Top
Image Alt

حرية الاعتقاد في الإسلام. 4.3

  /  حرية الاعتقاد في الإسلام. 4.3

حرية الاعتقاد في الإسلام. 4.3

   1- تعريف الحرية وبيان أهميتها وضرورتها:
الحرية مصطلح ورد ذكره في كتاب ربنا، وسنة نبنا -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو قبل ذلك مما ورد في معاجم اللغة العربية، فالحر نقيض العبد، والأحرار خيار الناس وأفاضلهم، وحرّ الوجه: ما بدا من الوجنة، والحرة الكريمة من النساء، والحرة أيضًا هي نقيض الأمة، قال جل من قائل: ((إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا)) [آل عمران: 35] أي: جعلته خادمًا يخدم في معتقداتنا، فلفظ الحرّ عُرِف من قبل في الجاهلية وليس هو فقط من المصطلحات الشرعية، وإذا رأينا ورود هذه الكلمة في كتاب ربنا فإنا نجد أن هذه الكلمة وردت كما قال الراغب الأصفهاني في مفرداته على ضربين:

الضرب الأول: من لم يجرِ عليه حكم الشيء، نحو قول الله تعالى: ((الْحُرُّ بِالْحُرِّ)) [البقرة: 178].

والثاني: من لم تتملكه الصفات الذميمة من الحرص والشره على المقتنيات الدنيوية، وإلى العبودية التي تضاد ذلك أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ((تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار)).

والحرية التي وردت في الحديث النبوي الشريف تدور على ما يتعلّق بتحرير العبيد وعتقهم؛ فالمحرِّر هو الذي جعل العبد حرًّا فأعتقه، والمحرَّر هو العبد الذي أعتق، ومن ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في قوله: ((فأنا أبو هريرة المحرر)) أي: المعتق، والحر أحد الأحرار، والأنثى كما قلنا يطلق عليها حرة، وهذا بعض ما ورد في كتاب (النهاية في غريب الحديث) لابن الأثير.

وللحرية معنًى آخر جانبي، وهو ما تحمله من معنًى أخلاقي وقيمي، يتمتع به الإنسان النبيل أو المرأة الشريفة، اللذان لا ينقدان لشهواتيهما، ولا لأوامر نفسيهما، وهذا ما جعل الحرية تأخذ معنًى ذا قيمة سامية، وقد رأينا الحرية ترد عند الأقدمين والسابقين من الأمم، وتطلق على حرية اقتصادية، وأخرى نفسية، ومعنًى آخر قانوني، ومن هذه المعاني التي ينبغي أن نحيط بها في هذا السياق، أنّ الحرية القانونية هي حرية تتعلق بالحقوق الذاتية للفرد؛ كإنسان ومواطن؛ لذلك فهي لا تظهر إلى الوجود القانوني إلّا بتفرعاتها وأوجها العملية، فتصبح عندئذ غير مرتبطة بمعناها المطلق، وإنما هي حريات مختلفة، تظهر بجميع أشكالها، لا بمعنى المفرد، وقد أطلق عليها رجال القانون اسم الحريات العامة أو الحريات السياسية.

ومن هنا تتشعب فروع الحرية على نواحي الحياة، فتظهر إلى حيز الوجود، مثل: حرية العقيدة وحرية العبادة وحرية التفكير وحرية الكتابة والطباعة والنشر، وحرية تأليف الجمعيات والعمل والتجارة، إلى ما هنالك من الحريات المتنوعة، التي أسفرت عنها الحياة المدنية والحضارة الغربية اليوم، منذ أن توالت ثوراتها السياسية، وتعاقبت انقلاباتها الاجتماعية والفكرية.

الحريات العامة لها موقع من حرية العقيدة، وقد درجت كتب القوانين الحديثة على تقسيم الحريات إلى قسمين، فأسمت القسم الأول: حريات تقليدية، تتعلق بالفرد بصفته كائنًا مجردًا، والقسم الثاني جعلتها حقوقًا اقتصادية واجتماعية، وذلك وليد الفكر الحديث، وهي تقرّر هذه الحريات للأفراد بوصفهم أعضاء في جماعة، وهذه بعض التفاصيل:

القسم الأول: ما يسمونه بالحريات التقليدية أو الشخصية:

وتعتبر هذه الحريات لازمة للفرد؛ لإمكان التمتع معها بغيرها من الحريات، فهي شرط وجود لغيرها من الحريات الفردية والسياسية على السواء؛ لذا يعبّر عنها باسم الحريات الفردية، وتتفرع عندهم إلى حرية التنقل وحرية الأمن وحرمة المسكن وحرية المراسلات، هذا وتندرج في هذا القسم أيضًا حريات الفكر أو الحريات الذهنية، وهذه بدورها تتفرع إلى عدة فروع، منها عندهم: حرية العقيدة أو الديانة، وحرية التعليم وحرية الصحافة وحرية المسرح والإذاعة والإعلام، وحرية الاجتماعات، وحرية تكوين الجمعيات، وحرية الرأي، إلى آخر هذه الفروع، التي تمثل حرية العقيدة فيها جزءًا من هذا القسم؛ لأنها تنتمي الحريات الذهنية.

