Top
Image Alt

حقوق وليّ الأمر، والسلطات السياسية الثلاث في الإسلام

  /  حقوق وليّ الأمر، والسلطات السياسية الثلاث في الإسلام

حقوق وليّ الأمر، والسلطات السياسية الثلاث في الإسلام

أولًا: حقوق وليّ الأمر:

الحاكم في الدولة الإسلامية له حقوق على رعيّته، من شأنها أن تمكّنه من تنفيذ أحكام الإسلام وتشريعاته، بشرط أن يكون قائمًا بأمر الله، منفِّذًا لِحُكم الشرع، راعيًا لأمانته وعهده.

وبعض الباحثين يجعل حقوق وليّ الأمر أو الحاكم في الدولة الإسلامية خمسة، وبعضهم يجعلها سبعة أو عشرة أو أكثر, وسنحاول أن نشير إليها جميعًا باختصار بعد قليل.

وقد بيّن علماء الإسلام هذه الحقوق، فحصرها الماوردي وأبو يعلى في حقّيْن فقط.

قال الماوردي: “وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمّة، فقد أدّى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له حقّان: الطاعة، والنصرة، ما لم تتغيّر حاله”. ومثل ذلك ما قاله أبو يعلى في (الأحكام السلطانية) له أيضًا.

وذكر ابن جماعة، وكذلك ابن الأزرق أنّ للسلطان أو للخليفة على الأمّة عشرة حقوق هي: بذل الطاعة له ظاهرًا وباطنًا في كلِّ ما يأمر به أو ينهى عنه، إلا أن تكون معصية، وبذْل النصيحة له سرًّا وعلانية، والقيام بنصرته باطنًا وظاهرًا ببذل المجهود في ذلك، وأن يعرف له عظم حقِّه، وإيقاظه عند غفلته، وتحذيره من عدو يقصده بسوء، وإعلامه بسيْر عمّاله الذين هو مطالب بهم، وإعانته على ما تحمّله من أعباء مصالح الأمّة، وردّ القلوب النافرة عنه إليه، والذب عنه بالقول والفعل.

والذي نراه: أنّ هذه الحقوق نحو الإمام مستمَدّة كلّها من شرع الله، فتتركّز كلها في تمكينه من نهوضه بتنفيذ ما فَوّضت إليه الأمة تنفيذه من المهامّ؛ لأن الإمام قد لزِمَته للأمّة أمورٌ لا يمكنه القيام بها إلا بإعانة غيره، ولو لم نَقُلْ: إن طاعة غيره له لازمة، لم يتمكّن من القيام بالمهام المفوّض إليه إنجازها. ولا بدّ مِن وقفة قصيرة عند بعض هذه الحقوق, وسوف نختار من هذه الحقوق التي لوليّ الأمر على رعيّته خمسة:

  1. السمع والطاعة.
    1. بذل النصيحة له.
    1. الإخلاص والدعاء له.
    1. التوقير والاحترام.
    1. النصرة.

الحق الأول: السّمع والطاعة:

فمن حقوق وليّ الأمر: بذل الطاعة له ظاهرًا وباطنًا، في كلّ ما يأمر به أو ينهى عنه، إلا أن يكون معصية. وهذا من أكبر الحقوق على الرعية، وأعظم الواجبات عليهم نحو ولاة أمورهم؛ ذلك أنّ الطاعة من أعظم الأسس والدعائم لانتظام أمور الدّوَل والجماعات، وتحقيق أهدافها ومقاصدها الدينية والدنيوية؛ لأن الولاة لا بد لهم من أمرٍ ونهيٍ، ولا يتحقّق المقصود من الأمر والنهي إلا بالسمع والطاعة من الرعية، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة بلا أمير، ولا أمير بلا طاعة”.

فلا غرْو أن يقرّر فقهاء السياسة الشرعية: أنّ الطاعة والانقياد للإمام فريضة شرعية؛ لأنها أمرٌ أساسي لوجود الانضباط في الدولة, وهي من أهمّ المظاهر التي تدلّ على الانضباط العام في الدولة والأمّة.

والمؤمن يتّخذ هذه الطاعة قربة يتقرّب بها إلى الله تعالى، ويرجو عليها الأجر والثواب من الله؛ لأنه يطيع ولاة الأمر امتثالًا لأمر الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، لا مِن أجْل أشخاصهم.

وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة لا يكلِّمهم الله يوم القيامة، ولا يَنظر إليهم، ولا يُزكِّيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضْل ماءٍ بالفلاة يمنعه من ابن السبيل, ورجُل بايع رجلًا بسلعة بعد العصر، فحلَف له بالله لَأَخَذها بكذا وكذا، فصدّقه وهو غير ذلك, ورجل بايع إمامًا لا يُبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه منها ما يريد وفى، وإن لم يُعْطِه منها لم يَفِ)) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

وهذه الطاعة الواجبة لولاة الأمر، سنَدها القرآن الكريم والسّنّة النبوية، فمن القرآن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} [النساء:59]. وهي واجبة على كلِّ أحدٍ؛ لأمر الله بطاعتهم.

وأمّا من السنة، فقد جاءت أحاديث كثيرة تؤكِّد ما جاء به القرآن الكريم من وجوب طاعة أولي الأمر في غير معصية؛ مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله, ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)) متفق عليه.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((على المرء المسلمِ السمعُ والطاعةُ فيما أحبّ وكرِه، إلا أن يُؤمَر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)).

وطاعة الخليفة تنصبّ على طاعته في تنفيذ الحُكم الشرعي أولًا، ثم الانتهاء عمّا ينهى عنه الشرع، كما أنها تنصبّ على تنفيذ ما تتطلّبه المصالح التي وُجدت من أجْلها الإمرة ثانيًا، وليس له وراءَ ذلك شبر واحد.

ونصوص السُّنّة الكريمة تتواتر لتأكيد هذا المعنى، منها: ما رواه نافع عن عبد الله بن عمر بلفظ آخَر, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيمَا أحبّ وكَرِه، ما لم يُؤمَر بمعصية. فإذا أُمِر بمعصية، فلا سمْعَ ولا طاعة)) أخرجه البخاري ومسلم.

على أنّ هذه الطاعة للحاكم أو الإمام في الدولة الإسلامية، الواجبة على كلّ مسلم بمجرّد تمام البيعة، قد ثار حولها جدل فقهي كبير حين تكون هذه الطاعة ضدّ الإسلام، أو تكون لسبيلٍ غير سبيل الإسلام، فهل يجب الصبر على هذا الحاكم والإذعان لأوامره المشتملة على المعاصي، أم إنه يجب معصيته، والخروج عليه، والعمل على عزْله؟

الحق الثاني: بذل النصيحة له، وعدم الخروج عليه:

وهذا الحق من حقوق الحاكم على الرعية، فيجب توجيه النصح الأمين إلى وليّ الأمر في كشف الأخطاء والانحرافات أوّلا بأوّل، حتى يمكن علاجها قبل أن تستفحل وتلحق الضّرر بالمصلحة العامة. وعلى الأمّة القيام بنصيحة الولاة، سواء طلَبها هؤلاء أم لا؛ وقد جاءت الأحاديث النبوية آمرة بذلك؛ فعن تميم الداري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدِّين النصيحة. قلنا: لِمَن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامّتهم)) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان.

