسلمًا -يعني: خان مسلمًا في دمه- فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن تولى قومًا بغير إذن مواليه؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)).

ثالثًا: المعنى العام:

جاء رجل إلى علي رضي الله عنه فقال: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصك وآلك بشيء من العلم؟ أو هل كان يُسرّ إليكم بشيء من دون الناس؟ فغضب عليٌّ، ثم قال: ما كان يسر إلينا بشيء يكتمه عن غيرنا، إلا ما كان في قراب سيفي هذا، وأخرج من قراب سيفه -يعني: من الجراب الذي يحفظ فيه السيف- وأخرج منه صحيفة كتب فيها: “المدينة حرمٌ من جبلها الجنوبي إلى جبلها الشمالي، ولحرمتها غلّظ إثم الذنب فيها، فمن ابتدع فيها بدعة ليست من الدين، أو آوى المبتدع، أو عمل على نشر البدعة فيها؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه توبة على ذلك الفعل ولا فدية، وذمة المسلمين واحدة؛ فعهد الواحد منهم محترم عند جميعهم كعهد الجميع؛ فمن خان مسلمًا أو نقض عهده؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه فرضًا ولا نفلًا، ومن خرج من ولاية المسلمين إلى ولاية أخرى من غير إذن أولياء أمره؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه وزنًا ولا كيلًا”. وفي ذلك تغليظ على هذه الأفعال التي تضر بسمعة الإسلام وسمعة المسلمين.

رابعًا: المباحث العربية:

“ما عندنا شيء”: الضمير للمتكلم وهو سيدنا علي وآل بيته، والمراد بالشيء: المكتوب، وإلا فقد كان عندهم أشياء من السنة سوى الكتاب، أو الشيء المنفي شيء اختصوا به من دون الناس.

((المدينة)): علم بالغلبة، على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم ودفن بها، وكانت تُسمى يثرب، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم طيبة وطابة، وعرفت بالمدينة، وكان بعض المنافقين لا يذكرها إلا باسم يثرب، واسمها الذي يليق بها: المدينة، وطيبة.

((ما بين عائر إلى كذا)): عائر على وزن فاعل، مهموز الوسط، وفي رواية: ((عير)) اسم لجبل صغير بقرب المدينة.

وقوله: ((إلى كذا)) إبهام من البخاري لاسم الجبل المقابل، الذي سُمي في رواية مسلم بجبل ((ثور))، والذي حمل البخاري على هذا الإبهام: اعتماده على إنكار مصعب الزبيري وجود ثور بالمدينة، لكنه ثابت بما لا يدع مجالًا للشك والإبهام، فثور: جبل صغير خلف جبل أحد، من جهة الشمال يميل إلى الحمرة بتدوير، وخلف أهل المدينة ينقلون هذا عن بعضهم.

((من أحدث فيه حدثًا)): أي من عمل فيه عملًا منكرًا ليس بمعتاد ولا معروف في الكتاب والسنة.

((أو آوى محدثًا)): “أوى” بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعًا، لكن القصر في اللازم والمد في المتعدي أشهر، قال تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} [الكهف: 10] {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ} [المؤمنون: 50] و((محدِثًا)) بكسر الدال صاحب الإحداث: أي الذي أحدث أو جاء ببدعة في الدين.

((عليه لعنة الله)): اللعنة هي الطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى.

((لا يقبل منه صرف ولا عدل)): أي: لا يقبل منه فريضة ولا نافلة.

خامسًا: فقه الحديث:

عن قتادة بن حسان الأعرج: “إن عليًّا كان يأمر بالأمر فيقال له: قد فعلناه، فيقول: صدق الله ورسوله، فقال له الأشتر: إن هذا الذي تقول؛ أهو شيء عهد إليك رسول صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما عهد إلينا شيئًا خاصًّا دون الناس، إلا شيئًا سمعته منه، فهو في صحيفة في قراب سيفي، فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة، فإذا فيها: ((المدينة حرم…)) إلى آخر الحديث.

ومعنى كون المدينة حرمًا -كما قال مالك والشافعي وأكثر أهل العلم: أنه يحرم صيدها، وقطع شجرها، وهل فيه الجزاء أو لا؟ خلاف بينهم. وقال أبو حنيفة: لا يحرم، وعليه فمعنى ((حرم)): أن لها حرمة، فإثم الذنب فيها كبير، وعلى القول بأن شجرها محرم لا يتعارض مع قطع الرسول صلى الله عليه وسلم النخل وجعله قبلة للمسجد؛ لأن النهي محمول على قطع الشجر، الذي أنبته الله مما لا صُنع للآدمي فيه، والنخل الذي قطعه الرسول صلى الله عليه وسلم كان مِلكًا لبني النجار ومن زرْعِهم، وقيل: للنهي عن قطع الشجر الذي يحصل بقطعه الإفساد، فأما من يقصد الإصلاح؛ فلا يُمنع عليه قطع ما كان بتلك الأرض من شجر، وقيل: إن قطع الرسول صلى الله عليه وسلم للنخل كان في أول الهجرة، وحديث التحريم كان بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من خيبر، وهذا أحسن الأوجه.

والغرض من لعنة الملائكة والناس أجمعين بعد لعنة الله تعالى: المبالغة في تهديده وفي استحقاقه للعذاب.

