Top
Image Alt

حضور النساء المساجد، وتخفيف الإمام ومتابعته

  /  حضور النساء المساجد، وتخفيف الإمام ومتابعته

حضور النساء المساجد، وتخفيف الإمام ومتابعته

الحديث الأول:

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أستأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن)) رواه الجماعة إلّا ابن ماجه، وفي لفظ: ((لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خيرٌ لهن)) رواه أحمد وأبو داود.

وعن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفِلات)) رواه أحمد وأبو داود.

 قوله: ((إذا استأذنكم نساؤكم بالليل)) لم يذكر أكثر الرواة: ((بالليل)) كذا أخرجه مسلم وغيره، وخُصّ الليل بالذكر لما فيه من الستر بالظلمة، قال النووي: واستدل به على أنّ المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلّا بإذنه لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن ذلك إذا كان أخذًا بالمفهوم فهو ضعيف، لكنّ يتقوى بأن يقال: إن منع الرجال نساءهم أمر متقرر، وإنّما علق الحكم بالمسجد لبيان محل الجواز؛ فبقي ما عداه على المنع، وفيه إشارة إلى أنّ الإذن المذكور لغير الوجوب؛ لأنّه لو كان واجبًا لا يبقى معنًى للاستئذان؛ لأنّ ذلك إنّما هو متحقق إذا كان المستأذن مجيزًا في الإجابة والرّد، أو يُقال: إذا كان الإذن لهن فيما ليس بواجب حقًّا على الأزواج، فالإذن لهن فيما هو واجب من باب الأولى.

 قوله: ((لا تمنعوا النساء)) مقتضى هذا النهي أن منع النساء من الخروج إلى المساجد مطلقًا إمّا في كل الأزمان كما في هذه الرواية، وكما في حديث أبي هريرة، أو مقيدًا بالليل -كما تقدم- أو مقيدًا بالغلس، كما في بعض الأحاديث يكون محرمًا على الأزواج، وقال النووي: إنّ النهي محمولٌ على التنزيه، وسيأتي الخلاف في ذلك. قوله: ((وبيوتهن خيرٌ لهن)) أي: صلاتهم في بيوتهن خيرٌ لهن من صلاتهن في المساجد لو علمن ذلك، لكنّهن لمْ يعملن فيسألن الخروج إلى الجماعة يعتقدن أن أجرهن في المساجد أكثر، ووجه كون صلاتهن في البيوت أفضل؛ للأمان من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة، ومن ثم قالت عائشة ما قالت.

قوله: ((إماء الله)) بكسر الهمزة أو المد جمع أمة، وقوله عائشة رضي الله عنها قالت: “لو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى من النساء ما رأينا لمنعهن من المسجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها، قلت لعمرة: أومنعت بنو إسرائيل نساءها؟ قالت: “نعم” وسيأتي الحديث قريبّا إن شاء الله.

قوله: ((وليخرجن تفِلات)) بفتح التاء المثناه وكسر الفاء أي: غير متطيبات؛ يقال: امرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح، كذا قال ابن عبد البر وغيره. وإنّما أُمرْن بذلك ونهين عن التطيب -كما في رواية مسلم عن زينب امرأة ابن مسعود- لئلا يحركن الرجال بطيبهن، ويلحق بالطيب ما في معناه من المحركات لداعي الشهوة كحسن الملبس، والتحلي، والتبرج بالزينة.

وفرق كثير من الفقهاء المالكية، وغيرهم بين الشابة وغيرها، وفيه نظر؛ لأنّها إذا عرت مما ذكر، وكانت مستترة حصل الأمن عليها، ولا سيما إذا كان ذلك بالليل، وقد ذكر مسلم في هذا الحديث قصة عندما أخرج الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل)) فقال ابن لعبد الله بن عمر: لا ندعهن يخرجن فيتخذنه دغلًا. قال: فزجره ابن عمر، وقال: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: “لا ندعهن”، وفي رواية عن ابن عمر أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد)) فقال ابن له يقال له واقد: إذا يتخذنه دغلًا، قال: فضرب في صدره، وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: لا.

وجاء في بعض الروايات: أن ابن عمر سبَّ ابنه سبًّا شديدًا ما سبَّ مثله قبل ذلك؛ لأنّه اعتراض على خروج النساء بعد أن ذُكِّر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله: “دغلًا” أي: الدغل هو: الشجر الملتف، وهو كناية عن المخادعة؛ لأنّ المخادع يلف ما في ضميره فيضمر شيئًا، ويريد شيئًا آخر، فمعني ذلك: أنّ ابنَ ابنِ عمر وهو واقد، يقول لأبيه: إنّ النساء ربّما أردن الخروج إلى شيء غير المسجد، ويتحججن بالخروج إلى المسجد.