فنُصح الإمام فرض واجب وأمر لازم، لا يتمّ الإيمان إلا به، ولا يثبت الإسلام إلا عليه, وقد جعَله الرسول صلى الله عليه وسلم شرطًا في الدِّين.

وفي حديث آخَر جعَل ترْك مناصحة ولاة الأمر يستوجب مفارقة المسلمين؛ فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن لَمْ يَهْتَمّ بأمر المسلمين فليْس منهم. ومَن لا يمسي ويصبح ناصحًا لله ورسولِه، ولِكتابِه ولإمامِه، ولعامّة المسلمين، فليس منهم)) رواه الطبراني وغيره.

وهناك بعض الأحاديث الدالة على أنّ مِن أحَبِّ الأفعال إلى الله تعالى: كلمة حقّ تقال لإمام جائر؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خيرُ الشهداء: حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى رجل فأمَره ونهاه في ذات الله، فقَتَله على ذلك)) أخرجه الحاكم في “المستدرك”.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّ مِن أعظم الجهادِ: كلمة عدل عند سلطان جائر)) أخرجه الترمذي في “صحيحه”، وقال: هذا حديث حسن غريب.  وقد اختار المسلمون هذا السلوك، وعلى رأسهم الخلفاء. فهذا أبو بكر رضي الله عنه الخليفة الأوّل، يحثّ المسلمين على نُصحه فيقول: “أيها الناس، إنِّي وُلِّيت عليكم ولست بخيركم, فإن أحسنتُ فأعينوني, وإن أسأتُ فقوِّموني, الصّدق أمانة والكذب خيانة…” إلى آخِر ما قال.

والخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب الناس عند توليه قيادة الأمّة, فيقول: “مَن رأى منكم فيّ اعوجاجًا, فلْيُقوِّمْه”, فيردّ عليه أعرابي فيقول: “يا عمر, لو وجدْنا فيك اعوجاجًا لقوّمناه بسيوفنا”.

وسلك هذا المسلك علماءُ المسلمين رضي الله عنهم فقد كانوا يصدعون بقول الحق، لا يخافون لومة لائم, وقد ملأت أخبارُهم مع الحكّام والأمراء كثيرًا من الكتب. فواجب على كلِّ فرد من أفراد الأمّة الإسلامية إذا رأى خللًا, أو قصورًا في إمامِه أو أميرِه أو مجتمعِه؛ أن ينصح، وأن يتابع النصيحة، مع التلطّف في التعريف بالعيب الذي يعلَمه المنصوح من نفسه وهو يضمره، وذلك بالتعريض مرّة والتصريح مرة أخرى، وأن يحتال لإزالة الخلل والقصور، وأن يبذل كامل الجهد للإقناع.

وولاة الأمر والمسئولون غير معصومين؛ فهم بشَر يُصيبون ويُخطئون، ولا يزالون في حاجة إلى نصيحة المخلصين، وإرشاد المتّقين ونصيحتهم، بالطريقة الشرعية من عزائم الدِّين وهدي السلف الأوّلين، التي يعوزها الإخلاص والتعقّل، والرفق واللين، والتفنن في أسلوبها لكي تؤتي ثمارها.

وإن المسئولية الكبرى والواجب الأعظم في القيام بهذا الأمر الجليل, يقع على عاتق علماء الأمّة ودُعاتها المخلصين، وهو من أعظم حقوق ولاة أمور المسلمين على الرعية.

وممّا يجدر التنبيه إليه: أنه ينبغي أن يراعَى عند إرادة نُصح ولاة أمور المسلمين من الملوك والرؤساء وغيرهم، الأوقات المناسبة والأساليب الحسنة؛ فيذكّرون بالمعروف ويُنهوْن عن المنكر بأدب ولطف، ورفق ولين، وأن يُراعَى في ذلك مكانتُهم في الأمّة وعلوّ قَدْرهم فيها؛ فإن ذلك أحرى بالقبول وحصول المقصود.

أيضًا من الآداب الواجبة في نصح الحاكم أو وليّ الأمر: إلقاء النصيحة في السِّرّ، وتجنّبها في العلانية؛ وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أراد أن ينصح لذي سلطان في أمْر، فلا يُبْدِه علانية، ولكن لِيأخُذ بيدِه فيخلو به؛ فإن قَبِل منه فذاك، وإلا كان قد أدّى الذي عليه له)) أخرجه الإمام أحمد وغيره، وصحّحه الشيخ الألباني، وقال: “هذا الحديث أصل في إخفاء نصيحة السلطان، وأنّ الناصح إذا قام بالنصح على هذا الوجه؛ فقد برئ وخلَتْ ذمّته من التّبِعة”.

وقد سار وفق هذا التوجيه النبوي سلَف الأمّة من الصحابة والتابعين, ومَن بعدهم مِن أئمة الإسلام المشهورين.

يقول الشوكاني مثلًا: “ينبغي لِمَن ظهر له غلطُ الإمام في بعض المسائل: أن يُناصحه، ولا يُظهر الشّناعة عليه على رءوس الأشهاد”.

وليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكْر ذلك على المنابر؛ لأنّ ذلك يُفضي إلى الفوضى، وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويُفضي إلى الخوض في الذي يضرّ ولا ينفع. ولكنّ الطريقة المتّبعة عند السلف هي: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتّصلون به حتى يوجّهَ إلى الخير.

وإنكار المنكَر يكون من دون ذكْر مَن فَعَله, ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها، من غير ذكْر أنّ فلانًا يفعلها، لا حاكمٌ ولا غير حاكم.

ولمّا فُتح باب الشرِّ في زمن عثمان رضي الله عنه، أنكروا عليه جهرة، وتمّت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين عليّ ومعاوية، وقتل عثمان وعلي بأسباب ذلك، وقُتل جمع كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلنيّ, وذكْر العيوب علنًا؛ حتى أبغض الناس وليّ أمرهم وقتلوه.

والحقّ: أن التجارب التي مرّت بها الأمّة ليلًا ونهارًا, شرقًا وغربًا لتؤكِّد أنّ الإنكار على الحكومات على رءوس المنابر، وفي مجامع الناس، وفي المنشورات وغيرها، يؤدِّي إلى تأليب العامّة، وإثارة الرعاع، وإشعال الفتن.

ولا شك أنّ إنكار المنكَرات من الواجبات الشرعية، غير أنّ الوسيلة كذلك لا بدّ أن تكون شرعية؛ فإذا كان الشارع الشريف قد فرض إنكار المنكَر والنهي عن الفساد في الأرض، فإنه كذلك أوجب على المنكِرين والناهين وسيلة معيّنة وألزمهم بها. وإنّ التاركين لها، العادلين عنها إلى غيرها، لواقعون في إثم ربما يفوق إثم التاركين لإنكار المنكَر بالكلية؛ وذلك لما يترتّب على مخالفة الوسيلة الشرعية من مُنكَر أكبر, وفساد أعظم.