القسم الثاني: الحقوق الاجتماعية والاقتصادية:
ويشمل هذا القسم:
الحقوق الاجتماعية التي تلتزم الدولة بتقديمها للأفراد؛ لرفع مستواهم المادي، ومن أهم هذه الحقوق عندهم: حق العمل، وعلى كل حالٍ، فإن تعريف الحرية سواء ارتبط بالإرادة أم بالعقل، أو كان ذا بعد نفسي أو قانوني، فهي تعني بالجملة عندهم، أن يعمل الإنسان ما يقدر عليه، وفق ضوابط العقل والخير التي يدَّعونها أو يزعمونها، أمّا حرية العقيدة فهي تشكل جزءًا أساسيًّا في الحياة الإنسانية، وهي أهم مرتكزات الحرية؛ لذلك وضعت تعريفات كثيرة لحرية العقيدة، سوف نتناولها بإذن الله تعالى في المفهوم الغربي، وفي المفهوم الإسلامي.

يعنينا هنا أن الحرية ضرورة، ويعنينا هنا أن نؤكد على أن الحرية الإنسانية بالمعنى الفردي والجماعي والاجتماعي في عُرف الإسلام من هذه الضرورات، وليست فقط من الحقوق اللازمة لتحقيق إنسانية الإنسان، بل إننا لا نغالي إذا قلنا إنّ الإسلام يرى في الحرية الشيء الذي يحقق معنى الحياة للإنسان، فبالحرية يحيى الإنسان حياة حقيقية، وبفقدها يموت حتى لو عاش يأكل ويشرب ويسعى في الأرض كما هو حال الدواب والأنعام.

والذين يتأمّلون باهتمام التحرير التدريجي للأرقّاء الذي صنعه الإسلام في المجتمع الذي ظهر فيه، يدركون بجلاء هذا الإنجاز الذي صنعه الإسلام، الذي جعل من أهمّ مصارف الأموال العامة ومن أهم مصارف الزكاة تحرير الرقاب، فضلًا عن كونه قربة إلى الله تعالى، وعن كونه كفارة لذنوب من يذنب من المسلمين، لقد ظهر الإسلام في مجتمع تعددت فيه جنسيات الأرقاء زنجًا ورومًا وفرسًا، وغير ذلك، وأهم من ذلك تعددت فيه المصادر والروافد التي تمد نهر الرقيق بالمزيد والمزيد من الأرقاء، والتي تجعل هذا النهار دائم الفيضان، فلما جاء الإسلام اتخذ من هذا النظام العبودي ذلك الموقف، الذي يمكن أن نسميه بالموقف الثوري الممكن، الذي يضمن إلغاء الرق ولكن بالتدريج.

لقد وُجِدت الحروب القبلية بمثابة مصدر لا ينتهي من مصادر الاسترقاق، ووجدت تلك الغارات والنّعرات القبلية والفردية كمصدر ثانٍ، ثم إن الفقر المتفشي الذي يلجأ إلى الاستدانة يعتبر مصدرًا ثالثًا، عندما يعجز المدين عن سداد المال الذي استدان، فيكون بذلك عبدًا لمن استدان منه، وكان الربا الذي يفرضه المرابون أضعافًا مضاعفة في مجتمع فقير، اختلت فيه موازين العدل الاجتماعي اختلالًا فاحشًا، كان هذا الربا باعثًا على ازدياد حدة الفقر، الذي يفضي بالبعض إلى السقوط في الرق، أمّا البؤس الذي كان عليه حال هؤلاء الأرقاء، فلقد كان شديدًا وبشعًا.

جاء الإسلام فأغلق تلك المصادر، وأوصد تلك الأبواب، وجفّف تلك الروافد، التي تمد نهر الرقيق بالمزيد والجديد من الأرقّاء، فلم يبقى منها سوى الحرب المشروعة، بل وحتى أرقاء هذا الحرب شرِعَ لهم الفداء سبيلًا لافتكاك رقابهم، وتحصيلًا لحريتهم.

لقد رغّب الإسلام المسلمين في عتق الأرقّاء، بأن جعله قربة يتقربون بها إلى الله، فمن أعتق رقيقًا أعتق الله بكل عضو منه عضو من أعضاء معتقه من النار، والعديد من الذنوب الصغيرة والكثيرة في وقوعها كفارتها عتق رقبة، وقد رأينا أهل الفضل والخير والغنى واليسار، يتسابقون إلى افتكاك الرقاب في الإسلام، فإن الإسلام جعل تحرير الرقاب تشريعًا لمصرفٍ دائم من مصارف الصدقات والزكوات، وهو أيضًا من مصارف بيت المال العام، كما قال الله تعالى: ((إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) (التوبة: 60) فهي فريضة واجبة فرضها الله تعالى في القرآن الكريم، كما كانت إعانته للغامرين على سداد ديونهم، وكذلك تكافله الاجتماعي كان بمثابة السياج الواقي والحامي لعامة الناس من الوقوع في هاوية الاسترقاق.

ولقد بلغ الإسلام أعظم مبلغ في تقديس الحرية الإنسانية، إلى الحدِّ الذي جعل السبيل إلى إدراك وجود الذات الإلهي، هو هذا العقل الإنساني، الذي يتحرّر من سلطان الوهم والخرافة، فيتصل بالله -تبارك وتعالى- خالق هذا الكون، لقد حرر الإسلام سبيل الإيمان من تأثير كل خرافة وكل وهم يسيطر على العقول، فحررها، فجعل للعقل حجية بعد حجية النصوص المقدسة، وهذا يجعل من حرية العقل في الإدراك ما يفضي إلى حرية التدين، ونفي الإكراه على التدين، كما قال الله: ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)) [البقرة: 256] وقال أيضًا: ((قَالَ يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)) (هود: 28) وقال سبحانه: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)) (يونس: 99).