الحديث الثاني:

عن يحيى بن سعيد عن عَمرة عن عائشة قالت: “لو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى من النساء ما رأينا لمنعهن من المسجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها، قلت لعمرة: ومنعت بنو إسرائيل نساءها قالت: نعم” متفق عليه.

قوله: “رأى من النساء ما رأينا لمنعهن” يعني: من حسن الملابس والطيب والزينة والتبرج، وقد تمسك بعضهم في منع النساء من المساجد مطلقًا بقول عائشة، وفيه نظر؛ إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم؛ لأنّها علقته على شرط لم يوجد في زمانه صلى الله عليه وسلم بل قالت ذلك بناء على ظنّ ظنّته، فقالت: لو رأى لمنع، فيقال: لمْ ير، ولمْ يمنع وظنّها ليس بحجه.

قوله: “كما منعت بنو إسرائيل نساءها” هذا وإن كان موقوفًا فحكمه حكم المرفوع؛ لأنّه لا يُقال بالرأي، وقد قلنا قبل ذلك: إن قول الصحابي إذا قال كلامًا لا يُقال من قبل الرأي فحكمه حكم المرفوع بشرط: ألّا يكون الصحابي معروفًا بالأخذ عن الإسرائيليات فيما له صلة بأهل الكتاب.

وقال العيني: إنّ الإذن المذكور غير واجب؛ لأنّه لو كان واجبًا لانتفى معنى الاستئذان؛ لأنّ ذلك إنّما يتحقق إذا كان المستأذن مخيرًا في الإجابة أو الرّد، ومعنى هذا: أنّه يكره للزوج أن يمنع زوجته من الخروج للصلاة في المسجد إذا استوفيت الشروط المذكورة، ولا يُحرم عليه منعها حتى مع استيفاء هذه الشروط، وله أن يمنعها بدون كراهة إذا ظنّ اختلال شرط مما ذكر، فإن تحقق الاختلال وجب عليه منعها. وهذا واجب الزوج.

أمّا واجب الزوجة: فينبغي أن يكون حرصها على صيانة سمعتها وعِرضها فوق حرصها على حضور المساجد، ولتعلم أن شهودها الجماعة في المساجد لا يزيد في ثوابها عن صلاتها في منزلها، فقد ورد في بعض طرق هذا الحديث ما يدل على أنّ صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، ولفظه: ((لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن)) أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة، ولأحمد والطبراني من حديث أمّ حُميد الساعدية: ((أنّها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إنّي أحبّ الصلاة معك، قال: قد علمت، وصلاتك في بيتك -أي: في مخدعك ومكان نومك- خير من صلاتك في الحجرة، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة)).

باب ما يؤمر به الإمام من التخفيف:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء)) رواه الجماعة إلا ابن ماجه، لكنه له من حديث عثمان بن أبي العاص.

وعن أنس قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر الصلاة ويكملها)) وفي رواية: ((ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم)) متفق عليهما.

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّي لأدخل في الصلاة، وأن أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائِهِ)) رواه الجماعة إلّا أبا داود والنسائي، لكنه لهما من حديث أبي قتادة.

ولقد غضب صلى الله عليه وسلم على معاذ حين طوَّلَ القراءةَ على المأمومين -كما سيأتي- واستفتح بسورة البقرة فعنفه، وحذره من مثل ذلك؛ لئلا ينصرف الناس عن الإسلام وصلاة الجماعة، ولعل أئمة لم يعلموا بقصته؛ فطولوا في صلاتهم؛ رغبة في زيادة الثواب، أو لعلهم ظنوا أن الصبح غير العشاء، فالعشاء يحتاج أهله للنوم، أمّا الصبح فقد شبعوا من النوم، واستقبلوا الحركة والحياة لكثير من النشاط والرغبة في الخير، وكان من هؤلاء الأئمة أُبي بن كعب في مسجد قباء، وشكا الشاكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنّي ضعيف لا أقوى على صلاة الصبح جماعة مع أُبي؛ لأنّه يُطيل القراءة؛ فأضطر إلى التخلف عن صلاة الجماعة، وأصلي منفردًا، أو أتشاغل ببعض مصالحي حتى يقطع شوطًا من قراءته، ثم أحاول اللحاق به فلا أكاد أدرك الصلاة، فغضب صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا، ودعا أُبي بن كعب، ودعا جمعًا من الأئمة وقال: “أيها الناس إن منكم منفرين ينفرون الناس عن صلاة الجماعة بطول القراءة إذا ما قام أحدكم إمامًا للناس فليخفف، فإن من ورائه يصلي الصغير، والكبير، والضعيف، والمريض، والحامل، والمرضع، وابن السبيل، وذو الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليصلِّ ويطول في صلاته ما شاء، أيّها الناس، إنّني لا أراعى المرضى والضعفاء فحسب بل أراعي أحاسيس من خلفي ومشاغلهم، إنّني أدخل في الصلاة، وأنا أنوي وأريد أن أطول في صلاتي فأسمع بكاء الطفل فأقدر انشغال أمه ببكائه، وحرصها على سرعة لقائه واحتضانه، فأقرأ بالسورة القصيرة وأخفف من صلاتي من أجل الصبي وأمه، أفلا تقدرون أن خلفكم المريض والمسن والضعيف وذي الحاجة أيّها الناس، يسروا ولا تعسروا (كل هذا من هديه صلى الله عليه وسلم) وخففوا، ولا تطولوا مع المحافظة على أركان الصلاة وسنتها”.

