Top
Image Alt

حقيقة السحر، وحكم تعلمه

  /  حقيقة السحر، وحكم تعلمه

حقيقة السحر، وحكم تعلمه

فذهب قوم إلى أنه مجرد تخييل لا حقيقة له؛ لقول الله تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]؛ ولقوله تعالى: {سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ} [الأعراف:116]، وذهب آخرون إلى أن السحر حق وله حقيقة، ويكون بالقول والفعل، ويؤلم ويمرض، ويفرِّق بين المرء وزوجه كما ورد ذلك في القرآن الكريم، ولعل هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف أنواع السحر فإن منه ما هو تخييل، ومنه ما هو حقيقة، والنوع الذي له حقيقة هو الذي حصل للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف القائلون بأن للسحر حقيقة اختلفوا هل للسحر تأثير أم لا؟ على قولين:

أولهما: أن السحر ليس له تأثير في نفسه أصلًا لقوله تعالى: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ} [البقرة: 102].

والثاني: أن السحر له تأثير، وأصحاب هذا القول انقسموا إلى طائفتين؛ طائفة تقول بالتأثير مطلقًا، وطائفة تقيده بالتفرقة بين المرء وزوجه.

واعلم أن علماء التفسير تكلموا على السحر عند هذه الآية من سورة البقرة، وهي قول الله تعالى: {وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون} [البقرة:102].

ومن هذه الآية -ملخصًا- أن سليمان عليه السلام كان قد تتبع ما في أيدي الشياطين من السحر، وذلك بحكم سيطرته على الجن والشياطين كما ملَّكه الله ذلك فدفنه تحت كرسيه، وفي بيت خزانته، ولا يدنو منه شيطان مارد إلا احترق، وبعد أن مات سليمان أوحت الشياطين إلى بعض الإنس أن سليمان لم يكن نبيًّا ولكن كان ساحرًا، وأخبرتهم بموضع السحر المدفون فاستخرجه الإنس من بني إسرائيل، وعلموا به وتناقلوا بينهم أن سليمان كان ساحرًا، ولما بعث محمد صلى الله عليه وسلم وانتقل إلى المدينة وكان اليهود بها، ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عليه تبرئة سليمان عليه السلام مما ادعي عليه من السحر، وبيَّن أمر اليهود معه، وبراءته مما ألصقوا به من السحر، والكفر، وأن هذا السحر كان من تعليم الشياطين، ومن تعليم هاروت وماروت لمن اختار لنفسه الكفر. انتهى.

يقول الشيخ حافظ الحَكَمي –رحمه الله- مبينًا حقيقة السحر: “والسحر حق؛ يعني متحقق وقوعه ووجوده، ولو لم يكن موجودًا حقيقة لم ترد النواهي عنه في الشرع والوعيد على فاعله والعقوبات الدينية الأخروية على متعاطيه والاستعاذة منه أمرًا وخبرًا، وقد أخبر الله تعالى أنه كان موجودًا في زمن فرعون، وأنه أراد أن يعارض به معجزات نبي الله موسى عليه السلام في العصا بعد أن رماه هو وقومه به بقولهم: {إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيم} [الأعراف:109] إلى قوله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيم} [يونس:79]، وقال تعالى عن السحرة: {فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيم} [الأعراف:116]، وقال تعالى فيهم: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه:66 – 69] يقال: إنهم كانوا سبعين ألفًا مع كل واحد منهم حبل وعصا، فأخذوا بأبصار الناس بسحرهم وألقوا تلك الحبال والعِصي فرآها الناس حيات عظامًا ضخامًا، وذلك قوله تعالى: {سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيم}، وقوله تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} قال الله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ}  يعني العصا {تَلْقَفْ} تبتلع {مَا صَنَعُوا} أي: السحرة، أي ما اختلقوا وائتفكوا من الزور والتخييل؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُون} وهوَّن الله تعالى أمرهم على نبيه موسى عليه السلام بقوله سبحانه: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} مكره وخداعه {وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}  {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِين} [الأعراف:118، 119]، وقد أخبر الله تعالى عن قوم صالح وكانوا قبل إبراهيم عليه السلام أنهم قالوا لنبيهم عليه السلام: {إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِين} [الشعراء:153]، وقالت قريش لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما ذكر الله تعالى ذلك عنهم في غير موضع، بل ذكر الله عز وجل أن ذلك القول تداوله كل الكفار لرسلهم، فقال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون * أَتَوَاصَوْا بِهِ} [الذاريات:52-53] الآية، وقال سبحانه في ذم اليهود: {وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُون * وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون} [البقرة:101، 102]، وقال تعالى: {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد} [الفلق: 4]. والنفاثات هن السواحر يعقدن وينفثن.