لقد بعث نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- وحدّد هدف التبليغ، وحدّد لنفسه الرسالة، بأن يكون بشيرًا للمؤمنين بالنعيم، ونذيرًا للمشركين بالعذاب، فلم يبعثه الله تعالى جبارًا ولا متسلطًا ولا وكيلًا على أحد، قال جل من قائل: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)) (الأحزاب: 45) وقال: ((فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ)) (الغاشية: 22)، وقال: ((نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)) (ق: 45)، وقال: ((وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)) (الأنعام: 66)، وقال أيضًا: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)) (الأنعام: 107).

وهذا كله يؤكد ويبرهن على هذا المعنى العظيم للحرية في الإسلام، فهي ضرورة إنسانية واجبة، وهي فريضة إلهية، بغيرها لا تتحقق حياة الإنسان كإنسان على الوجه الأكمل، فهي واجبة لتحقيق وصيانة الحياة، التي هي واجبة، ومقدسة؛ إذ ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، وإذا ما علمنا أنّ معنى كون الحرية ضرورة بنظر الإسلام، ليس بمعنى أنها حتمية جبرية، لا فكاك للإنسان معها من أن يكون حرًّا، كما هو مفهومها عند المجبرة أنصار الحتمية في بعض المدارس الفلسفية غير الإسلامية، وإنما معنى الضرورة هنا آتٍ من أنها فريضة إلهية، ومن كونها من التكاليف الواجبة على الإنسان، يستلزم حريته واختياره، لا يلغيهم بالجبر أو الحتمية، وإذا علمنا ذلك زاد تألق إنسانية الإنسان الحر المختار المريد، بهذا المضمون الإسلامي للحرية، زيادة عظمى، إذا هو مارسها ونهض بأداء التكاليف الإلهي له، بأن يكون حرًّا، فمارس حريته وحولها من مجال الفكر النظري إلى عالم الممارسة والتطبيق.

2- معنى حرية الاعتقاد في المفهوم الغربي وفي المفهوم الإسلامي:
معنى حرية الاعتقاد في المفهوم الغربي وفي المفهوم الإسلامي:
لقد رأينا أن المفهوم الغربي يعرّف حرية العقيدة بأنّها حق الأفراد في أن يعتنقوا ما يطيب لهم من المبادئ والعقائد دون تدخّل من الدولة، فهي تستعمل عادة مرادفة للحرية الدينية، وتمتد لتشمل حق إقامة الشعائر الدينية داخل أماكن العبادة وخارجها، وقد استقرّت معظم الدول الغربية على مبدئ فصل الكنيسة عن الدولة؛ ضمانًا لهذه الحرية عندهم، ومنع من مساندة الدول لمذهب ديني دون آخر، وتقرر هذا الفصل في فرنسا عام ألف وتسعمائة وخمسة، كما نص التعديل الدستوري الأول في الولايات المتحدة الأمريكية، غير أن تطبيق هذا الذي قرروه من كَوْن الدولة لا تتبنّى أي مذهب ديني، ولا أي دين تعتبره رسمي، آثار صعوبات كثيرة، ترجع إلى حرص بعض الدول حديثًا على التدخل لتشجيع النشاط الديني؛ حماية للشعوب من التيارات المادية التي كانت تروجها الشيوعية في وقت قريب.

ومن تعريفات حرية العقيدة أنها حق الإنسان بأن يختار الدين الذي يشاء، بل وأن يختار ألّا يكون مؤمنًا بأي دين كان، هذا التعريف عندهم يجعل الإلحاد طرفًا من حرية التدين، فهو يعتبر أن للحرية طرفين؛ الأول حرية الضمير وحرية الإظهار مكنونات الضمير بشكلها الإيجابي، أي: الإيمان وممارسة شعائر الإيمان من جهة، والسلبي، أي: الإلحاد، والإعلان عنه، بشرط ألّا يمس هذا الإعلان شعور الغير من جهة ثانية.

يرى الغربيون أنّ حرية العقيدة لا تكون مصونة إلّا إذا كانت الدولة على الحياد، وهذا ما يسمونه بعلمانية الدولة، وهذا تقسيم منشئه كنسي، وربما كان أصله ما ورد عندهم مما ينقلوا عن المسيح -عليه السلام- في الإنجيل: “أعطِ مال قيصر لقيصر، ومال الله لله”، فالكنيسة قسمت الإنسان الذي لا يمكن تقسيمه إلى جزأين؛ مادي وروحي، فاختصت هي بالروحي، وأعطت المادي للدولة أو للسلطة الزمنية بحسب تعبيرها، لكن الكنيسة لم تسلّم بهذا التقسيم دائمًا، بل أمدت يدها في للعصور الوسطى لتحكم القبض على السلطتين، ومن ثَمّ فتحت محاكم التفتيش، فحجرت على العلماء تحت شعار محاربة الهرطقة الدينية، وبعدها بدأت الدولة تطالب بالحرية الدينية، حتى ظفرت الدولة في فرنسا بالحرية الدينية في ثورتها الكبرى، وانطلقت بعد إذ العلمانية إثر نضال كبير استمرّ قرنًا كاملًا، وكان في قانونها الشهير، الذي صدر في الخامس من كانون الأول سنة ألف تسعمائة وخمسة، وكذلك في أكثر الدول الغربية، بعهود مختلفة؛ كالولايات المتحدة -كما أشرنا- وألمانيا، وغيرها من هذه البلاد.