ونظرًا لأهمِّيّة هذه المسألة، فإني أحب أن أؤكِّد على: أنّ من حقِّ الحاكم أو وليّ الأمر في الدولة الإسلامية عدم الخروج عليه؛ وذلك لأن الأصل في رئيس الدولة الإسلامية مهما كان لقبه: أن يلتزم في نهجه الحُكمَ بالكتاب والسُّنّة, وما هو مقرّر فيهما من مبادئ وقواعد للحُكم؛ إذ هو مكلّف برعاية أمور الأمّة وتدبير شئونها بما يوافق الشرع.

وما دام الإمام أو الحاكم قائمًا بواجباته الملقاة على عاتقه، عادلًا بين رعيّته، فإنّه لا يجوز الخروج عليه. بل لقد وردت النصوص الكثيرة التي تتوّعد الخارج بعذاب عظيم, ومَن خرج على الإمام العادل يُعتبر باغيًا, ويجب على الأمّة أن تنتصر للحاكم وتقف إلى جانبه.

والخضوع للسلطة يجب أن يكون متّفقا مع أصول التشريع الإسلامي, فلا يكون إلا في طاعة الله تعالى؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

الحق الثالث: الإخلاص, والدعاء له:

يجب على الرعية لأولياء الأمور والمسئولين: الإخلاص لهم، وحبّهم وإرادة الخير لهم، وكراهة ما يسوءهم, وقد عبّر الشارع عن ذلك بكلمة “النصح” كما في الحديث: ((الدِّين النصيحة)).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنّ الله رضي لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا، وأن تُناصحوا مَن ولاه الله أمرَكم))، أو كما قال صلى الله عليه وسلم؛ وذلك باعتقاد إمامتهم، والاعتراف بولايتهم، ووجوب طاعتهم بالمعروف، وعدم الخروج عليهم، وحثّ الرعية على طاعتهم ولزوم أمْرهم الذي لا يُخالف أمْر الله ورسوله، وبذْل ما يستطيع الإنسان من نصيحتهم، وتوضيح ما خفي عليهم فيما يحتاجون إليه في رعايتهم, كلٌّ بحسب حالته، والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق؛ فإنّ صلاحهم صلاحٌ لرعيّتهم، واجتناب سبِّهم والقدح فيهم وإشاعة مثالبهم؛ فإنّ في ذلك شرًّا وفسادًا كبيريْن.

وعلى من رأى منهم ما لا يحلّ أو ما لا يجوز، أن يُنبّههم سرًّا لا علنًا بنصح وبعبارة تليق بالمقام, ويحصل بها المقصود. إنّ هذا مطلوب في حق كلِّ أحد، وبالأخصّ ولاة الأمر، فإن تنبيههم على هذا الوجه فيه خير كثير؛ وذلك علامة الصدق والإخلاص.

أمّا الدعاء لأولياء الأمور، فمن أعظم القربات، ومن أفضل الطاعات، ومن النصيحة لله ولعباده.

قال الفضيل بن عياض: “لو كان لي دعوة، ما جعلتُها إلا في السلطان”, وروي نحوه عن الإمام أحمد.

فأُمِرْنا أن ندْعو لهم بالصلاح، ولم نُؤمَر أن ندعو عليهم، وإن جاروا وظلموا؛ لأنّ جوْرَهم وظلمَهم على أنفسهم وعلى المسلمين، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين.

الحق الرابع: التوقير والاحترام:

لقد أوجب الشارع الشريف على الأمّة: توقيرَ الأمراء واحترامَهم وتبجيلَهم، ونهى في الوقت نفسه عن سبِّهم وانتقاصِهم، والحطِّ من أقدارهم؛ وذلك لتقع مهابتُهم والرهبة منهم في نفوس الرعية، فتنكفّ عن الشر والفساد، والبغي والعدوان، والنفوس الرديئة.

ومن الأحاديث القاضية بهذا الحق: حديث أبي بكرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((السلطان ظلّ الله في الأرض؛ فمَن أكرَمه أكرَمَه الله، ومَن أهانَه أهانَه الله)) حديث حسن رواه أحمد والترمذي وغيرهما.

وحديث أبي موسى: ((إنّ من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشّيْبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المُقسط)).

قال طاوس: “من السُّنّة أن يوقّر أربعة: العالِم، وذو الشيْبة، والسلطان، والوالد”.

وقال البغوي: “إذا اجتمع قوم، فالأمير أولاهم بالتقديم، ثم العالِم، ثم أكبرهم سِنًّا”.

وقد ورد النهي عن ضد ذلك؛ فعن أنس قال: نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: “لا تسُبّوا أمراءكم، ولا تغشّوهم، ولا تبغضوهم, واتقوا الله واصبروا؛ فإن الأمر قريب”.

الحق الخامس: النّصرة:

معلوم أنّ الإمام في منصبه العظيم الذي منحتْه الأمّة إياه, أو وكلته عنها في القيام بتنفيذ شرْع الله وحراسة البلاد والعباد، والقيام بأمر الدعوة إلى الله ونشْرها، وغير ذلك -يحتاج إلى تأييد الأمّة، وأن تكون بجانبه لإعانته على تأمين سلامة الوطن، وتحقيق النصر على كلِّ من يعتدي عليه؛ بمعنى: أن يكون ولاء الأمّة جميعًا لرئيس الدولة الإسلامية التي تمّت مبايعته. ولا شك أنّ معاضدة الإمام ومناصرته من البِر, الذي يترتّب عليه نصرة الإسلام والمسلمين.

وقد جاءت النصوص الكريمة من القرآن والسُّنّة دالّة على ذلك، يقول الله تعالى مثلًا: {وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة:71]، ويقول: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2].

ومن السُّنّة: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياءُ؛ كلّما هلّك نبيّ خلَفه نبيّ وإنه لا نبيّ بعدي, وستكون خلفاء فتفسد، قالوا: فما تأمُرنا؟ قال: فُوا ببيْعة الأوّل فالأوّل, وأعطُوهم حقّهم؛ فإن الله سائلُهم عمّا استرعاهم)).

ولا شك أنّ الوفاء ببيعة الأوّل, والالتزام بطاعته هو من النصرة للإمام، وعدم إشاعة الفوضى في ديار الإسلام، ومن الضبط الذي لا بدّ منه في الدولة الإسلامية.

وممّا لا خلاف فيه أنّ دفْع الخارج عن الإمام -ولو بحرب وقتال, إن دعَت الضرورة لذلك- من حقوق الإمام على رعيّته, ودل على ذلك حديث عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنه ستكون هنات وهنات؛ فمَن أراد أن يُفرِّق أمْر هذه الأمّة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنًا مَن كان)).

ومن نصرة الإمام: أن يؤيَّد ويعاضَد إذًا تجاه هذا البغي؛ لأنّ الباغي يريد أن يفرِّق شمْل الجماعة, وهذا العمل خطر على المجتمع والدولة، فتجب مقاومتُه إلى أن يندفع خطرُه.