سادسًا: ما يؤخذ من هذا الحديث:

  • جواز لعن أهل المعاصي والفساد، لكن لا دلالة فيه على لعن الفاسق بعينه.
  • أن المحدث والمؤوي للمحدث في الإثم سواء.
  • جواز كتابة العلم.
  • تحريم صيد المدينة وقطع شجرها.
  • أن نقض العهد حرام.
  • رد ما تدعيه الشيعة من أن عليًّا وآل بيته كان عندهم من النبي صلى الله عليه وسلم أمور كثيرة، أعلمهم بها النبي صلى الله عليه وسلم سرًّا، تشتمل على كثير من قواعد الدين وأمور الإمارة، هذا ضلال؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكتم شيئًا، والذي كتبه لعلي هو ما في هذه الصحيفة فقط، وأعلنها عليٌّ على الناس جميعًا كما في هذا الحديث، قال الإمام الشرقاوي: وهذا مسلّم بالنسبة لأحكام الشرع الظاهرة، أما الباطنة كعلوم الحقائق والإسرار الإلهية؛ فلا مانع من أن يُخص علي بشيء حتى يتحقق قوله صلى الله عليه وسلم: “أنا مدينة العلم وعليّ بابها” وفي هذا الكلام نظر، والله أعلم، لكن هناك فهومات فهمها سيدنا علي رضي الله عنه وهذا عطاء الله سبحانه وتعالى يعطيه لمن يشاء.

ما قاله الإمام الشوكاني في تخريج هذه الأحاديث:

يقول: حديث عليّ الثاني رجاله رجال الصحيح، وأصله في (الصحيحين)، وحديث جابر الآخر في إسناده ابن لهيعة وحديثه حسن، وفيه كلام معروف.

قوله: ((ما بين عير إلى ثور)) أما ((عير)) فهو بفتح العين المهملة وإسكان التحتية، وأما ((ثور))؛ فهو بفتح المثلثة وسكون الواو بعدها راء، ومن الرواة من كنّى عنه بكذا، ومن ترك مكانه بياضًا؛ لأن معتقده أن ذكره هنا خطأ، قال المازري قال بعض العلماء: ((ثور)) هنا وهمٌ من الراوي، وإنما ثور بمكة، قال: والصحيح إلى أحد، قال القاضي: كذا قال أبو عبيد: أصل الحديث من عير إلى أحد، لكن سبق أن تحدثنا أن ثور ملاصق لأحد، ورواية ثور صحيحة رواها الخلف عن السلف، وتحدثنا في ذلك سابقًا بالتفصيل.

أما قوله: ((لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها)) قد تقدم تفسير هذه الألفاظ والكلام عليها.

أما قوله: ((إلا لمن أشاد به)) أي: رفع صوته بتعريفها أبدًا لا سنة، ليس المراد تعريفها سنة فقط، وإنما يظل يعرف بها دائمًا، وإلا يتركها ولا يأخذها، يتركها لغيره، ولعله يأتي في اللقطة بكلام أوسع من ذلك.

قوله: ((ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح للقتال)): قال ابن رسلان: هذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة، فإن كان لحاجة جاز؛ كـ: لو حدث اعتداء على المدينة.

قوله: ((ولا يصلح أن يُقطع فيها شجرة)) استُدل بهذا وبما في الأحاديث المذكورة في الباب من تحريم شجرها وخبطه، أي: خضه وإسقاطه، وعضده، وتحريم صيدها وتنفيره، قال بذلك التحريم الشافعي ومالك وأحمد والهادي من علماء الشيعة وجمهور أهل العلم: على أن المدينة حرم كحرم مكة، يحرم صيده وشجره، قال الشافعي ومالك: فإن قتل صيدًا أو قطع شجرة فلا ضمان؛ لأنه ليس بمحل للنسك، فأشبه الحمى، وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: يجب فيه الجزاء كحرم مكة، وبه قال بعض المالكية وهو ظاهر قوله: ((كما حرم إبراهيم مكة))، وذهب أبو حنيفة وزيد بن علي والناصر: إلى أن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة، ولا تثبت له الأحكام من تحريم قتل الصيد وقطع الشجر، والأحاديث ترد عليهم، واستدلوا بحديث: ((يا أبا عمير، ما فعل النغير؟)) وأجيب عنه: بأن ذلك كان قبل تحريم المدينة، أو أنه من صيد الحل.

قوله: ((إلا يعلف رجل بعيره)) فيه دليل على جواز أخذ الأشجار للعلف، لا لغيره، فإنه لا يحل كما سبق ذلك القول.

وقوله: ((ما بين لابتي المدينة)) قال أهل اللغة: اللابتان: الحرتان، واحدتهما لابة، بتخفيف الموحدة وهي الحرة، والحرة: الحجارة السود، وللمدينة لابتان شرقية وغربية وهي بينهما.

قوله: ((وجعل اثني عشر ميلًا…)) إلخ. لفظ مسلم، عن أبي هريرة قال: ((حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة)). قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها.

((وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى)). انتهى. والضمير في قوله ((جعل)) راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما يدل على ذلك اللفظ الذي ذكره المصنف، ويدل عليه أيضًا ما عند أبي داود من حديث عدي بن زيد الجزامي قال: ((حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدًا بريدًا بريدًا))؛ فهذا مثل ما في (الصحيحين)؛ لأن البريد: أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال.

وهذان الحديثان فيهما التصريح بمقدار حرم المدينة.

وقوله: ((أن يُخبط أو يعضد)): الخبط: ضرب الشجر ليسقط ورقه، والعضَد: القطع -كما تقدم- زاد أبو داود في هذا الحديث: ((إلا ما يساق به الجمل)).

قوله: ((ما بين جبليها)) قد ادعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب، لكن هذا كلام مردود.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم)) قال عياض: البركة هنا بمعنى: النماء والزيادة. وقال النووي: الظاهر أن المراد البركة في نفس الكيل من المدينة؛ بحيث يكفي المُد فيها ما لا يكفيه في غيرها.

error: النص محمي !!