ثم جاء إعلان الرئيس الأمريكي روزفلت في يناير سنة ألف وتسعمائة وإحدى وأربعين، في رسالة للكونجرس أنه قال: يجب أن تسود العالم حريات أربع: حرية التعبير وحرية العبادة والتحرر من الحاجة والتحرر من الخوف، وقد جمعت في ميثاق الأطلنطي، ومن ثَمّ أصبحت الحرية حقًّا من الحقوق الشخصية التي تنصّ عليها قوانينهم ودساتيرهم، وتسهر دولهم على رعايتها وتحافظ على سلامتها، فهي جزء من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد عبّر عن ذلك في المادة الثامنة عشرة منه، بما يلي:

لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنها بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها، سواء أكان ذلك سرًّا أم جماعة، ثم جاءت المادة التاسعة عشرة من الإعلان المشار إليه، موضحة بدورها المقصود بالحقوق المعنوية للإنسان، وذلك في شقها الآخر والخاص بحرية الرأي والتعبير، مقررة بأنه لكل إنسان الحق في حرية الرأي وحرية التعبير، وهذا الحق يتضمن حرية اعتناق الآراء بغير تدخل، وأن يلتمس ويتلقى وينقل المعلومات والأفكار، من خلال أي وسيلة إعلامية، وبغض النظر عن الحدود السياسية.

فإذا انتقلنا عن الكلام عن موقع حرية العقيدة في الإسلام، فإننا -كما ذكرنا قبل قليل: الحرية ثمرة الأديان السماوية، وهي التعبير الصحيح والجريء للعقيدة، التي تتمكن من القلوب، فلا يؤثر فيها تهديد ولا وعيد، فإن الله -تبارك وتعالى- امتدح فتية الكهف فقال: ((إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا)) (الكهف: 14).

بهذه العزة تبنى الحرية، وينفض عن كاهل حاملها كل طاعة إلّا طاعة الله -تبارك وتعالى، ومن أمر الله تعالى بطاعته، فالفكرة الذائعة الشائعة عندنا: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهي معصية التي تخالَف فيها الأديان؛ لهذا نحن نقرر أنّ الإسلام يربأ بأفراده عن كل شكل ولون من ألوان التقليد والتبعية والعبودية، سواء كانت هذه التبعية لأشخاص سياسية، أو لأشخاص ذات مناصب دينية، فإن كل ما يقهر الفرد على ترك فكره وعقله، تحت ضغوط نفسية أو مادية، يتخلى الإنسان فيها عن حريته، التي تمثل كرامته وقيمة وجوده، لا مجال لها ولا وجود في الإسلام.

فإذا كانت الحرية ثمرة الدين، فلا بد أن تكون -أي الحرية- مطلبًا للنفس الأبية، فليس غاية الإنسان الحصول على المأكل والملبس فحسب، ولكنه لا يطمئن له قرار إلّا إذا بلغت الحرية مجدًا ساميًا، يصعد بالإنسان إلى أن يختلط بكواكب الجوزاء كما قال امرؤ القَيْس:

ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليلًا من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
الحرية في الإسلام -كما قلنا- واجب لا مطلب، واجب فرضه الله على عباده ليكونوا مؤمنين، وبذلك تنغرز في نفسه وفي وجدانه، ويجمل بها حياته، ويعيش معلنًا حريته على رءوس الأشهاد.

فإذا انتقلنا إلى حرية العقيدة في الإسلام، فإننا نلمح أن مفهوم الحرية يدور حول معنى أساسي، وهو ممارسة الإنسان لاختياراته ومراداته دون إكراه، والإسلام دين الفطرة، يحمي في الإنسان حريته واختياره، وأكرم ما يشرف العقل من اختيار هو تبني عقيدة سليمة، وإن قصر عقل الإنسان عن ذلك، فليس لأحد أن يجبره على تبديل هذا المعتقد أو تغييره، ويتبين ذلك من خلال أمور كثيرة، منها:

الأمر الأول: أنّ الواقع التاريخي يشهد أن الإسلام قد دافع عن حرية الاعتقاد، وقد كان حقًّا غاليًا ثمينًا، كافح المسلمون من أجله في بدايات الدعوة في مكة ثلاث عشرة سنة، تحملوا في سبيله المشاق حتى استقرّ الأمر لهم في النهاية، فلما حصل المسلمون على الاستقرار اعترفوا بهذا الحق كاملًا بالنسبة لأصحاب العقائد الأخرى، وتاريخ المسلمين بأثره يخلوا من أي حادثة ثبت فيها أن المسلمين فرضوا دينهم بالقوة والإكراه على رعاياهم من غير المسلمين، أو أنهم اضطهدوا شعوبًا لينطقوا بكلمة أو حرف يتعلّق بالدخول في الدين قهرًا أو قصرًا أو إكراهًا.

الأمر الثاني: أن الإسلام فرض على الجماعات الدينية أن يحترم بعضها الآخر، ومنع أن تنتقص كلّ منها من قدر أئمة الآخرين ومن زعماهم، أو تلحق بهم الإهانة والسب، وما إلى ذلك، وقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على هذا، كما قال الله تعالى: ((وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [العنكبوت: 46] وقد ثبت النهي عن مسبّة الذين يدعون من دون الله؛ لئلّا يفضي هذا إلى الوقوع إلى ما هو أفحش، من سب الله -تبارك وتعالى.