إذًا، فإن على المسلمين أن يتعاونوا مع الحاكم, في كلِّ ما يُحقِّق التّقدم والخير والازدهار في جميع المجالات؛ الخارجية بالجهاد بالمال والنفس، والداخلية بزيادة العمران، وتحقيق النهضة الصناعية والزراعية والأخلاقية والاجتماعية، وإقامة المجتمع الخيِّر، وتنفيذ القوانين والأحكام الشرعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء فيما يمسّ المصلحة العامة أو المصلحة الخاصة، وتقديم النصيحة، وبذل الجهد بتقديم الآراء والأفكار الجديدة التي تؤدّي إلى النهضة والتقدّم، وتوعية الناس والدعوة لها في السلم والحرب.

ويجب على الرعية أن تنصر وليّ أمْرها في الحق، وإن كان يمنعها حقوقها؛ فإن نُصرَتَه نصرة للدين وقوّة للمسلمين، لا سيما إذا خرجت عليه فئة تريد أن تخلَعه, أو تنزع يدها من طاعته. يدلّ على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أتاكم وأمْرُكم جميعٌ على رجلٍ واحد منكم، يريد أن يَشُقّ عصاكم أو يُفرِّق جماعتَكم؛ فاقتلوه)). هذا الحديث في (صحيح مسلم).

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يدِه وثمرة قلبه، فلْيُطِعْه إن استطاع؛ فإن جاء آخَر ينازعه، فاضربوا عنُق الآخَر)) وغير ذلك.

فهؤلاء الذين يخرجون على الحاكم بغاةً، يجب ردهم إلى طاعته، وإلا قُوتلوا.

ويرى البعض أن فيما يجب على الرعية تجاه راعيها: المعاضدة والمناصرة في أمور الدين وجهاد العدو، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:2]، ولا أعلى من معاونة الإمام على إقامة الدِّين ونصرته.

حقوق أخرى لولي الأمر:

هناك بعض الحقوق الأخرى أشار إليها بعض الباحثين في السياسة الشرعية، ولا بأس من الإشارة إليها أيضًا بصورة مُجمَلة تتمّة للفائدة من جهة، واستيعابًا لموضوع نظام الحُكم في الإسلام, والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها من جهة أخرى.

وهذه الحقوق الأخرى تدور حول: دفْع الحقوق المالية إليه أو من ينوب عنه، دفع أجْر خاص له، وضْع بعض الأحكام التشريعية أو التنفيذية بضوابط معيّنة.

أوّلًا: دفْع الحقوق المالية إليه:

مِن حقوق الإمام العادل على رعيّته: أن تدفع إليه المال الذي فرضه الله عليه؛ لأنّ الدولة تحتاج إلى كثير من الأموال لأداء الأعمال المشروعة. كما أنّ هناك حقوقًًا كثيرة في المال, يجب أن يرتّب الأمير أمر إقامتها، وواجب على الناس أن يتجاوبوا في ذلك، وأن يساعدوه على النهوض برسالته، وبأداء ما يجب عليه على أكمل وجْه.

فالأموال التي تمتد يد الإمام إليها قسمان:

أحدهما: ما تتعيّن مصارفُه كالزكاة، وأربعة أخماس خُمس الفيء، وأربعة أخماس خُمس الغنيمة؛ فهذه الأموال لها مصارف عامة معلومة.

والثاني: ما لا يتخصّص بمصارف مضبوطة، وإنما يعمّ وجوه الخير؛ وهو الذي يسمِّيه الفقهاء: “المرصد للمصالح” كالخراج، وتَرِكة من مات من المسلمين ولم يخلف وارثا خاصا، وكذلك الأموال الضائعة أو اللقطة التي لا صاحب لها.

أمّا بالنسبة للزكاة، فإن من حق الإمام بل من واجباته: جبايتها وصرْفها إلى مستحِقِّيها، ولا يترك ذلك للأمّة أبدًا، بدليل قوله تعالى مثلًا مُخاطبًا وليّ الأمر: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [التوبة:103].

وقد ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذًا إلى اليمن, قال له: ((أَعْلِمْهم أنّ الله افترض عليهم في أموالهم صدقَة, تُؤخذ من أغنيائهم فتُردّ على فقرائهم. فإن هم أطاعوك لذلك، فإيّاك وكرائمَ أموالهم! واتّقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)). وفي الحديث دلالة على أن يأخذها آخذ ويردّها رادّ، ولا يترك ذلك لأصحاب الأموال يؤدّونها متى أرادوا, ويمنعونها متى شاءوا.

قال ابن حجر: “استدلّ به على أن الإمام هو الذي يتولّى قبض الزكاة وصرْفها، إمّا بنفسه أو بنائبه. فمَن امتنع منهم أُخذَتْ منه قهرًا, وقد يُعزّر بأخذ جزء من مالِه زيادة على الزكاة عقوبة تعزيرية”.

إن النصوص صريحة في أنّ السلطان أو الحاكم في الدولة الإسلامية, هو الذي يتولّى جمْع الزكاة بنفسه أو بنوّابه، وفرْض على الأمّة أن تستجيب لذلك، وأن تتعاون في تنفيذ ذلك، تطبيقًا لنُظم الإسلام، وإرساءً لدعائم الدولة الإسلامية، وتقويةً لبيت مال المسلمين.

وهناك أموال أخرى تُؤخذ من الأمّة، كأموال الخراج والعشور، وغير ذلك من الموارد المالية في نظام المال في الإسلام.

قال الشاطبي في (الاعتصام): “إذا خلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند إلى مال يكفيهم، فللإمام إذا كان عادلًا أن يوظِّف على الأغنياء ممّا يراه كافيًا لهم في الحال، إلا أن يظهر مال في بيت المال”.

وأوضح من ذلك ما قاله ابن حزم الظاهري في (المحلّى), إذ قال: “وفرْض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويُجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم, ولا يفي سائر أموال المسلمين بهم؛ فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بدّ منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنّهم من المطر والصيف والشمس, وعيون المارّة”.

ومن هذه النصوص وغيرها، يرى المُنصف أنّ التشريع الإسلامي في الذروة العليا من الحِكمة والعدل، بل والرحمة والتعاون، ومعظم الفتن والجرائم تأتي من ظُلم الأغنياء للفقراء.

ثانيًا: دفع أجر خاص له:

وهذا حق خاص للإمام في بيت مال المسلمين، يفرض له ما يكفيه وأهله الذين يعولهم، وذلك مقابل تفرّغه التام لتدبير شئون الرعية، والقيام على خدمة الأمّة.

ولم يَرِد في السُّنة النبوية مقدار الذي يُفرض للإمام من بيت مال المسلمين، وكيفيّة استيفاء ذلك الحق, وإنما يتمّ ذلك عن مشورة من المسلمين، أو بتقدير من وليّ الأمر، أو بحسب ما يراه أهل الحلّ والعقد, أو مَن على شاكلتهم ممّن يقدِّرون الحياة الكريمة لأولي الأمر بالمعروف.