والمقصود أنه ثبت بهذه النصوص وغيرها أن السحر حقيقة في وجوده، وله تأثيره فمنه ما يُمرض، ومنه ما يقتل، ومنه ما يأخذ بالعقول، ومنه ما يأخذ بالأبصار، ومنه ما يفرِّق بين المرء وزوجه، لكن تأثيره ذلك إنما هو بما قدره القدير سبحانه وتعالى؛ أي: بما قضاه وقدره في الكون وشاءه، لا أنه أمر به في الشرعة التي أرسل الله بها رسله وأنزل بها كتبه المطهرة، من ذلك وغيره -كما تقدم- أن القضاء والأمر والحكم والإرادة كل منها ينقسم على كوني وشرعي، فالكوني يشمل ما يرضاه الله ويحبه ويحبه شرعًا، وما لا يرضاه في الشرع ولا يحبه، والشرعي يختص بمرضاته سبحانه وتعالى ومحابه؛ ولهذا قال تعالى في الشرعي: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]، وقال عز وجل: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزُّمَر:7]، فأخبر سبحانه وتعالى أنه يريد بعباده اليسر وأنه يرضى لهم الشكر ولا يرضى لهم الكفر، مع كون كل من العسر واليسر والشكر واقعًا بقضاء الله وقدره، والمقصود أن السحر ليس بمؤثر لذاته نفعًا ولا ضرًّا، وإنما يؤثر بقضاء الله تعالى وقدره وخلقه وتكوينه؛ لأنه تعالى خالق الخير والشر، والسحر من الشر؛ ولهذا قال تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ} [البقرة: 102]، وهو القضاء الكوني القدري، فإن الله تعالى لم يأذن بذلك شرعًا، وقد ثبت في (الصحيحين) من طرق عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله عز وجل ودعاه، ثم قال: أشعرت أن الله قد أفتاني فيما استفتيه فيه؟ قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زُريق، قال: فبماذا؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلعة ذكر. قال: فأين؟ قال: في بئر ذي أروان، قال: فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها وعليها نخل، ثم رجع إلى عائشة فقال: والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، لكأن نخلها رءوس الشياطين. قلت: يا رسول الله: أفأخرجته؟ قال: لا، أما أنا فقد عافاني الله عز وجل وشفاني، وخشيت أن أثور على النار منه شرًّا، وأمر بها فدفنت)).

قال الإمام النووي –رحمه الله- في (شرح مسلم): “قال المازري –رحمه الله- مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأنه له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافًا لمن أنكر ذلك ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله تعالى في كتابه، وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به، وأنه يفرق بين المرء وزوجه، وهذا كله لا يمكن فيما حقيقة له، وهذا الحديث أيضًا يصرح بإثباته، وأنه أشياء دفنت وأخرجت وهذا كله يبطل ما قالوه فإحالة كونه من الحقائق محال، ولا يستنكر في العقل أن الله سبحانه وتعالى يخرق العادة عند النطق بكلام ملفق أو تركيب أجسام أو المزج بين قوى على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر. قلت: -والكلام للحكمي- قول المازري: خلافًا لمن أنكر ذلك. قال ابن هبيرة –رحمه الله- أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة فإنه قال: لا حقيقة له عنده، ثم ذكر الاختلاف في حكم الساحر، وقال القرطبي –رحمه الله-: وعندنا أن السحر حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء خلافًا للمعتزلة وأبي إسحاق الأسفراييني حيث قالوا: إنه تمويه وتخييل. انتهى كلامه.

فثبت بهذا أن السحر له حقيقة وتأثير في المسحور ولا يمكن إنكاره، والذي ينكره نظر إلى نوع من أنواعه وهو ما يأخذ بالأبصار كالذي فعله سحرة فرعون عندما ألقوا حبالهم في قصة فرعون مع موسى عليه السلام.

error: النص محمي !!