الأمر الثالث: أنّ الإسلام كفل حماية أصحاب العقائد الأخرى، الذين يعيشون في الدولة الإسلامية، وأمر بالإحسان إليهم، كما قال تعالى: ((لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)) [الممتحنة: 8] بل ألزم المسلمين بحماية عقائدهم والدفاع عنهم، فقد أمر المسلمين بالهجرة عند التضييق على معتقداتهم من قِبَل الأعداء، قال سبحانه: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)) (النساء: 97).

إذا أردنا أن نخرج بتعريفٍ لحرية العقيدة في الإسلام، فينبغي أن نستحضر أنّ حرية الاعتقاد في الإسلام تختلف عمّا عليه في الغرب؛ لأن العقيدة تشكل الأساس المتين الذي يقوم عليه المجتمع المسلم، فهي جزء من النظام العام في حق المسلم، أم غير المسلم فله الحق في ممارسة عبادته، واعتناقه المبدأ العقدي الذي يشاء دون إكراه؛ لذلك تكون حرية العقيدة بحق المسلم هي حرية الرأي والمذهب، بشرط ألّا تخرج عن أصل الدين، أما بحق غير المسلم فهي مطلقة، له أن يختار من العقائد ما يشاء، ما دام الأمر لم يدخل في حيّز الفتنة.

ومن هنا قرر الإسلام ضمان حرية المعتقد للأمم التي يضمّها تحت لوائه، فلهم إقامة شرائعهم بإرادة مستقلة، فلا سبيل لأولي الأمر على تعطيل شعيرة من شعائرهم، وإذا انتدبوا مسلمًا للحكم بينهم، حكم بينهم بحكم الله، وأجرى بينهم القسط، قال الله تعالى: : ((وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) (المائدة: 42).

ومن خلال ذلك يمكن أن نقترح تعريفًا لحرية الاعتقاد، فحرية الاعتقاد هي أن يتمتع الإنسان بحق اختياره ما يوصله إليه تفكيره، وتطمئن إليه نفسه من عقيدة أو رأي دون إكراه، مع الأخذ بعين الاعتبار احترام سلامة النظام العام وأمن الأمة.
ومن هنا نلمح تلازمًا بين حرية الرأي والتعبير وحرية العقيدة من جهة أخرى، ومن أجل ذلك، فمن الضروري أن نتبيّن أن حرية الرأي في الإسلام مكفولة، وأنها تتميز باستقلالية الرأي وعدم التبعية، فالإنسان في الإسلام حر في تكوين رأيه، بناء على تفكيره، دونما تبعية أو تقليد لأحد، وله أن يعلن هذا الرأي بالأسلوب الذي يريد، ما دام بعيدًا عن إلحاق الضرر بالمجتمع وسلامته، وقد قال صلى الله عليه وآله: ((لا يكن أحدكم إمعة، يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم، إذا أحسن أن تحسنوا، وإذا أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم)).
وفي هذا السبيل نرى أن الإسلام وفّر الضمانات الكافية لحماية الحرية، وهيأ لها وسائل التعبير وطرق الممارسة، خاصة فيما خاصة فيما يتعلق بتكوين الرأي الآخر، كما نرى إعمالًا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجه اللزوم، فهو أحد المبادئ التي تتفرع عنها حرية الرأي، كما أنه أساس من أسس المجتمع المسلم، قال تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)) [آل عمران: 104].

إذًا فَرَض الإسلام على الإنسان أن يأمر بالخير، وأن يساعد عليه، وأن ينهى عن الشر، وأن يكفّ عنه، فمن رأى شرًّا أو منكرًا فليس عليه أن يحتجّ ضده فقط، بل عليه كذلك أن يمنعه أو يزيله، ولا يصح أن يلتزم الصمت إزاء عدم محاولة وقفه وكفِّه، فهو ذنب يقترفه الإنسان ويكتب عليه؛ لأن واجب المسلمين تطهير المجتمع الإسلامي، ويُعدّ منهم من يقوم بهذا الواجب محتسبًا في أمر عظيم، له أجر وفضل كبير وجزيل، ومن يمنع إنسانًا عن إظهار الحق أو مساندته، فهو بفعله هذا لا يسلبه حقًّا أساسيًّا فقط، بل يعوّقه عن أداء فرض من فروض الله، وواجب من واجباته، ولا بد من المسلم أن يمارس هذا الحق مهما كانت الظروف، من أجل صحة المجتمع وسلامته، وقد ذكر القرآن الكريم أسباب انحطاط بني إسرائيل، وكان من بينها أنهم كما قال تعالى: ((كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ)) [المائدة: 79].

3- حرية الفرد وحرية المجتمع في الإسلام: تعتبر حرية المجتمع نتيجة طبيعية لحرية التعبير، فقد أوضح الإسلام أنّ الاختلاف في الآراء يعتبر حقيقةً ملازمة لحياة الإنسان الاجتماعية؛ حيث نجد هناك فروقًا بين التصورات العقلية لمفاهيم إنسانية مثل الخير والمعروف والمنكر، وهذا يعطي مجالًا واسعًا لظهور مدارس فكرية واجتماعية، وظهور أحزاب مختلفة، وآراء متعددة في السياسية والقانون والفقه، ويبدو هذا من ظاهر الآية الكريمة التي فيها قول الله: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)) [آل عمران: 104].