وهذا أبو بكر رضي الله عنه لمّا استُخلِف قال: “لقد علِم قومي أنّ حرفتي لم تكن تُعجز مئونة أهلي، وشُغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال وأحترف للمسلمين فيه”.

ثم يلي عمر أمرَ المسلمين بعد أبي بكر، فيمكث زمانًا لا يأكل من مال المسلمين شيئًا، حتى دخلت عليه في ذلك خصائص -جمع: خصاصة أي: فقر وحاجة وسوء حال، كما في “المعجم الوسيط”- فأرسل لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشارهم في ذلك، فقال: “قد شغلت نفسي في هذا الأمر، فما يصلح لي فيه؟”, فقال عثمان بن عفان: “كُلْ وأطعمْ”, وقال سعيد بن زيد مثل ذلك. وقال عمر لعليّ: “ما تقول أنت في ذلك؟” قال: “غَداء وعشاء”, فأخذ عمر بذلك. وفي رواية أخرى: أنّ عليًّا قال له: “ليس لك في هذا المال إلا ما أصلحك, وأصلح أهلك بالمعروف”, فقال عمر: “القول ما قاله ابن أبي طالب”.

فالإمام ليس له من مال الدولة إلا ما يسدّ حاجته، وما يصلح عياله، وما زاد على ذلك فلا يجوز له أخْذه، وإلا فقد خان الأمانة التي وُكّل بها, وقد أمر الله تعالى المسلمين عامة بأداء الأمانة لأهلها، يقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}[النساء:58]. فكان على الحاكم أن يؤدّي أمانته، فلا يخون الناس، ولا يُؤثر نفسَه بشيء دونهم.

وممّا جاء عن ورع الخلفاء: ما روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: أنه لم يرتزق من مال المسلمين شيئًا، بل كانت له أرض بالسويداء، فكان يأتيه من غلّتها كلّ سنة “150 دينارًا” أو أقلّ أو أكثر, وكان أكثر طعامه العدس. وبلغ من ورَعه: أنه كان يطفئ شمعة بيت المال إذا ما انتهى من عمل الدولة، ويجلس في سراجه الخاص.

يتّضح لنا ممّا سبق: أنّ الإمام, أو مَن شُغل بشيء من أعمال المسلمين له أخذ الرزق على عمله ذلك, والذي يقدِّر ذلك أهل الشورى، وهم أهل الحلّ والعقد الذين هم بمثابة السلطة التشريعية في هذا العصر. ولا يحلّ للخليفة أن يمارس أيّ عمل آخر، بل يجب عليه أن يتفرّغ لإدارة شئون الدولة الإسلامية, ولا يجوز له أن يستولي على شيء من مال الدولة.

ثالثًا: حق تشريع بعض الأحكام, والضوابط اللازمة لسياسة الأمّة:

صحيح أنّ التشريع في الإسلام مصدره القرآن الكريم والسُّنّة النبوية، وليس للحاكم ولا للشعب أو أهل الشورى مُطلق الحرية في التشريع كما يريدون، بل هم مقيّدون بما شرَعه الله ورسولُه من شريعة، والعلماء فصّلوا القول في معنى “التشريع”، وما يراد به، فقالوا: تُطلق كلمة “تشريع”، ويراد بها أحد معنييْن:

الأوّل: إيجاد شرع مبتدأ.

والثاني: بيان حُكم تقتضيه شريعة قائمة.

فـ”التشريع” بالمعنى الأوّل ليس إلا لله, وأما “التشريع” بالمعنى الثاني؛ فهذا هو الذي تولاه بعد الرسول صلى الله عليه وسلم خلفاؤه من علماء الصحابة وعلماء المسلمين, ومَن بعْدَهم.

فـ”التشريع” بالمعنى الأول المقصود به: القرآن الكريم والسُّنة النبوية، وهما قائمان ساريان بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد من المسلمين حُكّامًا ومحكومين تغيير أو تبديل ما ورد فيهما، أو الاعتراض على حُكم ممّا ورد فيهما، إلا ما لا يُعدّ من السُّنّة تشريعًا عامًّا.

وأمّا “التشريع” بالمعنى الثاني, فهذا مستمرّ غير منقطع، ويشمل الأمور التي ترَكها الشرع ولم ينصّ عليها, وكذلك الأمورالتي وضع فيها قواعد عامة وترك تفصيلها للمسلمين؛ فهذا النوع من التشريع لم يعتبره السابقون تشريعًا, باعتبار أنه يستند في الأصل إلى تشريع منصوص في القرآن والسُّنة، وإنما هو اجتهاد في نصوصهما.

وإذا كانت الشريعة الإسلامية في الغالب, قد اكتفت بإيراد الأحكام الكلية، والمبادئ العامة، والضوابط التي تحكم التشريع الإسلامي، فمَن الذي له حق تولّي سلطة التشريع في الأمور الاجتهادية التي لا نص فيها، مثل: تسيير الجيوش، وإعلان الحرب، وعقْد المعاهدات، وترتيب الدواوين، وفرْض الضرائب، وجباية الخراج، وغيرها من الأمور؟

لو نظرنا إلى مراحل الدولة الإسلامية، لرأينا في المرحلة الأولى من قيام الدولة الإسلامية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, أنّ الذي كان يتولّى هذه السلطة هو الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان يقوم بها إمّا وحيًا وإمّا اجتهادًا، وفي بعض الأحيان كان يستشير الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة، كما حدث في أسرى بدر وغيرها من الوقائع.

أما في المرحلة الثانية زمن الخلفاء الراشدين، حينما كانت الدولة الإسلامية لا تتعدّى حدودُها حدودَ الجزيرة العربية، خاصة في خلافة أبي بكر وصدْر خلافة عمر، نرى أنّ الذي كان يتولى سلطة التشريع كبار الصحابة رضي الله عنهم.

وإذا اختلفوا في أمر من الأمور، فإنه كان يأخذ بالرأي الراجح الذي يترجّح لديه بقوّة الدليل، كما وقع الخلاف على قتال مانعي الزكاة، وترجيح أبي بكر قتالهم واستناده إلى النصوص العامة في القرآن الكريم التي تأمر بأداء الزكاة، وقرْنها في القرآن الكريم بفريضة الصلاة. وكذلك عندما وقع الخلاف على تقسيم أرض العراق، ومال عمر بن الخطاب إلى أنّ الأفضل إبقاء هذه الأرض لتكون موردًا ثابتًا لبيت مال المسلمين.

إنّ الفقهاء الذين قرروا هذا الحق لوليّ الأمر, لم يجعلوه له دون قيد أو شرط، بل قيّدوه بأن يكون متفقا مع نصوص الشريعة الإسلامية ومبادئها العامة وروحها التشريعية؛ لقول الله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ}. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أحدث في أمْرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ))، وغير هذا من النصوص التي تَحصر مسئولية الحاكم, بالحُكم بما يتناسب والشريعة الإسلامية.