واستجاب الصحابة رضي الله عنهم فكان عبد الرحمن بن عوف يقرأ بأقصر سورتين في القرآن: “إنا أعطيناك الكوثر” “إذا جاء نصر الله والفتح” واقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه أنس بن مالك: ((كان صلى الله عليه وسلم من أخف الناس صلاة في تمام، وما صليت وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتم صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم)).

وقوله: ((فليخفِّف)) قال ابن دقيق العيد: “التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفًا بالنسبة إلى عادة قوم طويلًا بالنسبة إلى عادة آخرين. قال: وقول الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات لا يخالف ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه كان يزيد على ذلك؛ لأنّ رغبة الصحابة في الخير لا تقتضي أن يكون ذلك تطويلًا”.

قوله: ((فإنّ فيهم)) في رواية للبخاري: ((فإنّ منهم)) وفي رواية: ((فإن خلفه)) وهو تعليل للأمر بالتخفيف أي: أنّ سبب التخفيف أنّ الإمام خلفه المريض والسقيم وذا الحاجة، ومقتضاه: أنّه متى لمْ يكن فيهم من يتصف بإحدى الصفات المذكورات لمْ يضر التطويل، ويرد عليه أنّه يمكن أن يجيء من يتصف بأحدهم بعد الدخول في الصلاة يعني: أنّ الإمام دخل في الصلاة، ونظر في المأمومين فلمْ يجد فيهم الضعيف ولا السقيم، لكن ما الذي أدراه أنه بعد دخوله في الصلاة يأتي أحدٌ من هذه الأصناف.

قوله: ((فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير)) المراد بالضعيف هنا: ضعيف الخِلقة، وبالسقيم: من به مرض، وفي رواية للبخاري فإن منهم: ((المريض والضعيف)) والمراد بالضعيف في هذه الرواية ضعيف الخِلقة بلا شك؛ لأنّه لو كان المراد به المريض ما عطفه على المريض، وفي رواية للبخاري أيضًا عن ابن مسعود: ((فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة)) وكذلك في رواية أخرى له من حديثه -يعني: حديث ابن مسعود- والمراد بالضعيف في هاتين الروايتين لابن مسعود: المريض، ويصح أن يراد من فيه ضعف وهو أعم من الحاصل بالمرض، أو بنقصان الخِلقة، وزاد مسلم من وجه أخر في حديث أبي هريرة ((والصغير))، وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص ((والحامل والمرضعة))، وله من حديث عدي بن حاتم ((وعابر السبيل)).

قوله: ((فليطول ما شاء)) ولمسلم: ((فليصل كيف شاء)) أي: مخففًا أو مطولًا، واستدلوا بذلك على جواز إطالة القراءة، ولو خرج الوقت -يعني: خرج وقت الصلاة- وهو المصحح عند بعض الشافعية. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر؛ لأنّه يعارضه عموم قوله في حديث أبي قتادة: ((إنّما التفريط أن تأخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى)) أخرجه مسلم، وإذا تعارض مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل، ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كان مراعاة ترك المفسدة أولى، واستدل بعمومه أيضًا على جواز تطويل الاعتدال من الركوع وبين السجدتين.

قوله: ((لكنّه له)) من حديث عثمان بن أبي العاص في إسناده محمد بن عبد الله القاضي ضعفه الجمهور، ووثقه ابن مَعين وابن سعد، وقد أخرج حديث عثمان المذكور مسلم في صحيحه.

قوله: ((يؤخر الصلاة ويكملها)) فيه أن مشروعية التخفيف لا تستلزم أن تبلغ إلى حدٍّ يكون بسببه عدم تمام أركان الصلاة وقراءتها، وأن من سلك طريق النبيصلى الله عليه وسلم في الإيجاز والإتمام لا يشتكى منه تطويل.