والسؤال المطروح: ما مدى الحق الذي تتمتع به الجماعات المختلفة فيما بينها في وجهات النظر؟ وما مجال الممارسة المسموحة لهذا الحق في ظل النظام الإسلامي العام وميثاقه الخاص لحقوق الإنسان؟

لقد ظهرت مثل هذه الحالات في حياة النبي -صلى الله عليه وآله، لكنها لم تصل إلى حد التنافر، وذلك لوجوده -صلى الله عليه وآله وسلم- وظهرت في عهد الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم، وأجلى صورها كان على عهد علي -رضي الله عنه، حين ظهرت الخوارج، فاعترف لهم بحق في حرية الاجتماع، وكان فحوى كلامه: إنكم أحرار طالما لم تجردوا سيوفكم لتفرضوا نظركم على الآخرين، فحرية جماعات مطلقة في التعبير عن آرائها وأفكارها، دون أن تكره على خلافها، ودون أن تكره غيرها على ما تتبناه من أراء وأفكار، وتفتح باب الحوار مع الآخرين؛ لتلزم الناس الحجة إن استطاعت، هذا على مستوى الجماعات في المجتمع.

أما الفرد: فإن المطلوب منه أن يستمتع بحريته وفق ما تقتضيه مصلحة المجتمع العليا؛ إذ لا تستقيم حياة يذهب فيها كل فرد إلى الاستمتاع بحريته المطلقة إلى غير حد، فإن هذا الشعور كفيل بأن يحطم المجتمع كما يحطم الفرد ذاته، فللمجتمع مصلحة عليا، لا بد أن تنتهي عندها حرية الأفراد، وللفرد مصلحة خاصة، في أن يقف عند حدود معينة في استمتاعه بحريته، وهذا يفرض أن تكون للحرية شروط، فالحرية شرف نفس يزكّي قويتها، ويطهر نواياها من قصد الاعتداء على ما ليس لها، فالتزم مهمتها إلّا إلى شهامة قاطن، وإلى قوة، وإلى أنفة من الضيم والاضطهاد، فغاية الحرية أن يتقدم الإنسان، وأن يرتفع الإنسان، فإذا انحرفت عن غايتها في تحقيق إنسانية الإنسان، أصبحت معول هدم وتخريب، ومن الواجب أن تتميز الحرية في موضوعها بأمور، منها ما نذكره الآن:

الأمر الأول: لا تسلَب حرية إنسان في الإسلام، مادام ضمن الحدود المعتبرة في مصلحة المجتمع، فإذا تجاوز تلك الحدود كانت المحاسبة بالعدل والإنصاف.

الأمر الثاني: تبصير الإنسان بحقوقه وواجباته، فإذا جهل الإنسان حقوق الحياة الاجتماعية ونواميسها، يبقى ضيق الأفق مقيّد السواعد عن التصرف حسب إرادته واختياره، حتى يستضيء بها خبرة ويقتلها علمًا؛ إذ لا يأمنُ أن تطيش أفعاله عن رسوم الحكمة والسداد، فيقع في خطيئة تحدث في نظام تلك الحياة، أو تحدِث في نظام هذه الحياة الفساد والعلل.

الأمر الثالث: أن تمارس الحرية في نطاق المصلحة العامة، ولا تستخدم لهدم أسس أو دعائم من دعائم النظام الإسلامي العام، بإعلان آراءٍ أو نظرات هدامة، وإشاعة أفكار ساقطة، أو وجهات نظر مغرضة؛ لإشاعة الشك والبلبلة بين المسلمين، وهي مقيدة كذلك بقيد عدم الإساءة إلى الحقوق المسلمين، أو المساس بأعراضهم وشرفهم، وإفشاء أسرارهم، أو نشر الفاحش من القول والبذيء من الكلام، قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)) [النور: 19].

الأمر الرابع: أن الحرية تقوم على قاعدتين عظيمتين هما: المشورة والمساواة، فبالمشورة تتميز الحقوق، وبالمساواة ينتظم إجراؤها ويطرد نفاذها، والإسلام يمنحها في أدق معانيها، ولكنه لا يتركها فوضى، فللمجتمع حسابه، وللإنسانية اعتبارها، وللأهداف العليا للدين قيمتها.

الأمر الخامس: تكافل الفرد والمجتمع ضمن مفهوم الحرية؛ لذلك يقرّر الإسلام مبدأ التبعية الفردية في مقابل الحرية الفردية، ويقرر إلى جانبها التبعة الجماعية بتكاليفها، سواء أكانت ممارسة الفرد لحريته منفردة، أم تابعة لجماعة قائمة في المجتمع، فالكل مكلّف أن يرعى مصالح المجتمع وكأنه حارس لها، موكل بها، والحياة تشبه السفينة، الراكبون فيها مسئولون عن سلامتها، وليس لأحد منهم أن يخرق موضعه منها باسم الحرية، وقد قال -صلى الله عليه وآله وسلم: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا في سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أن خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا)).