أمّا في العصر الحاضر، ومع تغيّر الزمان وتبدل الأحوال، فإني أرى أنّ الذي له حقّ سنّ القوانين هو مجلس الشورى, الذي يُنتخَب من قِبَل الأمّة، أو ما يُسمّى في أيامنا هذه “مجلس النواب” أو “مجلس الأمّة” أو أي مسمًّى آخَر؛ بشرط أن يوضع نظام معيّن بحيث يكون من بين أعضائه أغلبيّة تتوافر فيها شرائط الاجتهاد، فضلًا عن تمثيل الكفايات الفنية الأخرى أو أهل الاختصاص في المهن والحرف المختلفة، حتى تكون هذه القوانين التي تَصدر عن هذا المجلس متحرِّرة من أهواء الحُكّام ومصالحهم، مراعية أحكام الشريعة الإسلامية، ومصلحة الأمّة.

ولا يجوز أن يُترك أمْر سَنِّ القوانين إلى مجالس يُنتخب أعضاؤها انتخابًا, لا يراعَى فيه القدرة العلمية في الشريعة الإسلامية، كما هو الحال في كثير من مجالس أيامنا هذه، والتي ينبغي أن تكون مثل هذه المجالس مرجعًا للتشريع.

ثانيًا: السلطات السياسية الثلاث في الإسلام:

تتنوّع السلطات في السياسة الشرعية, والنظم الوضعية إلى سلطات ثلاث:

الأولى: السلطة التنظيمية أو التشريعية:

وهي التي تتولّى سَنّ القوانين وإصدار التشريعات التي تحتاج إليها الدولة, وتقوم كذلك بمراقبة السلطة التنفيذية، ومدى احترامها لتنفيذ القوانين والأحكام.

وتتمثّل هذه السلطة في النّظم الوضعية, في مجلس نيابي يتمّ انتخابه من قِبل الشعب، ويُسمّى تسميات مختلِفة؛ فقد يُسمّى “برلمانًا”، أو “مجلسًا شعبيًّا”، أو “جمعية وطنية”، أو “مجلس أمّة”، أو “مجلس شورى”، أو غير ذلك.

والمصدر التشريعي في النُظم الوضعية هو الشعب، ممثّلا في أعضاء المجالس النيابية، وهم الذين يقومون بسَن القوانين وتشريع الأحكام. وهذا أمر مرفوض في النظام السياسي الإسلامي؛ لأن التشريع في مدلول العقيدة الإسلامية من خصائص الربوبية والألوهية، ومن مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فالله وحده هو الحَكَم بين الناس، وهو أعلم بما يُصلحهم وما ينفعهم. ولا يزعم أحد أنّ الشارع الوضعي أرحم بالناس, وأعلم بمصالحهم من ربِّ الناس ومَلِيكهم.

وأحكامه سبحانه هي الحقّ والعدل المطلق، وهي سهلة ميسّرة، لا عنَت فيها ولا ضرر ولا مشقة؛ ومن ثَمّ فهي صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان. وقد أنكر سبحانه على مَن لم يكتفِ بكتابه وأحكامه المشتملة على كل خير وهداية، فقال جل وعلا: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون} [المائدة:50], {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} [الأنعام:114].

إنّ الذين يتولّوْن السلطة التنظيمية في النظام السياسي الإسلامي هم: المجتهدون والمُفتون من العلماء، وسلطتهم لا تعدو أمريْن اثنيْن:

الأوّل: بالنسبة لِما فيه نص من الكتاب والسُّنة، عليهم تفهّم هذا النص، وبيان الحكم الذي يدلّ عليه وفْق ما يقتضيه علْم أصول الفقه؛ وهذا حسبهم.

الثاني: بالنسبة إلى ما ليس فيه نص من قرآن أو سُنة، فالاجتهاد بشروطه وأدواته وضوابطه.

ولا تستغني الدولة الإسلامية عن وجود جماعة من أهل الاجتهاد الذين استكملوا شرائطه، وتوفّرت لهم القدرة التامة، يُرجَع إليهم في فهم نصوص القانون الإلهي وتطبيقه، وتشريع الأحكام والقوانين لِما يجدّ من الأقضية والحوادث، وما يطرأ من المصالح والحاجات؛ فهؤلاء هم صفوة الأمّة الإسلامية.

أمّا أفراد السلطة التشريعية في النظم الوضعية، فيُختارون في الأعمّ الأغلب عن طريق الانتخابات النيابية، ولا يُشترط فيهم من الناحية العلمية والثقافية سوى القدْر الذي يمكِّنهم من أداء أعمالهم، وحدّه الأدنى معرفة القراءة والكتابة.

ومثل هؤلاء غير مؤهّلين لتشريع الأحكام وسنّ القوانين، فضلًا عن أنهم في بعض الأزمنة والبيئات، أو في بعض البلدان يحلِّلون ما حرّم الله، ويحرِّمون ما أحل الله, ألا ساء ما يصنعون!

السلطة الثانية: السلطة القضائية:

وهي تتولى أعمال القضاء، وفضّ المنازعات بكل مستوياتها ودرجاتها؛ وتتمثّل هذه السلطة في مجموعة القضاة باختلاف درجاتهم ومستوياتهم.

والذي يتولّى هذه السلطة في الدولة الإسلامية القضاة الشرعيون، وتعيينهم من حقّ الخليفة أو مَن ينوب عنه من ولاة الأمصار ونحوهم.

وليس في الإسلام ما يمنع من وضْع نظام للسلطة القضائية يحدّ اختصاصها، ويكفل تنفيذ أحكامها، ويضمن لرجالها حريّتهم في إقامة العدل بين الناس.

و”القضاء” باختصار هو: الحُكم بين الناس، والفصل في الخصومات والمنازعات الواقعة بينهم, بالأحكام الشرعية المتلقّاة من الكتاب والسُّنّة.

“القضاء” في اللغة له عدّة معانٍ، منها:

المعنى الأوّل: بلوغ الحاجة، ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا} [الأحزاب:37] أي: بلَغ حاجته.

المعنى الثاني: الأداء, تقول: “قضيتُ الامتحان” أي: أدّيْتُه، ومنه: قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ} [البقرة:200]أي: أدّيْتموها.

المعنى الثالث: الأمر، ومنه قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء:23].

المعنى الرابع: الحُكم، ومنه الآية السابقة: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ}[الإسراء:23], أي: حَكَم وأمَر.

أمّا القضاء في اصطلاح الفقهاء, فقد عرّفه فقهاء الشريعة الغرّاء بتعريفات عديدة؛ أشهرها ما ذهب إليه بعض الفقهاء من الشافعية, بأنّ “القضاء” هو: الحُكم بين الناس، أو الإلزام بحُكم الشرع.

أدلّة مشروعية القضاء:

لقد ثبتت مشروعيّة القضاء بالقرآن والسُّنّة والإجماع:

أوّلًا: من القرآن آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب} [ص:26]، وقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء:65],

وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ }[المائدة:49].