وقوله: ((إني لأدخل في الصلاة)) في رواية للبخاري: ((إني لأقوم في الصلاة)) يعني: دخلت في الصلاة فعلًا.

وقوله: ((وأنا أريد إطالتها)) يعني: أريد أن أطول في القراءة، وفي الدعاء سواء كان ذلك في السجود أو في الركوع، وفيه: أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحب لا يجب عليه الوفاء به خلاف لأشهب.

قوله: ((فأسمع بكاء الصبي)) فيه جواز إدخال الصبيان المساجد، وإن كان الأولى تنزيه المساجد عمّن لا يؤمن حدثه فيها لحديث: ((جنبوا مساجدكم الصبيان)).

قوله: ((فأتجوز)) الإيجاز: التقليل والتخفيف وهو ضد الإطناب، والمعنى: أقلل وأخفف في الصلاة بعد نية الإطالة، وفيه دليل على مشروعية الرفق بالمأمومين، وسائر الأتباع، ومراعاة مصالحهم، ودفع ما يشق عليهم، وإن كانت المشقة يسيرة وإيثار تخفيف الصلاة للأمر يحدث أي: أمر عارض يحدث، فعندما طعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاة الفجر طعنه أبو لؤلؤة المجوسي أمسك عمر رضي الله عنه بيد عبد الرحمن بن عوف، وقدمه للصلاة، فصلى عبد الرحمن صلاة خفيفة بأقصر سورتين في القرآن.

قوله: ((لكنه لهما)) من حديث أبي قتادة، وهو في ( صحيح البخاري)، ولفظه: ((إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه)) وأحاديث الباب تدل على مشروعية التخفيف للأئمة، وترك التطويل للعلل المذكورة من الضعف والمرض والكبر والحاجة، واشتغال خاطر أمّ الصبي ببكائه، ويلحق بها ما كان فيه معناها.

باب إطالة الإمام الركعة الأولى، وانتظار من أحس به داخلًا ليدرك الركعة:

عن أبي سعيد قال: ((لقد كانت الصلاة تُقام فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته ثم يتوضأ، ثم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطولها)) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والنسائي.

وعن محمد بن جحادة عن رجل عن عبد الله بن أبي أوفى: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم)) رواه أحمد وأبو داود.

قوله: ((عن أبي سعيد)) يعني: أبا سعيد الخُدري رضي الله عنه.

قوله: ((لقد كانت الصلاة تقام)) وفي رواية عند مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه: ((لقد كانت صلاة الظهر تقام)) ففهم أنّ الصلاة المقصودة والتي يطول فيه النبيصلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، والحكمة في إطالة صلاة الظهر، وكذلك صلاة الصبح: لأنّهما وقت غفلة النوم آخر الليل والقيلولة فيطولهما صلى الله عليه وسلم ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها، وكان صلى الله عليه وسلم يُطيل الركعة الأولى عن الثانية في صلاة الظهر ليتمكن الغافل والمتأخر من اللحاق به، مستفيد بنشاط المصلين في أول الصلاة لدرجة أن غير المتوضئ كان يمكن بعد إقامة الصلاة أن يذهب إلى مكان التغوط في خارج المباني فيقضي حاجته، ثم يعود إلى أهله فيتوضأ، ثم يدرك الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مازال في الركعة الأولى.

قوله: ((فيذهب الذاهب)) يعني: من يريد الذهاب إلى الغائض.

قوله إلى: ((البقيع)) البقيع: صحراء قريبة من المسجد النبوي، وكانوا يتبولون، ويتغوطون عندها، حيث لم تكنْ هناك دورات مياه، وفي هذه الصحراء مقابر أهل المدينة.

قوله: ((فيقضي حاجته)) يعني: من البول أو الغائط أو منهما.

قوله: ((ثم يتوضأ)) يعني: يذهب إلى أهله فيتوضأ.

قوله: ((مما يطولها)) يعني: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركعة الأولى من صلاة الظهر، وقد ذكرنا الحكمة من ذلك.

وقد استدل القائلون بمشروعية تطويل الركعة الأولى لانتظار الداخل ليدرك فضيلة الجماعة بحديث أبي قتادة: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأمّ الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، ويسمعنا الآية أحيانًا، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطيل في الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح قال: فظننا أنّه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى)).