فالخلاصة إذن: الحرية ليست مطلقة، فليس في العالم من الوجهة العملية حرية بهذا المعنى، فإذا نظرنا نظرة كونية في العالم من حولنا أو من أمامنا، فإننا لا نجد حرية مطلقة، بل كل حرية مقيدة إلى حدٍّ ما، والحرية المطلقة هذه مسألة نظرية -أي مثالية- غير واقعية، الحريات لها حدود، وأي نظام في الدنيا لا بد وأن يقيد الحرية بشيء ما، حتى هذه النظم التي تسمّى بالديمقراطية لا تعطي الحرية بهذا المعنى، ولو أعطتها، لكان معناها أن يهدم النظام نفسه بنفسه، ولذلك هناك في كل الأنظمة أسس معينة، تعتبر هي الدعائم التي يقوم عليها المجتمع، وتقوم عليها فلسفته في الحياة ونظرته إلى الوجود وإلى التاريخ، وهذه الفلسفة وهذه الأسس العقدية والأخلاقية والفكرية والاجتماعية، لا يجيز المجتمع لأحد أن يعتدي عليها، فإذا اعتدى عليها أحد، هو يعتدي أسس كيانه المعنوي، ويمكّن من هدم المجتمع؛ لذا تظل هناك أشياء في ظل المجتمع خارج دائرة الحرية، لا يبيح لك أي نظام كان أن تهدم نظامه.

والإسلام نظام متكامل، يريد من البشرية أن تسير إلى شاطئ الأمان، دون استغلال أو ظلم للفرد أو للمجتمع؛ لذلك تمارس الحرية في نظامه، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع المعنيين بهذه الحرية، أما بالنسبة لحرية العقيدة، فهو أول من فتح بابها في تاريخ التشريع قديمًا وحديثًا، وهي مكفولة ضمن المصلحة العليا، التي تقتضيها الإنسانية ويقتضيها المجتمع الإسلامي.


4- مسالك القرآن في تقرير حرية الاعتقاد:
إننا حين نتحدث عن الحقوق الدينية للإنسان، سوف نتحدث عن حقّ حرية الاعتقاد، وحق الدفاع عن العقيدة، وعن عقوبة المرتد، وهل تنافي حرية الاعتقاد أم لا، أمّا ما يتعلق بحق حرية الاعتقاد، فقد بينا أن الإسلام جعل الإنسان حرًّا في معتقده، فلا يكون لغيره الحق في أن يكرهه على عقيدة معينة، ولا على أن يغيّر ما يعتقده بوسيلة من وسائل الإكراه، وقد عني القرآن الكريم بإرساء هذا الحق للإنسان، سالكًا في هذا عدة مسالك:

المسلك الأول: نفي الإكراه في الدين، ذلك أن الله تعالى لما مميز الإنسان بالتكليف والاختيار، اقتضى أن يترك الناس وشأنهم فيما يختص بأمر الاعتقاد؛ كي يتفاوتوا فيما بينهم في مدارك الارتقاء، ويحدث هذا التنوع الذي هو سنة من سنن الله، أقام عليها هذا العالم، كما قال سبحانه: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)) (هود: 118، 119).

يقول الشيخ رشيد رضا -رحمه الله تعالى- في شرح هذه الآية: “بيان سنة الله تعالى في اختلاف الأمم في الدين، كاختلافهم في التكوين والعقول والفهوم، فقوله: ((لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً)) قال قتادة: أي مسلمين كلهم، وذلك بحملهم على دين واحد؛ بحيث لو راموا غيره لما استطاعوا، وما كان ذلك ينافي التكليف، قال سبحانه: ((وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين)) قال الطبري: أي مختلفين على أديان وأهواء وملل شتى، إلّا من رحم الله، فآمن بالله وصدق برسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله وفي تصديق رسله، ولمّا كان اختلاف الأمم في الدين أو حرية الاعتقاد سنة من سنن الله تعالى، التي قضى بها، جاء القرآن الكريم بما يحدّد وظيفة صاحب الرسالة، إنها لا تعدو البلاغ، وما يقتضيه من ترغيب وترهيب، قال سبحانه: ((إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)) [الرعد: 7] وقال: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)) [سبأ: 28] وقال: ((إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)) [الشورى: 48] وقال: ((فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ)) (الغاشية: 22).

هذا هو منهج الأنبياء جميعًا، كما يتضح في قول نوح -عليه السلام: ((قَالَ يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)) (هود: 28) المعنى: أخبروني إن كنت على حجة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي، إلا أنها خفيت عليكم، أيمكننا أن نضطركم إلى العلم بها، والحال أنكم كارهون لها، غير متدبرين فيها، إن ذلك لا يقدر عليه إلّا الله عز وجل، فنوح -عليه السلام- ينفي عن نفسه إكراه القوم، أو حمل الناس على اعتقاد بعينه؛ إذ ليس هذا من سلطانه، ولا من سلطان أحد من الأنبياء، يتأكد هذا المعنى في قول الله تعالى على لسان نبيه هود -عليه السلام: ((قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ)) [الأعراف: 67، 68] وقال شعيب: ((وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)) [هود: 86] وقال: ((إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ)) [هود: 88].

والإسلام الذي هو خاتمة الرسالات، نجد أن القرآن الكريم قد أتى فيه بقاعدة كبرى في سبيل تأسيس حرية الاعتقاد، وهي قول الله تعالى: ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)) [البقرة: 256] الآية تلزم الناس بأمرين:

الأول: أن يحترم كل أحد حق الغير في أن يعتقد ما يشاء؛ لأنه لا إكراه في الدين، ومن ثَمّ جاء القرآن الكريم، وجاءت السنة المطهرة بتفصيلات كثيرة تتعلق بحماية هذا الحق.
والأمر الثاني: أنه على الغير أن يحترم ما اعتقد، فلا يكرهني على التخلي عن ديني، وإلا أصبح من حقي أن أدافع عن عقيدتي بكل ما أملك؛ لذا كان تشريع القتال في سبيل الله دفاعًا عن العقيدة.