فهذه الآيات القرآنية السابقة توجِب الحكم بين الناس بما أنزل الله تعالى, والحُكم هو القضاء.

ثانيًا: مِن السُّنّة النبوية، قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكِم فأصاب فله أجران, وإذا اجتهد فأخْطأ فله أجْر))، وقوله أيضًا: ((القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنّة)). وهذان الحديثان -وغيرهما في معنييْهما كثير- يدلاّن على تنصيب القاضي, أو الحاكم بين الناس.

ثالثًا: الإجماع كدليل على مشروعية القضاء في الإسلام. فقد أجمع المسلمون على مشروعية القضاء والحُكم بين الناس، وتنصيب القضاة، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: “لا بدّ للناس من حاكم, أتذهب حقوق الناس؟!”.

وقد حكى هذا الإجماع كثير من الفقهاء، منهم: ابن قدامة صاحب كتاب (المغني)، وغيره.

وأحوال الناس في تولِّي القضاء ثلاثة:

الحالة الأولى: مَن لا يصلح للقضاء؛ لعدم توافر شروط القاضي فيه, وهذا لا يجوز له تولِّي القضاء ويحرم عليه القيام به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ورجُل قضَى بين الناس على جهْل، فهو في النار)).

الحالة الثانية: مَن يصلح للقضاء وتتوافر فيه شروط القاضي، لكن يوجد غيره مثله؛ فهل يجوز لِمن حاله هكذا أن يتولّى القضاء؟

اختلف الناس في ذلك إلى رأييْن: بعضهم يقول بجواز تولِّي القضاء في هذه الحال, وبعضهم قال: يُكره له ذلك.

الحالة الثالثة: مَن يصلح للقضاء وتتوافر فيه شروط القاضي، ولا يوجد غيره, وهذا باتفاق الفقهاء ينبغي عليه تولِّي القضاء؛ لأنه لا يقدر عليه غيرُه، ويصبح القضاء عليه فرضَ عيْن لا فرض كفاية.

ومن جهة أخرى عُرف القضاء منذ زمن بعيد، إذ لا يمكن لحكومة من حكومات العالَم أيًّا كان نوعها الاستغناء عنه؛ إذ لا بد للفصل فيما لا يخلو عنه المجتمع البشري من النزاع. وهو مقدّس عند جميع الأمم، رغم اختلافها رقيًّا وانحطاطًا؛ لأن فيه -كما يقول ابن قدامة- أمرًا بالمعروف, ونهيًا عن مضرة المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقّه, وردًّا للظالم عن ظُلمه، وإصلاحًا بين الناس، وتخليصًا لبعضهم عن بعض؛ فإن الناس لا يستقيم أمرُهم بدونه, وهو من أشرف الأعمال وأخطرها شأنًا.

فالحكم بين الناس من وظائف الأنبياء، كما قال تعالى:{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } [ص:26],وقوله تعالى:{ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ } [البقرة:213].

وهو كذلك مسئوليّته عظيمة، وغوائله كثيرة؛ ولذلك امتنع عنه كثير من السلف، وحذّروا منه. فقد امتنع منه: أبو حنيفة، والشافعي، وخلْق كثير.

قال مكحول مثلًا: “لو خُيِّرتُ بين القضاء وضرْب عنقي، لاخترتُ ضرْبَ عنقي ولم أخْتَر القضاء”.

ويكفي في التحذير من القضاء قوله صلى الله عليه وسلم: ((القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة. فرجل عَرف الحقّ فقضى به، فهو في الجنّة. ورجل عَرَف الحقّ ولم يَقْض به وجار في الحُكم، فهو في النار. ورجل لم يعرف الحقّ وقضى للناس على جهل، فهو في النار))، هذا حديث صحيح بشواهده، رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وغيرهم.

ومن أجْل حاجة الناس إليه، أوجب الشارع على وليّ الأمر تعيين القضاة؛ لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب؛ فطباع البشر مجبولة على الظّلم ومنْع الحقوق. والواجب على الإمام أن يفصل في الخصومات، وأن يحكم بين الناس بالعدل، ولا يكون ذلك إلا بتعيين القضاة العدول. وهو من فروض الكفاية بإجماع المسلمين, فإن قام به مَن يصلح له سقط الفرض عن الباقين, وإن امتنع الجميع أثموا جميعًا، وأجبر الإمام أحدَهم عليه.

أمّا عن شروط القاضي، فثمّة نوعان من الشروط التي يجب توفرها فيمن يتولّى القضاء، وهي: شروط في كمال الأحكام، وأخرى في كمال الخِلْقة.

ويشترط للقاضي شروط كثيرة، أهمّها: أن يكون رجلًا، عاقلًا، بالغًا، حرًّا، مسلمًا، عدلًا، مجتهدًا، سميعًا، بصيرًا، ناطقًا.

السلطة الثالثة: السلطة التنفيذية:

وهي التي تقوم بإدارة شئون الدولة، وتنفيذ الأحكام، وعقد المعاهدات، وغير ذلك. وتشمل هذه السلطة: رئيس الدولة، والوزراء، وقُواد الجيش، ورجال الشرطة، وسائر موظفي الدولة، والمصالح الحكومية. وتملك هذه السلطة الحقّ عادة في إصدار الأنظمة، واللوائح التنظيمية ذات الصفة التشريعية, التي تكون ضرورية لحُسن سير عملها، وذلك بناء على تخويل يُعطى لها بذلك، شريطة ألا تكون مخالفة للتشريعات الأعلى.

إنّ هذا التقسيم للسلطات لا يعني أنها أصبحت منفصلة عن بعضها؛ فالأصل أنها تمثِّل الحكومة العامة في الدولة، وعليه فإن الحديث عن أقسامها وأنواعها لا ينفي ضرورة وجود نوع من العلاقات بينها, كأساس لاستمرار توحّدها.

إنّ الفصل بين هذه السلطات يهدف إلى تحقيق نوع من تقسيم العمل الحكومي بين أكثر من جهة؛ وذلك تحقيقًا لقَدْر من التخصص من ناحية، وتحقيقًا لنوع من التوازن بين هذه الجهات عن طريق قيام كلّ منها برقابة أعمال الجهات الأخرى، والتعاون معها من ناحيةٍ ثانية.

ويتم ذلك بأن تتولى السلطة التشريعية وظيفة التشريع ورسْم السياسة العامة, على حين تقوم السلطة التنفيذية بتنفيذ ما تُقرّه السلطة التشريعية، وما تحكم به السلطة القضائية التي تتولّى أعمال القضاء.

معنى “الوزارة”، وأقسامها في النظام السياسي الإسلامي:

الوزارة في اللغة مشتقة من أربعة معانٍ:

الأوّل كما تقول معاجم اللغة: أنّ “الوزير” مشتق من الوزر، وهو الملجأ، ومنه قوله تعالى: {كَلاَّ لاَ وَزَر} [القيامة:11]. سُمِّي بذلك لأنّ الرعية يلجئون إليه في حوائجهم، أو لأنّ الملِك يلجأ إلى الوزير ومعونته.