قال العلماء: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تختلف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال، فإذا كان المأمون يؤثرون التطويل، ولا شغل هناك له ولا لهم طول، وإذا لم يكن كذلك خفف، وقد يريد الإطالة ثم يعرض ما يقتضي التخفيف كبكاء الصبي ونحوه، وينضم إلى هذا أنّه قد يدخل في الصلاة في أثناء الوقت فيخفف، وقيل: إنما طول في بعض الأوقات وهو الأقل وخفف في معظمهما، فالإطالة لبيان جوازها والتخفيف؛ لأنّه الأفضل، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بالتخفيف وقال: ((إنّ منكم منفرين، فأيّكم صلى بالناس فليخفف، فإنّ فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة)) وقيل: طول في وقت وخفف في وقت؛ ليبين أنّ القراءة فيما زاد على الفاتحة لا تقدير فيها من حيث الاشتراطات، بل يجوز قليلها وكثيرها، وإنّما يشترط الفاتحة، ولهذا اتفقت الروايات عليها واختلف فيما زاد، وعلى الجملة فالسنة التخفيف.

وجوب متابعة الإمام والنهي عن مسابقته:

عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون)) متفق عليه. وفي لفظ: ((إنّما الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد)) رواه أحمد وأبو داود.

قوله: ((إنّما جعل الإمام ليؤتم به)) “إنّما” من صيغ الحصر عند جماعة من أئمة الأصول والبيان، ومعنى الحصر فيها: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه، واختار الآمدي أنّها لا تفيد الحصر، وإنّما تفيد تأكيد الإثبات فقط، ونقله أبو حيان عن البصريين.

وفي كلام الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ما يقتضي نقل الاتفاق على إفادتها للحصر، والمراد بالحصر هنا حصر الفائدة في الاقتداء بالإمام والاتباع له، ومن شأن التابع ألا يتقدم على المتبوع، ومقتضى ذلك ألّا يخالفه في شيء من الأحوال التي فصلها الحديث.

وعامّة الفقهاء على ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له في نية أو غيرها؛ لأنّ ذلك من الاختلاف، وقد نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: ((فلا تختلفوا)) أي: مع الإمام، وأجيب بأنّه صلى الله عليه وسلم قد بيّن وجوه الاختلاف فقال: ((فإذا كبر فكبروا)) يعني ليس في هذه الأمور ذكر النية، ويتعقب بإلحاق غيرها بها قياسًا كما تقدم يعني تقاس النية على بقية الأمور التي ذكرها الحديث.

قوله: ((فإذا كبر فكبروا)) فيه أنّ المأموم لا يشرع في التكبير إلّا بعد فراغ الإمام منه، وكذلك الركوع والرفع منه والسجود، ويدل على ذلك أيضًا قوله في الرواية الثانية: ((ولا تكبروا… ولا تركعوا… ولا تسجدوا…)) وكذلك سائر الروايات المشتملة على النهي.

وقد اختُلف في ذلك هل هو على سبيل الوجوب أو الندب -يعنى: متابعة الإمام وعدم سبقه هذا واجب أم مندوب؟ والظاهر الوجوب من غير فرق بين تكبيرة الإحرام وغيرها.

قوله: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربّنا لك الحمد)) فيه دليل لمن قال: إنّه يقتصر المؤتم في ذكر الرفع من الركوع على قوله: ((ربّنا لك الحمد)).

قال الشوكاني في شرحه لحديث أبي هريرة قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمد حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربّنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلّها، ويكبر حين يقوم من اثنتين أو من الثنتين بعد الجلوس)) متفق عليه.

يقول الشوكاني: قوله: ((ثم يقول وهو قائم: ربّنا ولك الحمد)) فيه متمسك لمن قال: إنّه يجمع بين التسميع والتحميد كل مصلٍّ من غير فرق بين الإمام والمؤتم والمنفرد، وهو قول الشافعي ومالك وعطاء وأبو داود وأبو بردة ومحمد بن سيرين وإسحاق وداود قالوا: إنّ المصلي إذا رفع رأسه من الركوع يقول في حال ارتفاعه: “سمع الله لمن حمده” فإذا استوى قائمًا يقول: “ربّنا ولك الحمد” وقال الإمام يحيى والثوري والأوزاعي وروي عن مالك: أنّه يجمع بينهما الإمام والمنفرد ويحمد المؤتم. وقال أبو يوسف ومحمد: يجمع بينهما الإمام والمنفرد أيضًا. وفي المسألة خلاف كثير.

قوله: ((وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا)) في هذا الحديث دليل لمن قال: إن المأموم يتابع الإمام في الصلاة قاعدًا، وإن لم يكن المأموم معذورًا، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، والأوزاعي، وأبو بكر بن المنذر، وداود، وبقية أهل الظاهر.

error: النص محمي !!