المسلك الثاني: تحرير العقل من سلطة التقليد:
ذمّ الإسلام التقليد وأهله؛ لأنهم أعداء العقل الإنساني، وهو الجو الذي تعشش فيه الخرافة، وينتشر فيه الدجل، وتظهر فيه الشعوذة، وكل ما يجد له سوقًا رائجة، إنما يجد ذلك في غيبة العقل، وإذا كان التقليد الذي يغيب معه العقل مذمومًا في كل حال، فهو في أمر العقائدي أشد ذمًّا، ومن هنا نعى القرآن الكريم على أثر التقليد، فقال: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)) (البقرة: 170) ((وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)) (البقرة: 171).

وهذا فيه دليل على أهمية النظر والاستدلال العقلي، وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل، والآية صريحة في ذم التقليد وتقبيح حال المقلدين من غير تدبر ولا نظر، ويشبه ذلك قول الله: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ)) (لقمان: 21) وقد تقود الرغبة في التقليد الأعمى صاحبها إلى محض الافتراء والكذب على الله ونعته سبحانه بما لا يليق كما هو حال وصفهم بقوله: ((وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ)) (الأعراف: 29).

الفاحشة هي كل ما يبالغ في فحشه وقبحه، وأكثر المفسرين على أنّ المراد هنا طواف بالبيت حال كونهم عراء، وقيل: هي الشرك، والمعنى أنهم إذا فعلوا ذنبًا قبيحًا اعتذروا عنه بعذرين:
الأول: أنهم فعلوا ذلك اقتضاء بآبائهم، وتقليدًا لما وجدوهم مستمرين عليه من فعل تلك الفاحشة.
والثاني: أنهم مأمورون بذلك من جهة الله سبحانه وتعالى، وكلا العذرين في غاية الفساد والبطلان؛ لأن وجود آباءهم على القبح لا يسوّغ لهم فعله، بل ذلك محض تقليد باطل، والأمر من الله لهم لم يكن بالفحشاء؛ لذا ردّ الله عليهم ((قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ)) [الأعراف: 29] فإذا كانت الفاحشة اسمًا جامعا للقبائح والسيئات، فالقسط اسم جامع لجميع الخيرات.

والقرآن الكريم حين يعلنها حربًا على التقليد والمقلدين، ويدينهم في المواقف الرجعية تجاه كل جديد، ولو كان أجدى وأنفع، إنما يهدف إلى تحرير العقل من كل غلٍّ ومن كل سلطان، لا سيما غل التقليد وسلطان التحجر والتخلف، وظهور الألف والعادة، وكل الأمور التي يتجاوزها الزمن، لا سيما إذا كان هذا الإنسان إنما اعتقد اعتقادًا باطلًا تبعًا لآبائه وأسلافه.

إنّ الإسلام لا يريد إيمانًا لا يتجاوز كلمةً تقال باللسان، ولكنه يريد عقيدة حرة، ينعقد عليها القلب بعد أن يطمئن إليها العقل؛ لذا كانت هذه الحرب الضارية على التقليد والمقلدين في القرآن الكريم.

المسلك الثالث: عدم قبول الإيمان إلّا من قلب مطمئن به:
لقد حارب القرآن التقليد والمقلدين، ونفى الإكراه في الدين؛ ليصل بأتباعه إلى عقيدة صافية نابعة من قلب مطمئن بها، وليس من قبيل المصادفة أن يكون قوله تعالى: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)) (العلق: 1) هو أول ما نزل من الوحي، فالقراءة هي سبيل العلم، وبالعلم تأتي القناعة ويأتي اليقين، قد أرشدنا القرآن إلى طريقين بهما يتحصل العلم الذي يقود إلى الإيمان:

الأول: النظر في كتاب الله المنظور، الذي هو الكون، بما فيه من مخلوقات وعجائب.
والأمر الثاني: النظر في كتاب الله المستور، الذي هو الوحي، الذي تحدى به الإنس والجن، فعجزوا عن يأتوا بسورة من مثله.

والعقل والنقل في شريعتنا متآزران متعاضدان، وهو ما عبّر عنه بعض العلماء بقوله: فالداعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل، والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور، فإياك أن تكون من أحد الفريقين، وكن جامعًا بين الأصلين، فإن العلوم العقلية كالأغذية، والعلوم الشريعة كالأدوية.

والإسلام إذ يبوء العقل هذه المنزلة ويستنفره للتأمل والنظر، إنما يصنع أمرًا عجبًا لم تعهده البشرية من قبل، وهي التي عانت طويلًا من ذاك الحجاب الكثيف بين العقل والنقل، والخصومة الحادة بينهما، تحت قداسة النقل، واستغلاقه على الفهم إلّا لطائفة بعينها، أما عندنا فالنقل كتاب مفتوح، والنظر فيه فريضة وضرورة شرعية، حتى يتحرر العقل تمامًا من كل ما يحجزه عن الفهم وصولًا إلى عقيدة نابعة من قلب مطمئن بها غاية الاطمئنان.

error: النص محمي !!