الثاني: “الوزير” مشتق من الأوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله تعالى: { وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ } [طه:87].

الثالث: “الوزير” مشتق من الوِزر وهو الثِّقل, قال تعالى: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد:4]. وسُمِّي بذلك لأنه يتحمّل أثقال الملِك.

الرابع: أنّ “الوزير” مشتق من الأزْر, وهو: الظّهر. وسُمِّي بذلك لأن الملِك يَقوى بوزيره كقوّة البدن بالظهر، فتكون الواو فيه منقلبة عن همزة.

“الوزارة” في الاصطلاح تتنوع بحسب تنوّع الوزارات؛ لأن الوزارة تنقسم في الفقه السياسي الإسلامي إلى نوعيْن:

النوع الأول: وزارة تفويض:

وهو أن يستوزر الإمام من يفوّض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضاءها على اجتهاده. وقد استدلّ الماوردي على عدم امتناع جواز هذه الوزارة بقوله تعالى، حكاية عن نبيه موسى عليه السلام: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} [طه:29-31].

ووجه الدلالة: إذا جاز ذلك في النبوّة كان في الإمامة أجوز؛ لأن ما وُكّل إلى الإمام من تدبير الأمّة لا يقدر على مباشرة جميعه إلا باستنابة، ولأن نيابة الوزير المشارك له في التدبير أصحّ في تنفيذ الأمور من تفرّده بها؛ ليستظهر به على نفسه، وبها يكون أبعد من الزلل وأمنع من الخلل.

ويرى بعض الباحثين أن ما يسمّيه الماوردي “وزارة التفويض”, يدلّ بوضوح على أنّ النظام الإسلامي قد فرّق منذ قرون طويلة بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة، وهو ما قرّرته النظم البرلمانية في عصرنا الحاضر.

هذا، ويُشترط في وزير التفويض شروط الإمامة، إلا شرْط النسب. أمّا اختصاصات وزير التفويض فهي واسعة جدًّا، حتى إنها لتستغرق جميع صلاحيات الخليفة.

وزارة التفويض نوعان: وزارة تفويض عامّة، ووزارة تفويض إقليمية:

وزارة التفويض العامة مسئولة عن شئون الدولة الإسلامية في جميع الأقاليم، لكن وزارة التفويض الإقليمية مسئولة عن شئون الإقليم الذي اختاره, وفوّضه والي الإقليم عنه. وعليه يمكن أن يكون لكلّ إقليم وزارة تفويضية إقليمية، ويكون لِمن يتقلّدها ما لوالي الإقليم من صلاحيات.

النوع الثاني: وزارة التنفيذ:

وهي: أن يستوزر الإمام ما يوكل إليه تنفيذ أمر من الأمور، ويعرض عليه ما حدث من مهمّات؛ فهذه الوزارة أقلّ شأنًا وأدنى مرتبة من وزارة التفويض، ولذلك كان حكمها عند الماوردي أضعف وشروطها أقلّ؛ لأن النظر فيها مقصور على رأي الإمام.

وحيث إنّ مهمّة وزير التنفيذ مقصورة على أمريْن: أن يؤدّي إلى الخليفة أو أن يؤدِّي عنه، فيراعى فيه سبعة شروط.

شروط وزير التنفيذ:

أحدها: الأمانة.

الثاني: صدق اللهجة.

الثالث: قلّة الطمع؛ حتى لا يرتشي في مال ولا ينخدع فيتساهل.

الرابع: أن يسلم فيما بينه وبين الناس من عداوة وشحناء؛ فإن العداوة تصدّ عن التناصح وتمنع من التعاطف.

الخامس: أن يكون ذَكورًا لما يؤدِّيه إلى الخليفة وعنه؛ لأنه شاهد له وعليه.

السادس: الذكاء والفطنة؛ حتى لا تدلّس عليه الأمور فتشتبه، ولا تموّه عليه فتلتبس.

السابع: ألا يكون من أهل الأهواء، فيخرجه الهوى من الحق إلى الباطل، ويتدلّس عليه المُحِقّ من المُبطل؛ فإن الهوى خادع الألباب وصارف عن الصواب.

فإن كان مشاركًا في الرأي، احتاج إلى وصْف ثامن هو: الحِنكة والتجربة التي تؤدِّيه إلى صحة الرأي, وصواب التدبير.

ولم يشترط الماوردي وأبو يعلى الحنبلي الإسلام والحرية في وزير التنفيذ؛ لأنه ليس له أن ينفرد بولاية ولا تقليد، ولا يجوز له أن يحكم حتى يعتبر فيه ذلك.

وزارة التنفيذ أيضًا نوعان:

النوع الأول: وزارة تنفيذ عامة، وهي التي تنبثق عن وزير الدولة، وهو الذي يختار مَن يريد ويأذن له، فيكون وزير تنفيذ للخليفة، فيقوم بإطلاعه على أحوال الولاة والرعايا، وينقل إليهم ما يريد الخليفة؛ كما يقول بإمضاء أحكامه، وتنفيذ أمواله. ومجال عمله: جميع أقطار الدولة الإسلامية، ما لم يحدِّد له الخليفة جهة معيّنة.

النوع الثاني: وزارة تنفيذ إقليمية، وهي التي تنبثق عن والي الإقليم, وتكون صلاحيات هذا الوزير مختصّة بهذا الإقليم دون سائر الأقاليم.

الفرْق بين وزارة التفويض, ووزارة التنفيذ:

يكمن في أمريْن: في الاختصاصات، وفي الشروط.

أمّا في الاختصاصات -كما نص عليه الماوردي- فمِن أربعة أوجُه:

أحدها: أنه يجوز لوزير التفويض مباشرة الحُكم والنظر في المظالم، وليس ذلك لوزير التنفيذ.

الثاني: أنه يجوز لوزير التفويض أن يستبدّ بتقليد الولاة، وليس ذلك لوزير التنفيذ.

الثالث: أنه يجوز لوزير التفويض أن ينفرد بتسيير الجيوش وتدبير الحروب، وليس ذلك لوزير التنفيذ.

الرابع: أنه يجوز لوزير التفويض أن يتصرّف في أموال بيت المال؛ بقبض ما يستحقّ له وبدفع ما يجب فيه، وليس ذلك لوزير التنفيذ.

الوجه الثاني من الاختلاف بينهما في الشروط, وهذا الوجه فرع عن الاختلاف في الاختصاص، وأيضًا يكمن أو يظهر في أربعة أوجُه:

الأوّل: أنّ الحرية معتبَرة في وزارة التفويض، وغير معتبَرة في وزارة التنفيذ.

الثاني: أنّ الإسلام معتبر في وزارة التفويض، وغير معتبَر في وزارة التنفيذ.

الثالث: أنّ العلْم بالأحكام الشرعية معتبَر في وزارة التفويض، وغير معتبَر في وزارة التنفيذ.

الرابع: أن المعرفة بأمرَي الحرب والخراج معتبرة في وزارة التفويض، وغير معتبَرة في وزارة التنفيذ.

error: النص محمي !!